Tampilkan postingan dengan label Jihad. Tampilkan semua postingan
Tampilkan postingan dengan label Jihad. Tampilkan semua postingan

Minggu, 17 Juli 2016

Ringkasan Fiqih Jihad Yusuf Qardhawi

Ringkasan Fiqih Jihad Yusuf Qardhawi

حكم مقاتلة المسالمين، الخلاف الفقهي الدائر بين الفقهاء القدامى والمحدثين، وأنهم ينقسمون فريقين : الفريق الأول : يرى أن أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم هي الحرب سواء أكانوا مسالمين أم محاربين. الفريق الثاني : يرى أن أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم السلم، وأنهم لا يقاتلون إلا من قاتلهم . فقه الجهاد1/ 257

الجهاد: بين الدفاع والهجوم

تتناول هذه الحلقة الباب الثالث من أبواب فقه الجهاد لفضيلة الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، وهو من أطول أبواب الكتاب، بل أطولها على الإطلاق حيث تجاوزت صفحاته (170) صحيفة انتظمت (12) اثنى عشر فصلا، كلها تدور حول مناقشة فكرة جوهرية هامة، وهي سبب الحرب وعلتها في الإسلام هل هي للهجوم والغزو بقصد توسيع دائرة الإسلام ، وإخضاع الناس ـ كل الناس ـ وتعبيدهم لله رب العالمين، أم أنها للدفاع عن الإسلام والمسلمين بغرض الدعوة إليه، وعرضه على الناس ثم نترك لهم حرية الاختيار من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ؟

بعبارة أوجز هل القتال في الإسلام للدفاع أم للهجوم؟

وهنا يذكر الشيخ رأيين للعلماء يطلق على الفريق الأول الدفاعيين أو المسالمين المعتدلين، والثانية الهجوميين أو المتشددين.

ـ تحرير محل النزاع

وقبل الخوض في أدلة كل فريق وبيان وجهة نظره يحسن بنا ـ كما فعل الشيخ ـ أن نحرر موطن الخلاف أو النزاع بين الفريقين.

فكلا الفريقين يوجب جهاد الدفع، وهو رد الاعتداء الذي يحدث على أرض أو أفراد الدول الإسلامية في الخارج والداخل، فهذا فرض بإجماع الفقهاء المتقدمين منهم والمتأخرين.

وكلا الفريقين يتفق على وجوب بعض أنواع من جهاد الطلب منها :

أولا: تأمين حرية الدعوة، ومنع الفتنة في الدين، ومقاومة الذين يمنعون الدعوة بالقوة، بل يقتلون الدعاة، كما فعل الأمراء التابعون لإمبراطور الروم.

ثانيا: تأمين سلامة الدولة الإسلامية، وسلامة حدودها، إذا كانت مهدَّدة من قِبَل أعدائها.

ثالثا: إنقاذ المستضعفين من أُسارى المسلمين، أو من أقلياتهم، التي تعاني التضييق والاضطهاد والتعذيب، من قِبَل السلطات الحاكمة الظالمة المستكبرة في الأرض بغير الحق.

رابعا: إخلاء جزيرة العرب من (الشرك المحارب)، المتجبِّر في الأرض، وخلع أنيابه المفترسة، واعتبار الجزيرة وطنا حرًّا خالصا للإسلام وأهله، وبهذا يكون للإسلام معقِله الخاص، وحِماه الذي لا يشاركه فيه أحد ([1])

وموضع الخلاف يتحدَّد في نقطة واحدة، وهي: غير المسلمين المسالمون، الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين، ولم يخرجوهم من ديارهم، ولم يظاهروا على إخراجهم، ولم يظهر في أقوالهم ولا أعمالهم أي سوء يضمرونه للمسلمين، بل كفُّوا عن المسلمين أيديهم وألسنتهم، وألقَوا إليهم السلم، فهل يقاتَل هؤلاء أو لا يقاتَلون؟

فريق المعتدلين أو دعاة السلام، أو الدفاعيين كما يسمُّونهم، يقولون: هؤلاء لا يقاتَلون، لأنهم لم يفعلوا شيئا يستوجب قتالهم، بل صريح آيات القرآن الكثيرة يمنع من قتالهم. نقرأ من هذه الآيات:

في سورة البقرة: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190].

وفي نفس السورة: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256].

وفي سورة آل عمران: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64].

وفي سورة النساء: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} [النساء:90].

والمتشدِّدون من ذوي الرأي المعاكس، يتخلَّصون من هذه الآيات بكلمة في غاية السهولة، ولكنها في غاية الخطورة، وهي قولهم: إن هذه الآيات كلها (منسوخة). والذي نسخها: آية أو جزء من آية من سورة التوبة، وهي: ما أُطلق عليه: (آية السيف). ([2])

وترتب على هذا الفكر المتشدد ـ كما يقول الشيخ ـ عدة آثار منها :

1. رفض ميثاق الأمم المتحدة.

2. تجريم الانضمام إلى هيئة الأمم المتحدة.

3. معارضة اتفاقية إلغاء الرق.

4. معارضة اتفاقية جنيف بشأن الأسرى.

ثم ناقش قضية أخرى وهي أن هذا الفكر المتشدد يثبّت فرية انتشار الإسلام بحد السيف، التي يلصقها غير المسلمين ظلما وعدوانا بالإسلام.

يقول الشيخ : إلا أن أعجب ما رأيتُ وما قرأتُ: أن أحدا من بني جلدتي، أي من المسلمين بل من المنتسبين للعلم الشرعي، وممَّن حصل على درجة (الدكتوراه) في (أهمية الجهاد): مَن يتبنى مقولة انتشار الإسلام بالسيف! ويدافع عنها، ويتَّهم كل مَن يشكِّك فيها أو يردُّ عليها بأنهم من تلامذة الاستعمار! وهو يسميه انتشار الإسلام بالجهاد، ولا فرق بين كلمة (الجهاد) وكلمة (السيف) في هذا المقام. ([3])

وقد صبَّ جام غضبه، ووجه جُلَّ نباله إلى صدر المستشرق الباحث والمؤرخ المنصف بشهادة الجميع: توماس أرنولد، لردِّه المقنع الموثَّق بالأدلة التاريخية على المبشرين والمستشرقين الحاقدين، الذين وصموا الإسلام بأنه لم ينتشر إلا بحدِّ السيف!

وقد قام بترجمة الكتاب المذكور ثلاثة من أبناء المسلمين ذكروا في المقدمة ما يلي:

(وأما مؤلف هذا الكتاب - وهو العالم المحقِّق السير توماس أرنولد - فلا نستطيع أن نقدِّره قدره!!)[4].

قال العَلْياني مؤلف كتاب (أهمية الجهاد): (قلتُ: إن قدره – لو يعلم هؤلاء - هو الضرب بالسيف حتى يبرد، إن لم يخضع للإسلام، أو يدفع الجزية!!)[5] انتهى.

فيا للعار، ويا للغباء!! وأي غباء أعظم من أن يحتضن الإنسان ما يتَّهمه به عدوه، وما يفتريه عليه، ويحاول أن يسنده ويدلِّل عليه، ويتحمَّس له، وأن يعادي مَن ينصره، ويردُّ على خصومه، ويقول بكل جهل وصفاقة: قدره عندنا أن يُضرب بالسيف!!
إن هذا الكاتب وأمثاله يؤذون الإسلام بأكثر مما يؤذيه به أعداؤه المجاهرون، ويخدمون أعداء الإسلام من حيث لا يشعرون بأكثر مما يخدُمهم المبشرون والمنصِّرون، فهم يضرون حيث يريدون أن ينفعوا، ويهدمون حيث يريدون أن يبنوا، وقديما قالوا: عدو عاقل خير من صديق أحمق! ([6])
ثم يناقش الشيخ في الباب الثاني حكم مقاتلة المسالمين، وينقل الخلاف الفقهي الدائر بين الفقهاء القدامى والمحدثين، وأنهم ينقسمون فريقين :

الفريق الأول : يرى أن أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم هي الحرب سواء أكانوا مسالمين أم محاربين.

الفريق الثاني : يرى أن أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم السلم، وأنهم لا يقاتلون إلا من قاتلهم .

أدلة دعاة الحرب على العالم:

استند القائلون بشرعية القتال للناس كافة: مَن حاربنا، ومَن سالمنا، بجملة أدلة من القرآن، ومن الحديث، ومن السيرة النبوية. ومن التاريخ، ومن أقوال الفقهاء، ومن فلسفة الإسلام. نذكر هذه الأدلة إجمالا ثم نعلِّق عليها.

1. قوله تعالى في سورة البقرة: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة:193]، وفي سورة الأنفال: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39]، ومعنى {لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} في رأيهم: أي لا يكون شرك. كما رُوي عن بعض المفسرين.

2. (آية السيف) التي نسخت نحو مائة وأربع عشرة آية، أو مائة وأربعين آية من القرآن، أو أكثر من ذلك. وهي توجب قتال الكفار كافَّة. وأكثر ما قيل: إنها آية: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة:5].

3. حديث: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف". وهو يوحي باستخدام القوة في مواجهة الجميع.

4. حديث: "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله". ومعناه واضح كل الوضوح، فلم يعلِّل القتال بشيء، إلا أن يقولوا: "لا إله إلا الله": أي يدخلوا في الإسلام.

5. غزوات الرسول كانت مبادأة بالهجوم. كما في فتح مكة، وغزوة تبوك، وغيرهما.

6. فتوح الخلفاء الراشدين والصحابة - وهم الذين يُقتدَى بهم فيُهتدَى - كانت ابتداء وطلبا.

7. إجماع الفقهاء على أن الجهاد فرض كفاية على الأمة، ومعناه: وجوب الغزو لأرض الكفار كلَّ سنة مرة. على الأقل.

8. عِلَّة القتال هي (الكفر) فهو وحده عِلَّة تامة، وإن وُجدت علل أو أسباب أخرى، مثل العدوان على الإسلام وأهله، فهي تُقوِّي سبب الكفر.

9. فلسفة إخضاع السلطات الطاغية، والأنظمة الظالمة، لنظام الإسلام، وحكم الإسلام، حتى ترى الشعوب الإسلام بأعينها: عملا وتطبيقا وأخلاقا، فتتأثر به، وتدخل فيه. ([7])

ثم يناقش هذه الأدلة بالتفصيل ، ويفرد الشيخ لكل دليل من هذه الأدلة فصلا مستقلا.

فيقول عند مناقشته للدليل الأول وهو {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} : إن العلماء ـ علماء التفسير مختلفون في تأويل معنى الفتنة هنا هل هي الشرك والكفر أو فتنة المسلمين عن دينهم وإرجاعهم إلى الكفر مرة أخرى، وبعد أن ينقل رأي الجصاص، والرازي والقاسمي، يرجح الرأي الثاني ، وهو القتال حتى لا تكون فتنة للمسلمين والمستضعفين حتى يرجعوا قهرا إلى دين الكفر بعد أن هداهم الله لنور الإيمان .

والدليل الثاني : وهو الاستدلال بآية السيف التي يقول بعض العلماء إنها نسخت (140) مائة وأربعين آية من كتاب الله تعالى يقول الشيخ تعقيبا على هذا الاستدلال :

والعجب العاجب في هذا الأمر: أنهم اختلفوا في تعيين هذه الآية التي زعموها ناسخة - آية السيف - أيُّ آية هذه من كتاب الله؟! وإن اتفقوا على أنها آية من سورة التوبة.

هل هي آية: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ...} [التوبة:5].

أو هي آية: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36].

أو هي آية: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:41].

أو هي آية: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29].

وإن كان الأكثرون يرجِّحون: أن آية السيف هي أول آية ذكرناها في هذا السياق، وهي الآية الخامسة من سورة التوبة. ([8])

ثم يستطرد الشيخ ليعالج هذه القضية من خلال ثلاثة محاور:

الأول: قضية النسخ بين الموسعين والمضيقين.

الثاني: متى يلزمنا القول بالنسخ؟.

الثالث: هل يمكننا القول أن آية السيف نسخت كل هذه الآيات ؟

وبعد أن يستعرض أدلة القائلين بالنسخ وردود العلماء عليها يقول : على أن الذي يُهمُّنا هنا أن نقرِّره ونبيِّنه ونثبِّته، هو: التضييق الشديد في دعاوى النسخ في كتاب الله، فإن الله تعالى لم يُنزل كتابه إلا ليُهتدى بهداه، ويُؤتمر بما أمر، ويُنتهى عما نهى، ويُعمل بأحكامه، وكل دعوى لنسخ آية أو بعض آية منه، فهي على خلاف الأصل، وما جاء على خلاف الأصل لا يُقبل إلا ببرهان يقطع الشكَّ باليقين.

ولو طبَّقنا ما وضعه علماء أصول الدين، وعلماء أصول الفقه، وعلماء أصول التفسير، وعلماء أصول الحديث، من قواعد وضوابط وشروط، فإننا لا نكاد نجد - بل لا نجد - آية في القرآن الكريم مقطوعا بنسخها، وما لم يُقطع بنسخه فيجب أن يبقى حكمه ثابتا مُلزِما كما أنزله الله تعالى، ولا ننسخه ونبطل حكمه بمحض الظن، فإن الظنَّ لا يُغني من الحقِّ شيئا. ([9])

ثم يذكر الشيخ شرطا هاما لقبول النسخ عند من يقول به: (ومن شروط قَبول النسخ عند مَن سلَّم به: أن يكون هناك تعارض حقيقي بين النصِّ الناسخ، والنصِّ المنسوخ، بحيث لا يمكن الجمع بينهما بحال من الأحوال، أما إذا أمكن الجمع ولو في حال من الأحوال، فلا يثبت النسخ، لأنه خلاف الأصل)

وينقل عن السيوطي كيفية معرفة النسخ فيقول : نقل السيوطي في (إتقانه) في بيان كيف يُعرف النسخ؟ عن العلاَّمة ابن الحَصَّار قوله:

(إنما يُرجَع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت آية كذا.

قال: وقد نحكم به عند التعارض المقطوع به، مع علم التاريخ، لنعرف المتقدِم والمتأخِّر.

قال: ولا يُعتمد في النسخ قول عوامِّ المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح، ولا معارضة بيِّنة، لأن النسخ يتضمَّن رفع حكم، وإثبات حكم تقرَّر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. والمعتمد فيه: النقل والتاريخ، دون الرأي والاجتهاد.

قال: والناس في هذا بين طرفيّ نقيض، فمن قائل: لا يُقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول، ومن متساهل يكتفي فيه بقول مفسِّر أو مجتهد، والصواب خلاف قولهما) ([10])

ثمّ يناقش الشيخ الآيات التي قالوا عنها إنها آية السيف، ويناقش بعض الآيات التي قال بعض العلماء أنها نسختها ويخلص إلا أن الأمر خلافي بين الفقهاء حول تحديد آية السيف، وكذلك ما نسخته آية السيف، فبعض هذه الآيات تتحدث عن الأخلاق وقد بعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لإتمام مكارم الأخلاق ويقول : ومن الخطأ البين، أن يعتبر كل أمر جاء به القرآن بالإعراض عن المشركين: منسوخا بآية السيف، فهذا من التوجيه الخُلُقي، في القرآن، وتكوين الجانب الأخلاقي في الشخصية الإسلامية. ومثله لا يُنسخ. ([11])

وينتقل الشيخ إلى الدليل الثالث الذي يعتمد عليه من يقول إن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم الحرب وهو قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : بعثتُ بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظلِّ رمحي، وجعل الذلُّ والصَّغار على من خالف أمري، ومَن تشبَّه بقوم فهو منهم".

ثم يناقش سنده ومتنه، ويخلص إلى أنه لا يسلم من نقد في أحد رواته ينقله من مرتبة الصحة إلى مرتبة الضعف، ويناقش المتن ويخلص إلى أنه يعارض ما جاء في القرآن الكريم من أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعث رحمة للعالمين فيقول : وإذا غضضنا الطرف عن سند الحديث وما فيه من كلام، ونظرنا في متنه ومضمونه، وجدناه كذلك منكرًا، لا يتَّفق مع ما قرَّره القرآن بخصوص ما بُعث به محمد صلى الله عليه وسلم.

فالقرآن لم يقرِّر في آية واحدة من آياته أن محمدًا رسول الله بعثه الله بالسيف، بل قرَّر في آيات شتَّى أن الله بعثه بالهدى ودين الحق والرحمة والشفاء والموعظة للناس.

يقول تعالى في سورة التوبة: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33]، وتكررت الآية بلفظها في سورة الصف [الآية:9].

وقال تعالى في سورة الفتح: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} [الفتح:28].

وهذا كلُّه في القرآن المدني، وفي القرآن المكي نقرأ قوله تعالى في سورة الأنبياء: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107].

وفي سورة يونس: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس:57].

وفي سورة النحل: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل:89].

وفي سورة الإسراء: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً} [الإسراء:105].

وفي سورة البقرة: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} [البقرة:119]....

وهذه الآيات كلها مكيَّة ومدنيَّة، بصِيَغها المختلفة، تدلُّ دلالة جليَّة على أن الرسول الكريم لم يُبعث إلا بالهدى وبالحق وبالتبشير وبالإنذار، والبيان والشفاء لما في الصدور، والرحمة العامة للعالمين، ولم يُبعث بالسيف ولا بالرمح، كما هو منطوق الحديث.

وليس هناك أصدق ولا أبلغ من آيات القرآن العظيم تُؤخذ منها المفاهيم الحقيقية والأساسية لهذا الدين ([12])

وينتقل إلى مناقشة الدليل الرابع وهو قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمرتُ أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله ، ثم ينقل كلام الفقهاء وشراح الحديث القدامى والمحدثين ويخلص إلا أن هذا الحديث من العام الذي أريد به الخصوص، وينقل هنا كلام الشيخ محمد الغزالي في تعليقه على هذا الحديث فيقول:

فليست الغاية من القتال إذن أن يقولوا: لا إله إلا الله، كما جاء في الحديث.

فإذا كان أهل الكتاب مستثنين من الحديث المذكور، فهل يتناول الوثنيين كلهم؟ والجواب: لا! ففي حديث آخر صحيح إلحاق للمجوس بأهل الكتاب: "سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب" (رواه مالك والبيهقي وغيرهما وضعفه الألباني.)

الحق أن الحديث في مشركي العرب الذين ضنُّوا على الإسلام وأهله بحقِّ الحياة، ولم يحترموا معاهدة مبرَمة، ولا موثقا مأخوذا.

وقد مُنح هؤلاء أربعة أشهر يراجعون أنفسهم ويصحِّحون موقفهم، فإن أبَوا إلا القضاء على الإسلام وجب القضاء عليهم.

ونقل كلاما آخر للإمام ابن تيمية رحمه الله في هذا الحديث حيث يقول: عرض شيخ الإسلام ابن تيمية لهذا الحديث في رسالته (قاعدة في قتال الكفار)، فكان له في فَهمه وشرحه تفسير آخر، غير ما يقوله الأكثرون، يجب أن نسجِّله هنا، لعمقه ووضوحه وأهميته. قال رحمه الله:

(وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقِّها، وحسابهم على الله": هو ذكر للغاية التي يُباح قتالهم إليها، بحيث إذا فعلوها حرم قتالهم.

قال: والمعنى: أني لم أُؤمر بالقتال إلا إلى هذه الغاية. ليس المراد: أني أُمرتُ أن أقاتل كل أحد إلى هذه الغاية! فإن هذا خلاف النصِّ والإجماع. فإنه لم يفعل هذا قط. بل كانت سيرته: أن مَن سالمه لم يقاتله) ([13])

ثم ينتقل إلى مناقشة الدليل الخامس، وهو الاستدلال بغزوات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ويرد على هذه الدعوى بكلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم حيث يقول : (وكانت سيرته (صلى الله عليه وسلم): أن كلَّ مَن هادنه من الكفار لا يقاتله. وهذه كتب السيرة والحديث والتفسير والفقه والمغازي: تنطق بهذا. وهذا متواتر من سيرته.

فهو لم يبدأ أحدا من الكفار بقتال، ولو كان الله أمره بقتل كلِّ كافر، لكان يبتدئهم بالقتال)

ويقول ابن القيم في (هداية الحيارى): (ولم يكره أحدا قط على الدين، وإنما كان يقاتل مَن يحاربه ويقاتله. وأما مَن سالمه وهادنه، فلم يقاتله، ولم يكرهه على الدخول في دينه، امتثالا لأمر ربه حيث يقول: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256]، وهذا نفي في معنى النهي، أي لا تكرهوا أحدا على الدين. والصحيح أن الآية على عمومها في حقِّ كلِّ كافر.

ومَن تأمَّل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تبيَّن له أنه لم يكره أحدا على دينه قط، وأنه إنما قاتل مَن قاتله، وأما مَن هادنه فلم يقاتله ما دام مقيما على هدنته، لم ينقض عهده؛ بل أمره الله تعالى أن يفيَ لهم بعهدهم ما استقاموا له، كما قال تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} [التوبة:7]، ولما قدم المدينة صالح اليهود وأقرَّهم على دينهم، فلما حاربوه ونقضوا عهده وبدؤوه بالقتال قاتلهم، فمنَّ على بعضهم، وأجلى بعضهم، وقتل بعضهم، وكذلك لما هادن قريشا عشر سنين لم يبدءهم بقتال حتى بدؤوا هم بقتاله ونقضوا عهده، فعند ذلك غزاهم في ديارهم، وكانوا هم يغزونه قبل ذلك، كما قصدوه يوم أحد، ويوم الخندق، ويوم بدر أيضا هم جاؤوا لقتاله، ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم، والمقصود: أنه صلى الله عليه وسلم لم يكره أحدا على الدخول في دينه البتة، وإنما دخل الناس في دينه اختيارا وطوعا)

ثم يتبعه بآراء للمعاصرين من أمثال الشيخ محمد الغزالي والشيخ عبد اللطيف آل محمود وغيرهم([14])

وينتقل لمناقشة الدليل السادس وهو الاستدلال بفتوحات الخلفاء الراشدين على أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو الحرب لا السلم، فيقول :

والذي أراه ويراه المحققون المتدبِّرون للتاريخ، الذي يقرؤونه قراءة صحيحة غير سطحية ولا معتسفة : أن هذه الفتوح كانت امتدادًا لما بدأ في العهد النبوي من صدام مسلَّح مع الجبابرة الطغاة، أو - بتعبير عصرنا - مع الإمبريالية العالمية المستكبرة، لم يكن هدفها مجرَّد التوسُّع وإخضاع الآخرين، بل كان لها أهداف عدة منها:

1. إزالة الحواجز من طريق الإسلام.

2. حروب وقائية لحماية الدولة الإسلامية.

3. حروب تحرير للشعوب المستضعفة. ([15])

وينتقل الشيخ لمناقشة الدليل السابع الذي يعتمد عليه القائلون بأن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم الحرب وهو أن الكفر وحدة علة كافية للقتل والقتال.

وينقل رأي الحنفية وهو يخالف رأي الشافعي في هذه المسألة ثم يذكر رأي ابن تيمية واستدلاله على أن الأصل في العلاقة السلم فيقول: ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة في (قتال الكفار)، أيَّد فيها هذا الرأي بما عهد عنه من براعة وتميُّز وموسوعية، في قوة التأصيل، ووفرة التدليل، وقد أنكرها بعض علماء السعودية، وأبَوا أن يُدخلوها في مجموع فتاواه التي بلغت خمسة وثلاثين مجلدا، بغير حُجَّة، إلا أنها لا توافق اتجاههم الذي تبنَّوه، وهو وجوب قتال العالم كله: مَن سالمنا ومَن حاربنا سواء.

وقد أقرَّها العلاَّمة الشيخ محمد أبو زهرة، ونقل منها في كتابه عن (ابن تيمية).

وأقرَّها كذلك العلاَّمة الفقيه الحنبلي الشيخ عبد الله بن زيد المحمود - قاضي قضاة قطر - في كتابه (الجهاد المشروع في الإسلام) وأكثر النقل منها.

وأقرَّها كذلك العالم والباحث السعودي الشيخ الدكتور عبد الله القادري الأهدل في كتابه عن (الجهاد في الإسلام) ونقل منها....

وفي هذه الرسالة بيَّن شيخ الإسلام اختلاف الأئمة حول هذه القضية الكبيرة: هل يقاتَل الكفار لحرابهم واعتدائهم على المسلمين، أو لمجرَّد كفرهم، وإن لم يقع منهم ضرر ولا أذى للمسلمين، إلى رأيين:

الأول: هو رأي الجمهور: مالك وأبي حنيفة وأحمد، والثاني: هو رأي الشافعي.

وقد رجَّح ابن تيمية رأي الجمهور، وضعَّف رأي الشافعي، وبسط القول في ذلك على عادته، بما حباه الله من غزارة العلم، وقوة الحجَّة، والقدرة على التأصيل.

ونستطيع أن نلخِّص أهم أدلَّته هنا :

1- قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} [البقرة:190]، فهذا تعليق للحكم بكونهم يقاتلوننا، فدلَّ على أن هذا علَّة الأمر بالقتال.

2- ما ثبت في السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم، مرَّ في بعض مغازيه على امرأة مقتولة، فقال: "ما كانت هذه لتقاتل". فعلم أن العلَّة في تحريم قتلها: أنها لم تكن تقاتل، لا كونها مالا للمسلمين (أي كما يقول الشافعي).

3- وأيضا قوله: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256]. وهذا نصٌّ عام: أنا لا نُكره أحدا على الدين، فلو كان الكافر يقتل حتى يُسلِم، لكان هذا أعظم الإكراه على الدين.

قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ - (أضعفتموهم) - فَشُدُّوا الْوَثَاقَ - (ابدؤوا الأسر) - فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد:4]. والمن: إطلاق الأسير بغير مقابل. والفداء: أن يفدى بمال أو بأسير أو أكثر.

4- كما استدلَّ شيخ الإسلام بسيرته صلى الله عليه وسلم، فقال: وكانت سيرته: أن كلَّ مَن هادنه من الكفار لا يقاتله. وهذه كتب السيرة والحديث والتفسير والفقه والمغازي تنطق بهذا. وهذا متواتر من سيرته.

فهو لم يبدأ أحدا من الكفار بقتال، ولو كان الله أمره أن يقتل كلَّ كافر لكان يبتدئهم بالقتل والقتال.

5- قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ - (أضعفتموهم) - فَشُدُّوا الْوَثَاقَ - (ابدؤوا الأسر) - فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد:4]. والمن: إطلاق الأسير بغير مقابل. والفداء: أن يفدى بمال أو بأسير أو أكثر.

6- كما استدلَّ شيخ الإسلام بسيرته صلى الله عليه وسلم، فقال: وكانت سيرته: أن كلَّ مَن هادنه من الكفار لا يقاتله. وهذه كتب السيرة والحديث والتفسير والفقه والمغازي تنطق بهذا. وهذا متواتر من سيرته.

7- قال شيخ الإسلام: وأيضا لو كان مجرَّد الكفر مبيحا، لما أنزل النبي صلى الله عليه وسلم قريظة على حكم سعد بن معاذ فيهم، ولو حكم فيهم بغير القتل لنَفَذَ حكمه.

8- وأيضا فلو كان الكفر موجبا للقتل: لم يجُز إقرار كافر بالجزية والصغار، فإن هذا لم يبدِّل الكفر. ولهذا لما كانت الردَّة موجبة للقتل، لم يجُز إقرار مرتد بجزية وصغار.

9- أكَّد ابن تيمية قوله بأن الأصل في قتل الآدمي الحرمة، ولو كان غير مسلم. وإنما أباح الله من قتل النفوس ما يُحتاج إليه في صلاح الخلق، ولذا قرَّر: أن قتل الكافر الذي لا يضرُّ المسلمين، من غير سبب يوجب قتله: فساد لا يحبُّه الله ورسوله. وإذا لم يقتل يُرجى له الإسلام، كالعصاة من المسلمين. ([16])

ثم يتحدث عن الدليل الثامن وهو دعوى إجماع الفقهاء على أن جهاد الطلب فرض كفاية

وعلى وجوب الغزو مرة كل سنة، وقد ذكر اختلاف الفقهاء حول هذه المسألة ، فليس عليها إجماع، وبالتالي لا يمكننا الاستدلال بالإجماع هنا يقول الشيخ: لا يوجد إجماع في هذه القضية، فقد وجد من الأئمة مَن قال: إن الجهاد كان فرضا على الصحابة وحدهم. كما حكى ذلك الحافظ في (الفتح)، وكما روى مسلم، عن ابن المبارك في توجيه حديث: "مَن مات ولم يغزُ، ولم يحدِّث نفسه بالغزو فقد مات على شعبة من النفاق"، أن ذلك كان في شأن الصحابة. وقال النووي: إن هذا محتمل.

كما وجد من الصحابة والتابعين والأئمة مَن قالوا: إن جهاد الطلب تطوُّع لا فرض، كما نقل ذلك الإمام أبو بكر الرازي (الجصاص)، وابن أبي شيبة، وغيرهما، عن ابن عمر رضي الله عنهما، وعن عطاء وعمرو بن دينار من التابعين، وعن ابن شُبرُمة وسفيان الثوري من الأئمة. ([17])

ويتحدث عن الدليل التاسع وهو: فلسفة إخضاع السلطات الطاغية، والأنظمة الجاهلية لنظام الإسلام، ويناقش الأستاذ المودودي والأستاذ سيد قطب في هذه الفكرة فيقول :

هناك فريق من إخواننا العلماء والدعاة المعاصرين، الذين لا نشكُّ في إخلاصهم لدينهم، وغَيْرتهم على إسلامهم، وصدقهم في توجُّههم: دافعوا عما ذهب إليه جمهور العلماء القدامى بحرارة وحماس، وتركوا لأسنَّة أقلامهم البليغة تصول وتجول، مدافعة عن الجهاد الإسلامي، وأنه (جهاد هجومي)، يعلن الحرب على العالم كله...

عيب هؤلاء الإخوة من العلماء والدعاة يتمثَّل عندي في آفتين رئيستين:

الأولى: أنهم يتحدَّثون عن هذا الأمر المختلَف فيه، وكأنه قضية إجماعية، أو كأنه معلوم من الدين بالضرورة، والأمر على خلاف ذلك...

الثانية: اتهامهم لكل مَن يخالفهم بالسذاجة والغفلة والبَلَه: من الناحية العقلية، وبالاستخذاء والروح الانهزامية: من الناحية النفسية...

وبعد أن ينقل فكرة الأستاذ سيد قطب من خلال تفسيره لسورة الأنفال يقول:

وإني - بعد نقل هذه الفقرات الطويلة - لا أملك إلا أن أُقدِّر للشهيد سيد قطب إخلاصه وحماسه في الدفاع عن قضيته، وأحيي قلمه البليغ على ما قدَّمه من اعتبارات لها وزنها وتأثيرها، تؤيِّد وِجهة نظره، وتهاجم المخالفين هجوما حاد النبرة، عالي الصوت، من شأنه أن يخوِّفهم، ويخرس ألسنتهم فلا تنطق، وأقلامهم فلا تكتب.

ومع هذا كله أودُّ أن أناقش في هدوء ما ساقه داعيتنا الأديب الكبير رحمه الله مبديا هذه الملاحظات الأساسية:

أولا: لم يكن الأستاذ دقيقا في عرضه لفكرة خصوم الجهاد الهجومي على العالم.

فلم يقل واحد من هؤلاء – ابتداء من محمد عبده ورشيد رضا وشلتوت ودراز وخلاَّف وأبي زهرة وحسن البنا والسباعي والغزالي، ومَن بعدهم – باعتبار الإسلام نظاما محليا مقصورا على وطن بعينه، فمن حقه أن يدفع الهجوم عليه في داخل حدوده الإقليمية.

بل اعتبره كل هؤلاء دعوة عالمية، من حقها أن تبلَّغ إلى العالمين، وأي وقوف في وجهها، أو صدٍّ عن سبيلها، أو عدوان على الدعاة إليها، يجعل لها الحق في الجهاد، تأمينا لحرية الدعوة، ومنعا للفتنة الصادَّة عنها

ثانيا: رفض الأستاذ قطب رحمه الله فكرة في غاية الوضوح والجلاء، وهي: أن الإسلام بطبيعة دعوته العالمية الإيجابية، وبصفته دعوة إلى تحرير البشر من الطواغيت، وتحرير الإنسان من العبودية للإنسان، وأنه ليس دينا مغلقا على نفسه، أو قانعا بالعزلة في أرضه، لا بد لدين بهذه القوة: أن تقاومه الجاهليات الحاكمة بأمرها في بلاد الله، وِفقا لسنة التدافع بين الخلق، فهو بهذا مضطَّر أن يخوض المعركة دفاعا عن رسالة الحق والخير والعدل والتوحيد.

ثالثا: أعلن الأستاذ سيد: أن الدعوة إلى الإسلام يمكن أن تكتفي بالجهاد بالبيان واللسان حين يُخلَّى بينها وبين الأفراد، تخاطبهم بحرية، وهم مطلقو السراح من جميع المؤثرات المادية السياسية، فهنا: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}، أما حين توجد تلك العقبات والمؤثرات المادية، فلا بد من إزالتها أولا بالقوة، للتمكُّن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله، وهو طليق من هذه الأغلال.

وأقول للأستاذ رحمه الله: إن عصرنا هذا قد أتاح لنا أن نخاطب عقل الإنسان وقلبه في أنحاء العالم، بوسائل شتَّى: بالإذاعات الموجَّهة، والقنوات الفضائية، وشبكة الإنترنت، والرسائل المكتوبة بشتَّى اللغات، وهذه تحتاج منا إلى جيوش جرَّارة من الدعاة والمعلمين والإعلاميين المدرَّبين، القادرين على مخاطبة الناس بلغاتهم

رابعا: نسى الشهيد رحمه الله: الآيات والأحاديث الكثيرة التي قيَّدت القتال المطلوب بأنه لمَن قاتلنا، ونهتنا عن الاعتداء: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} [البقرة:190]، {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} [النساء:90]...

خامسا: إن سيد قطب بتوجهه هذا وتفكيره هذا: يعادي العالم كله، مَن سالمه ومَن حاربه على حدٍّ سواء، مَن عاهده ومَن لم يعاهده، ويتحدَّى العالم كلَّه، ويستنفرَّ العالم كلَّه ليقف ضدَّ المسلمين، فهم خطر على العالم كلِّه إذا ملكوا القوة والقدرة، ترى ماذا سيكون مصير العالم لو ملك المسلمون ما تملكه أمريكا اليوم من قوة عسكرية، وقوة اقتصادية، وقوة علمية وتكنولوجية، وأسلحة نووية؟ إنهم لا شكَّ سيُخضعون العالم كله لسلطانهم، وهذا ما تريده أمريكا اليوم: إخضاع العالم لفلسفتها وإرادتها.

سادسا: كان الأستاذ سيد قاسيا شديد الوطأة على مخالفيه، فهم – عنده - المهزومون رُوحيا وعقليا، الموسومون بالسذاجة والبَلَه، الغافلون عن منهج الإسلام وطبيعة دعوته، ومخالفوه هؤلاء هم أعلام الأمة وعمالقة الفكر والفقه والدعوة.

ثم يختم هذا الباب الهام بأدلة المسالمين أو الداعين إلى السلم ، وكل ما استدل به هنا سبق أن تحدث به أثناء النقاش ونذكر من هذه الأدلة :

عنهم، بجملة وافرة من الأدلة كذلك، نجملها فيما يلي:

1- دعوة الإسلام إلى السلم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة:208]، وقد فُسِّر {السِّلْمِ} في الآية: بالموادعة وترك الحرب، كما فُسِّر بالإسلام وشرائعه كافَّة.

2- قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190]، فشرع قتال مَن قاتلنا، ومفهومه عدم قتال مَن لم يقاتلنا، ونهى عن الاعتداء ومنه قتال مَن سالم.

3- منعه - في سورة النساء - صراحة عن قتال مَن سالمنا، بقوله تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} [النساء:90...

4- أمره سبحانه بالجنوح للسلم - حتى بعد وقوع القتال - إذا جنح لها العدو، وإن كان يريد الخداع، قال تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} [الأنفال:62،61].

5- أمر الله تعالى لرسوله بالتولِّي والإعراض عن المشركين إذا لم يستجيبوا لدعوته، ولم يُؤمر بقتالهم، ففي سورة التوبة: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [الآية:129]...

6- وضع دستور المسالمة والمحاربة في آيتين من سورة الممتحنة: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة:9،8].

7- حديث الرسول المتفق عليه: "لا تتمنَّوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية ...".

8- قراءة صحيحة للسيرة النبوية ولغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم.

9- قراءة صحيحة لفتوحات المسلمين: أنها كانت ردًّا لعدوان، أو منعا لفتنة المؤمنين.

10- بيان أن عِلَّة القتال هي: الاعتداء والحِراب والفتنة في الدين. وليست مجرَّد الكفر، {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون:6].

11- فلسفة الإسلام في كسب الناس بالسلم، والدعوة بالحُجَّة الإقناع، والأسوة الحسنة.

_________________

[1] - فقه الجهاد1/ 240 – 241 .

[2] - فقه الجهاد1/ 243- 245 .

[3] - فقه الجهاد1/ 252 .

[4]- مقدمة كتاب الدعوة لأرنولد صـ5.

[5]- من كتاب (أهمية الجهاد) للعلياني صـ262.

[6] - فقه الجهاد1/ 253 - 254 .

[7] - فقه الجهاد1/ 257 .

[8] - فقه الجهاد1/ 268 - 269 .

[9] - فقه الجهاد1/ 281 - 282 .

[10] - فقه الجهاد1/ 282 - 283 .

[11] - فقه الجهاد1/ 282 - 283 .

[12] - فقه الجهاد1/ 315 - 326 .

[13] - فقه الجهاد1/ 327 - 337 .

[14] - فقه الجهاد1/ 339 - 364 .

[15] - فقه الجهاد1/ 339 - 364 .

[16] - فقه الجهاد1/ 373 - 383 .

[17] - فقه الجهاد1/ 385 .

المصدر

Minggu, 10 Juli 2016

Jihad defensif dan jihad ofensif

Jihad defensif dan jihad ofensif (Arab: jihad difa' / daf'i dan jihad tholab / hujum)

الجهاد بين الدفع والطلب

قديما وحديثا انقسم الفقهاء إلى فريق الهجوميين كما سماهم القرضاوي وإلى فريق الدفاعيين، أعلن القرضاوي اعتزازه بانتمائه إليهم: هجوميون يرون فرضا على جماعة المسلمين أن تغزو ولو مرة واحدة في السنة ديار الكافرين للدعوة للإسلام وتوسيع دياره، ويرون في الكفر بحد ذاته سببا كافيا لإعلان الحرب وشرعية القتل، حتى وإن لم يجترح أهله عدوانا على المسلمين. وأن جماعة المسلمين تكون آثمة إذا لم تفعل ذلك. ويسند أهل هذا الرأي -وهم جمهور من الفقهاء أبرزهم من القدامى الإمام الشافعي ومن المحدثين سيد قطب والمودودي والنبهاني- يسندون موقفهم بأدلة من الكتاب والسنة ومن وقائع التاريخ.

تتلخص في الآيات الداعية إلى مقاتلة المشركين كافة "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" (التوبة/36) و"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة/29) و"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" (التوبة 5)، واختلفوا في أي منها الآية التي دعوها بآية السيف التي نسخت في رأيهم كل ما يخالفها من آيات ناهزت المائتين تدعو إلى الرحمة والعفو وحرية المعتقد والنهي عن الإكراه والقسوة، وتكل المحاسبة على العقائد إلى الله سبحانه. كما يستندون إلى نصوص حديثية مثل حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله" (رواه البخاري). ويجدون في غزوات النبي عليه السلام وفي الفتوحات الإسلامية في صدر الإسلام ما يعززون به تصورا ينطلق من أن الحرب وليس السلم الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم.

"لا تمنع القرضاوي مخالفته لفريق الهجوميين أن يلتمس العذر لهم وبالخصوص القدامى منهم بسبب ما كان سائدا من علاقات بين الأمم والدول تقوم على أساس القوة والحرب، والتهديد الوجودي الذي ظل الإسلام معرضا له "

ولا تمنع القرضاوي مخالفته لهم أن يلتمس العذر لهم وبالخصوص القدامى منهم بسبب ما كان سائدا من علاقات بين الأمم والدول تقوم على أساس القوة والحرب، والتهديد الوجودي الذي ظل الإسلام معرضا له منذ لحظة ظهوره داخل البيئة العربية أو من محيطها.

ورغم تأكيد القرضاوي مع آخرين قدامى ومحدثين مما هو إجماع بين المسلمين أن الجهاد يكون واجبا على كل مسلم إذا تعرضت دار الإسلام للعدوان أو تعرض المسلمون للفتنة في دينهم، وأن لكل مسلم حظه من الجهاد مجاهدة لنفسه وللشيطان وللمنكرات وبسطا للمعروف ونصرة للدين بحسب وسعه فإن القرضاوي قد أفضت دراساته وتمحيصاته لمختلف النصوص المتعلقة بالجهاد ومقاربات العلماء والقدامى والمحدثين لها إلى النتائج التالية:

1- أن ما ورد من آي في القرآن الكريم وبخاصة في سورة التوبة من نصوص تأمر بقتال المشركين كافة، كانت من قبيل المعاملة بالمثل "كما يقاتلونكم كافة" ولم تكن توجيها عاما وقاعدة للتعامل مع غير المسلمين كافة، بل كانت حديثا عن فئة مخصوصة من مشركي العرب بدأت بحرب الإسلام منذ ظهوره وطاردته حتى في مهجره ونكثت العهود وألبت عليه الجميع لاستئصال شأفته "ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة" (التوبة 13) وفي السورة نفسها وفي غيرها ما يخصصها من مثل "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" (الأنفال/61) ولا مجال لضرب القرآن بعضه ببعض بل الأصل إعمال كل الآيات والأحاديث وهي تجتمع على إقرار قاعدة: الإسلام يسالم من يسالمه ويحارب من يحاربه.

2- أن الجهاد القتالي ليس فريضة على الجماعة المسلمة وعلى كل مسلم في كل حال مثل فريضة الشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج لأنه على أهميته في بنية الإسلام لم يرد في الأوصاف الثابتة للمتقين التي وردت في سورة البقرة وفي أوصاف المؤمنين كما وردت في سورة الأنفال وسورة (المؤمنون) وصفات أولي الألباب في الرعد وصفات عباد الرحمن في الفرقان وصفات المحسنين في الذاريات وصفات الأبرار في سورة الإنسان، بما يجعل ممارسة الجهاد القتالي فريضة تجب على المسلمين فقط عندما تتوفر موجباتها من مثل العدوان على المسلمين وعلى بلادهم وعلى دينهم ... أما الإعداد له فواجب عليهم في كل حال بحسب الوسع سبيلا للردع وتحقيقا للسلم.

3- ليس على المسلمين غزو ديار الكافرين إذا كانوا آمنين على أنفسهم منهم، حسبهم أن يكون لهم جيش مرهوب الجانب مسلحا بأحدث الأسلحة وعلى أعلى مستوى من التدريب ينشر قواته في كل الثغور حتى يرتدع الأعداء ولا يفكروا في الهجوم على المسلمين فيكون فرض الكفاية قد أدي، (ص91). مع ملاحظة أن القرضاوي يؤثر استخدام مصطلح غير المسلمين بديلا عن مصطلح الكافرين فذلك عرف القرآن في الاستعمال "يا أهل الكتاب" "يا أيها الناس" "يا أيها الإنسان" "يا بني إسرائيل" "يا قوم" "يا بني آدم". ولم يخاطب غير المسلمين بالكافرين إلا في حالات خاصة كانت فيها مساومات على العقيدة.

4- لقد اعترف الإسلام بحرية المعتقد ومسؤولية الإنسان على معتقده أمام الله، وعلى أساس ذلك لم تعرف مجتمعاته الحروب الدينية، فقد تعايشت في ظله ولا تزال كل الديانات السماوية والوضعية، وفق نظام الذمة الذي خوّل المواطنة حتى لغير المسلمين مهما اختلفت دياناتهم، حسبهم ليتمتعوا بحقوق حماية الدولة المسلمة على غرار المسلمين أن يؤدي القادرون منهم ضريبة "الجزية"، وهي تقابل في العصر ضريبة الخدمة العسكرية، فيمكن على أساس توحيد الوعاء الضريبي وتعميم الخدمة العسكرية الاستغناء عن نظام الذمة بسبب ما تعرض للتشويه وليس هو قاعدة من قواعد الدين، وإنما إجراء تنظيمي.

5- أن الظروف التاريخية وليست نصوص الإسلام ما دعا كثيرا من الفقهاء إلى القول بفرضية جهاد الطلب لغزو ديار الكافرين، إذ كانت الأمة مهددة باستمرار من جيرانها الأقوياء، الفرس والروم (ص82)، حيث لم تكن قوانين دولية تقوم على تبادل الاعتراف بين الدول ومنع العدوان كما هو اليوم رغم تجاوز الأقوياء لها.

"الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم والتعاون على الخير, فالإسلام يبغض الحرب ولا يقدم عليها إلا كارها مضطرا "كتب عليكم القتال وهو كره لكم" والسلم هو عنوان الإسلام وهو تحية المسلمين وتحية أهل الجنة وهو اسم من أسماء الله"

6- الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم والتعاون على الخير. فالإسلام يبغض الحرب ولا يقدم عليها إلا كارها مضطرا "كتب عليكم القتال وهو كره لكم" (البقرة/216) والسلم هو عنوان الإسلام وهو تحية المسلمين وتحية أهل الجنة وهو اسم من أسماء الله. وأبغض الأسماء عند الله "حرب". وكانت العرب محاربة وتتسمى بهذا الاسم، لكن النبي عليه السلام عندما أخبره علي رضي الله عنه بأن فاطمة رزقت ولدا وأنه سماه "حرب" أمره أن يسميه "حسن".

7- الإسلام يرحب بالمواثيق الدولية التي تحظر العدوان وتنادي إلى السلم في علاقات الدول كما يرحب بالهيئات الدولية التي تقوم على رعايتها مثل الأمم المتحدة واليونسكو، إلا أن الغرب لا يزال يؤمن بمبدأ القوة في علاقاته بالدول والأمم الأخرى. ومن ذلك احتكار دوله الكبرى لحق الاعتراض في تحد صارخ لمبدأ المساواة وضمانا لحماية مصالحها وضروب عدوانها من كل إدانة كما فعلت الولايات المتحدة وبريطانيا في غزوهما للعراق دون تفويض، آمنتين من كل إدانة وكما تفعلان في حمايتهما لكل ما يقوم به الصهاينة من ضروب عدوان على فلسطين وأهلها.

8- في ظل الاعتراف الدولي بحقوق الإنسان ومنها حقه في حرية الاعتقاد والدعوة إليه وإقامة مؤسساته وحماية الأقليات ينتفي مسوغ أساسي من مسوغات جهاد الطلب أي الغزو من أجل الدعوة إلى الإسلام وما كان يهدف إليه من إزاحة عقبة الأنظمة الطاغوتية التي كانت تمنع الشعوب من أن تفكر أو تؤمن بخلاف الفرعون الذي لم يتردد في الاستنكار على بني إسرائيل أن يؤمنوا بالله قبل أن يأذن لهم "ءامنتم له قبل أن آذن لكم" (طه/71) بينما اليوم قد انداحت في الأرض كما لم يحصل في أي فترة ماضية من تاريخ الإسلام مساجده وأقلياته، بما يجعل حاجتنا أكثر إلى "جيوش جرارة من الدعاة والمعلمين والإعلاميين المدربين المقتدرين على مخاطبة العالم بلغاته المختلفة وبأساليب عصر للأسف الشديد لا نملك ولو واحد من الألف من المطلوب" (16) ويتحسر القرضاوي على أنك قد تجد الكثير ممن هو مستعد لأن يموت في سبيل الله ولكن القليل القليل من يملك الاستعداد ليعيش في سبيل الله.

9- تكشف مصادر الإسلام أن العالم ينقسم من وجهة نظر الإسلام إلى عوالم ثلاثة: دار إسلام حيث تسود شريعته وفي الأقل تظهر شعائره ويأمن القائمون بها والداعون لها، ودار عهد أي دول بينها وبين دولة المسلمين أو دولتهم تبادل اعتراف ومنع اعتداء، ودار حرب. ويعتبر القرضاوي أن المسلمين بمقتضى كونهم جزءا من نظام الأمم المتحدة هم في حالة تعاهد مع كل دول العالم باستثناء دولة الكيان الصهيوني، بسبب اغتصاب الصهاينة لأرض فلسطين وتشريدهم لشعبها، والمؤسف أن ذلك قد تم بمساعدة الدول الكبرى ولذلك يعتبر القرضاوي أن المشكلة الأكبر في علاقتنا بالغرب هذه المشكلة: دعمه الثابت غير المحدود لإسرائيل وعدوانها المستمر على فلسطين وأهلها.

10- يميز القرضاوي بين الجهاد والإرهاب أو قل بين الإرهاب المشروع أي إرهاب العدو لمنعه من العدوان، وبين الإرهاب غير المشروع، وهو ترويع الآمنين بمثل ما تفعل بعض الجماعات المنتسبة للإسلام من إعلانها الحرب على العالم في استخدام غير مشروع للجهاد في غير موضعه، إذ تروع الآمنين مسلمين وغير مسلمين من أجل تحقيق أهداف سياسية تزعمها سواء داخل دار الإسلام أو خارجها، في مخالفات صريحة لمبادئ وأخلاقيات الجهاد في الإسلام وإساءة له أيما إساءة وتأليب الأمم عليه وعلى أهله ومحاصرة أقلياته. ولذلك استنكر القرضاوي أحداث العنف المعروفة التي اقترفتها هذه الجماعات المتشددة في بلاد إسلامية وغير إسلامية في حق نفوس آمنة، سواء أكانوا سواحا مستأمنين أم غيرهم. وفند مشروعية ما تقترفه هذه الجماعات من قتل عشوائي واستباحة لأرواح ودماء معصومة.

11- القرضاوي حريص أيما حرص على التمييز بين جماعات التشدد المعلنة حربها على العالم في قتل عشوائي أساء للإسلام ومكن لأعدائه أسلحة ماضية في حربه، وبين جماعات المقاومة للاحتلال، فبقدر ما شجب الأولى وفند أسانيدها بقدر دفاعه عن الثانية وتحريضه الأمة للوقوف معها وبخاصة في فلسطين، على أن تستهدف أعمالها العسكريين. ولم يتردد في تسويغ العمليات الاستشهادية معتبرا إياها سلاح المضطر الذي حرم من سلاح مكافئ لما في يد عدوه لدفعه عن داره وأرضه إلا أن عدالة الله سبحانه تأبى أن يحرم الضعيف من أي سلاح ، فكان استخدامه لجسمه ذاته سلاحا رادعا. وفي كل الأحوال يجب الالتزام بأخلاقيات الجهاد في الإسلام فلا يستهدف إلا مقاتل.

"يرى القرضاوي أن الحرب القائمة بيننا وبين اليهود ليست حربا من أجل أنهم ساميون, أو أنها حرب من أجل العقيدة، ولكن المعركة معهم بسبب أنهم اغتصبوا أرض فلسطين وشردوا أهلنا وستظل المعركة قائمة ما دامت الأسباب قائمة"

12- ولا يفوت القرضاوي وهو يؤكد أن أول أنواع الجهاد الواجب على الأمة في العصر تحريرها من بقايا الاستعمار وخصوصا في فلسطين، أن ينبه ويؤكد خطأ البعض ممن يتوهم أن الحرب القائمة بيننا وبين اليهود حرب من أجل أنهم ساميون مع أننا ساميون مثلهم ننحدر جميعا من سلالة إبراهيم، أو أنها حرب من أجل العقيدة، كلا فاليهود يعتبرهم الإسلام أهل كتاب يبيح مؤاكلتهم ومصاهرتهم وعاشوا بين ظهراني المسلمين آمنين وآويناهم لما نبذتهم أوروبا من إسبانيا وغيرها ولم يجدوا صدرا حنونا إلا في دار الإسلام. الواقع أن المعركة بيننا وبين اليهود بدأت بسبب واحد لا شريك له أنهم اغتصبوا أرض فلسطين وشردوا أهلنا وفرضوا وجودهم الدخيل بالحديد والنار وستظل المعركة قائمة ما دامت الأسباب قائمة. لا يملك أحد أن يتنازل عن أرض إسلامية، إنما يمكن إقامة هدنة بيننا وبين إسرائيل لفترة من الزمن. أما مبدأ الأرض مقابل السلام فهو مبدأ غريب حقا فرضه منطق القوة الغاشمة للعدو لا غير، لأن الأرض أرضنا لا أرضه حتى يتفضل بتنازله عنها مقابل سلامه هو. (ص1090)

13- وكما كان له ولشيخه محمد الغزالي دور ريادي في التصدي لتلك الجماعات ومنعها من اختطاف الإسلام ودفعها عن المجرى الرئيس للإسلام نحو الهامش بتعرية أعمالها عن كل مشروعية جهادية إسلامية داخل دار الإسلام وخارجها، فقد نوه بالمراجعات المهمة التي قامت بها أهم تلك الجماعات واجدة في أعماله بعد أن كانت تطعن فيها سندا قويا للإقدام على تلك المراجعات التي وصفها بالشجاعة والمستنيرة .(ص1168)

وفي الخلاصة: إنه مهما بلغ هذا العمل في هذه القضية الكبرى من العمق والإحاطة تبقى جوانب منه تحتاج للمزيد من التعمق والبيان من مثل وضعية العلاقة بين الدولة/الدول الإسلامية، وبين دول تضطهد أقليات إسلامية اضطهادا قد يبلغ حد فتنتها عن دينها واستهدافها بالاستئصال، كما حصل للأقليات الإسلامية في ظل الاتحاد السوفياتي سابقا وفي الصين حاليا وبورما والفلبين ..إلخ. كانت قبل ضم أراضيها أغلبية وسيدة في أرضها. هل يسري عليها اعتبار المؤلف أن العالم كله دار عهد وسلم حسب قانون الأمم المتحدة وانحصرت علاقات الحرب في إسرائيل، بينما آيتا الممتحنة "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم..." (الممتحنة/8-9) اعتبرهما المؤلف تمثلان الدستور الذي يحكم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها، يستثني مثل تلك الدول التي تفتن مسلميها، من علاقات السلم معها.

أما إذا أردنا أن يشملها السلم على أساس أنها مستثناة بآية الأنفال "إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق" فهل يجوز عقد ذلك الميثاق أصلا مع دولة تضطهد المسلمين، والشبه كبير بين ما تعرضت وتتعرض له أقليات إسلامية من تقتيل وترحيل وتطهير وبين ما حصل ويحصل في إسرائيل بل أشد منه؟ وبالنسبة للكيان الصهيوني الذي حرّم الشيخ مع جمهور الفقهاء إقامة علاقة سلم معه، ما أثر مواثيق السلم التي عقدتها "دول إسلامية" معه، على واجب المسلمين في دعم حركات المقاومة، هل يجب أن ينضبط بمواثيق تلك الدول؟

وعلى ذلك تأسس التزام النظام المصري بالحصار المفروض على غزة و إدانته لخلية حزب الله في مصر وحوكم إسلاميون مثل د. عبد المنعم أبو الفتوح؟ أم يجب اعتبار تلك المواثيق باطلة أصلا وما بني عليها مثلها؟ وفي هذه الحالة كيف تكون العلاقة مع مثل تلك الدول التي تعقد متحدية إرادة شعوبها، علاقات سلم مع أعداء الأمة؟ هل يجوز الخروج عليها بنوع من أنواع الخروج إذا توفرت أسبابه باعتبارها متحدية لمصالح الأمة العليا وما هو معلوم من الدين من واجب موالاة المسلمين، على غرار الدول العلمانية المتطرفة التي تجاهر بمحاربة التدين وتتبنى خطط تجفيف منابع التدين حتى جرّمت المسلمة التي تأتمر بأوامر ربها وحرمتها من التعلم والتوظف والعلاج ولم يعد الإسلام مرجعيتها الحاكمة ولم تعد قيم الإسلام وموازينه ومفاهيمه هي الحاكمة، تلك الدول التي تحدث عنها المؤلف وأجاز الخروج عليها إذا توفرت أسبابه لولا أن المؤلف يعتبر أن الجماهير لم تعد تملك من القوة لمواجهة مثل تلك الحكومات، فالواجب اتخاذ الوسائل السلمية في التغيير؟. (ص1187 وما بعدها)

ويبقى عمل القرضاوي في فقه الجهاد انجازا علميا وسياسيا عظيما واجتهادا إسلاميا أصيلا ينتصر لمبدأ الجهاد باعتباره آلية إسلامية دائمة للدفاع بمعناه الشامل، تعرضت من داخل الإسلام وخارجه لضروب شتى من التشويه والإساءة للإسلام من خلاله.

"أفسح القرضاوي من خلال طرحه لفكر الجهاد أرضا رحبة للحوار والسماحة والتلاقي والتعايش بين الإسلام وسائر الديانات الأخرى والقيم الإنسانية والمواثيق الدولية "

القرضاوي يستعيد لهذه الآلية فعاليتها ووسطيتها واعتدالها ساحبا لها من أيدي المتطرفين. ولم تكن جرأته في التصدي لحملات أعداء الإسلام على الجهاد أشد من جرأته على حجج جماعات التشدد وإعلان الحرب الشاملة على العالم، ولم يتردد في التصدي لجمهور الفقهاء المنادين بالحرب الهجومية (جهاد الطلب)، ولا استخذى من اعتزازه بالانتماء للدفاعيين.

ولا يزال يوالي سيل حججه المتدفق على أسانيد الطالبين وتأويلاتهم للنصوص غير هياب ولا وجل ولا مفتأت ولا محقر لعالم مخالف بل هو يلتمس العذر لمخالفيه، لا يزال يفعل ذلك حتى أسقط أو كاد وقوض ما عرف بجهاد الطلب، مؤسسا لجهاد دفاعي بمعناه الشامل، جهاد يدرأ عنه شبهة الإرهاب راسما حدا فاصلا بينه وبين المقاومة المشروعة للاحتلال، جهاد تلتقي أخلاقياته مع ما استقر في المواثيق الدولية من مبادئ وقيم وقوانين تحظر العدوان والاحتلال واستخدام أسلحة الدمار الشامل وتعذيب الأسرى لدرجة القتل والاسترقاق.

جهاد يرحب بعالم مفتوح تجول فيه بحرية الأفكار والأشخاص وتتدافع بسلاح الحجة والبرهان بدل التقاتل والسنان.

لقد أفسح القرضاوي من خلال طرحه هذا للجهاد أرضا رحبة للحوار والسماحة والتلاقي والتعايش بين الإسلام وسائر الديانات الأخرى والقيم الإنسانية والمواثيق الدولية بما يفسح مجالا للاستجابة لنداء القرآن الخالد "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم". (الحجرات/13).

المصدر : الجزيرة

Minggu, 03 Juli 2016

Jihad menurut Yusuf Qardhawi

Jihad menurut Yusuf Qardhawi

القرضاوي من فقه الزكاة إلى فقه الجهاد (1)
كتاب فقه الجهاد

صدر كتاب فقه الجهاد للعلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي فيما يزيد على ألف وأربعمائة صفحة من منشورات مكتبة وهبة بالقاهرة، وهو الكتاب الذي انتظرناه، وانتظره الناس كثيرا، وتشوفوا إليه طويلا، والشيخ يتمهل ويؤجل نشره حتى نضج الكتاب ورضيه الشيخ.

وسوف تقدم "مدارك" بإذن الله تعالى عدة حلقات تحوي قراءة لأهم الأفكار التي أوردها الكتاب.

لماذا الجهاد؟

في الفترة الماضية تنادى كثير من العلماء بتعظيم مساحة الاجتهاد في قضايا الجهاد، حيث إن باب العبادات أو المعاملات خاصة المالية قد أخذ حقه من الاجتهاد الجماعي والفردي، لكن الجهاد لم يأخذ نفس الجهد، على الرغم من أهميته وحاجة الناس إليه في كل عصر، وخاصة هذا العصر الذي تداعى الناس على هذه الأمة كما تداعى الأكلة على قصعتها.

وتخوف آخرون من فتح باب البحث والتأليف في موضوع الجهاد في هذا العصر؛ خشية أن يخرج الاجتهاد تبريريا ضعيفا كحال أمتنا، يسعى إلى الاستكانة وتبرير الواقع المر، يدعو المسلمين أن يكونوا حمائم سلام، في عصر لا يعرف إلا لغة الصقور الجوارح! أو يكون اجتهادا متشددا كرد فعل على الدماء التي تنزف بأيدي أعدائنا، والحرمات التي تنتهك، والمقدسات التي تغصب، فيكون اجتهادا انتقاميا لا يرعى إلاًّ ولا ذمة، ولا يحفظ عهدا ولا حرمة، شعاره كما تحدث زهير (ومن لا يظلم الناس يظلم).

لكن الله شرح صدر الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي وهيأ الأسباب له كي يقوم بهذا العبء وينهض لهذا العمل حتى لا يكون اجتهادا تبريريا ولا اجتهادا انتقاميا، فخرج هذا الكتاب بعد أن تجاوز الشيخ سن الثمانين، (مواليد 1926) ليكون هذا الجهد ثمرة تجربة ثرية، وخبرة عميقة في تراثنا الفقهي وواقعنا المعاصر.

كتب الشيخ كتاب فقه الزكاة ونال به شهادة العالمية (الدكتوراه) عام 1973م وبعده بستة وثلاثين عاما أخرج كتاب فقه الجهاد يقول في مقدمة الكتاب: "وجدتُ من الواجب عليَّ أن أنهض للكتابة في هذا الموضوع، بعد أن شرح الله له صدري، فكم خطر في بالي منذ أنجزتُ كتابي (فقه الزكاة) أن أكتب شيئا مشابها في (فقه الجهاد)".

"وكم طلب مني إخوة كرام منذ مدة أن أكتب في هذه القضية التي شرَّق الناس فيها وغرَّبوا، واعتذرت لهم بأني لا أجد في نفسي هِمة لذلك، مع أني قد كنت قد كتبت فيه من قديم نتفا مبعثرة، في انتظار أن يحين الوقت للكتابة المنظمة المتصلة فيه، باعتباره أحد الموضوعات الأساسية التي لا بد من الكتابة المنهجية فيها، لحاجة المسلمين خاصة، وحاجة العالم عامة، إلى معرفتها معرفة حقَّة، بعيدة عن غلو الغالين، وتقصير المقصرين".

"وفقه الزكاة وإن كان يتحدث في الأصل عن الزكاة كفرض من الفرائض التي فرضها الإسلام على المسلمين، وركن من أركانه الهامة، غير أنه يعتبر نوعا من الجهاد أيضا وهو جهاد المال، وهو جزء لا يستهان به ولا يستغنى عنه في هذا العصر ولا غيره من العصور".

في الوسطية القرضاوية

ـ وسطية القرضاوي وفقه الجهاد.

يتحدث الشيخ عن موقف الناس من الجهاد ويقسمهم إلى ثلاث فئات فيقول عن الفئة الأولى : "فئة تريد أن تُهيل التراب على الجهاد، وأن تسقطه من حياة الأمة، وأن تجعل أكبر همِّها ومبلغ علمها: أن تربِّي الأمة -كما تقول- على القِيَم الروحية، والفضائل السلوكية، وتعتبر هذا هو (الجهاد الأكبر) جهاد النفس والشيطان".

أما عن الفئة الثانية فيقول: "وفي مقابل هذه الفئة: فئة فهمت الجهاد على أنه (قتال العالم كله)، مَن حارب المسلمين أو وقف في سبيل دعوتهم، أو فتن المسلمين في دينهم... ومَن ألقى إلى المسلمين السلم، ومدَّ يد المسالمة والمصالحة للمسلمين، فلم يَشهَر في وجوههم سيفا، ولم يظاهر عليهم عدوا، فكل الكفار عند هذه الفئة سواء في وجوب مقاتلتهم إذا كان المسلمون قادرين، فالكفر وحده سببٌ كافٍ لقتال غير المسلمين"!.

ويختار المنهج الوسطي الذي تمثله الفئة الثالثة فيقول: "والفئة الثالثة، هي (الأمة الوسط)، التي هداها الله إلى الموقف الوسط، وآتاها العلم والحكمة، ورزقها البصيرة في فقه الشرع، وفقه الواقع، فلم تقع في تفريط الفئة الأولى التي تريد للأمة أن يبقى حقها بلا قوة، ومصحفها بلا سيف، وأن تبقى دارها بلا حُرَّاس، وحرماتها بلا حُماة".

"كما لم تقع في إفراط الفئة الثانية وغلوِّها، التي تريد أن تقاتل المسالمين، وتشنَّ الغارة على الناس أجمعين، وتعلن الحرب على الأحمر والأسود، والشرق والغرب، بدعوى أنها تسوق الناس إلى الله، وتقودهم بالسلاسل إلى الجنة"...

لمن كتب القرضاوي هذا الكتاب؟

يعدد الإمام القرضاوي أصناف الناس الذين يحتاجون هذا الكتاب، لفهم قضية الجهاد فهما دقيقا لا غلو فيه ولا تفريط، وكأنه استوعب فئات المجتمع بأسره؛ المسلمين منهم وغير المسلمين، الحكام والمحكومين، العسكريين والمدنيين، والمفكرين والمثقفين في عشر فئات كاملة أحسبها استوعبت فئات المجتمع كله.

منهج الشيخ القرضاوي في تقديم فقه الجهاد

وقد تكلم فضيلة الشيخ العلامة عن منهجه في كتابه هذا الكتاب الماتع النافع -إن شاء الله- وقال إنه يعتمد على ست ركائز، وهي: القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وكنوز الفقه الإسلامي كله بطوله وعرضه، كما يعتمد على المقارنة بالشرائع السماوية، والنظم الوضعية، مراعيا الواقع المعاصر الذي تعيشها البشرية، ومتبنيا المنهج الوسطي الذي تبناه الشيخ في كل كتبه وبحوثه وفتاواه.

وقد قسم فضيلة الشيخ كتاب فقه الجهاد إلى مقدمة، وعشرة أبواب وخاتمة، في المقدمة تحدث عن أهمية الموضوع، ولمن كتب هذا الكتاب، ومنهجه الذي اعتمده في الكتابة، الباب الأول: حقيقة الجهاد ومفهومه وحكمه.
والقضية الأساسية في هذا الباب هو حكم الجهاد، وهل هو فرض في كل وقت وعلى أية حال، أم أنه يكون فرضا في جهاد الدفع، وغير واجب في جهاد الطلب.

ولأن القضية تكاد تكون محسومة في فكر وعقل عموم الناس، ويؤيدهم عدد غير قليل من الفقهاء وهي أن الجهاد فرض سواء كان للدفع أم للطلب، وعلى إمام المسلمين أن يغزو مرة كل عام على الأقل، من أجل ذلك كان على الشيخ عبء كبير حتى يقنع الناس برأي غير الذي شب عليه الصغير وشاب عليه الكبير.

فصال الشيخ وجال بين جنبات تراثنا الفقهي حتى يستخلص لنا ما يراه صوابا، ثم يدلل عليه بالأدلة المقنعة، ويرى الشيخ -عندما التقيناه بعد نشر هذا الكتاب- أن هذه المسألة من أهم المسائل الجديدة في الكتاب، وأنه ناقش الرأي المستقر في التراث الفقهي من داخل التراث نفسه، فلم يخرج عليه ليناقشه بالعقل أو الفكر المجرد فحسب، ولكنه ناقشه من داخل التراث، وهذا هو الفرق بين التجديد، والتبديد، وليس هذا بغريب أو مستغرب على فكر الشيخ وفقهه.

وقبل الدخول في هذه المسألة الهامة فرق الشيخ بين الجهاد -وهو أوسع وأعم- وبين القتال وهو نوع من أنواع الجهاد، كما فرق بين جهاد الدفع وهو واجب بالإجماع وفي كل وقت، وبين جهاد الطلب.

رأي الإمام الجصاص

يذكر الشيخ هنا ما ذكره الإمام الجصاص في تفسيره أحكام القرآن فحكى عن ابن شُبرُمة والثوري وآخرين: أن الجهاد تطوُّع وليس بفرض، كما عزا هذا الرأي لعبد الله ابن عمر، وعطاء وعمرو بن دينار...
وبعد أن يناقش الجصاص هذا الرأي يقول: ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو، ولم تكن فيهم مقاومة لهم، فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم؛ أن الفرض على كافة الأمة أن ينفِر إليهم مَن يَكُفُّ عاديتهم عن المسلمين.

وهذا لا خلاف فيه بين الأمة؛ إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين، وسبي ذراريهم، ولكن موضع الخلاف بينهم: أنه متى كان بإزاء العدو مقاومون له، ولا يخافون غلبة العدو عليهم: هل يجوز للمسلمين ترك جهادهم حتى يُسلموا أو يؤدُّوا الجزية؟ فكان من قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار وابن شُبرُمة: أنه جائز للإمام والمسلمين ألا يغزوهم وأن يقعدوا عنهم.

وقال آخرون: على الإمام والمسلمين أن يغزوهم أبدا، حتى يُسلموا أو يؤدُّوا الجزية، وهو مذهب أصحابنا ومَن ذكرنا من السلف: المِقداد بن الأسود وأبي طلحة وآخرين من الصحابة والتابعين.

أقوال مهمة

ويقول الشيخ معقبا على هذا: ومن حقنا - بل من واجبنا - أن ننوِّه هنا بأهمية هذه الأقوال المهمة التي ذكرها الإمام الجصاص عن عدد من فقهاء الأمة، فيهم من الصحابة مثل: ابن عمر، ومن التابعين مثل: عطاء وعمرو بن دينار، ومن الأئمة مثل: الثوري وابن شُبرُمة: أنه ليس واجبا على المسلمين أن يغزوا الكفار إذا كانوا آمنين على أنفسهم منهم، إنما يجب الجهاد في حالة الخوف من شرهم وعدوانهم على المسلمين.

رأي الحافظ ابن حجر

يقول ابن حجر: وللناس في الجهاد حالان؛ أحدهما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. والأخرى بعده.
فأما الأولى: فأول ما شُرع الجهاد: بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقا، ثم بعد أن شُرع: هل كان فرض عين أم كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعي.

وقال الماوردي: كان عينا على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حق كل مَن أسلم إلى المدينة لنصر الإسلام.

وقال السُّهيلي: كان عينا على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة على أن يؤووا رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصروه، فيُخرَّج من قولهما: أنه كان عينا على الطائفتين، كفاية في حق غيرهم، ومع ذلك فليس في حق الطائفتين على التعميم، بل في حق الأنصار إذا طرق المدينةَ طارق، وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء، ويؤيد هذا ما وقع في قصة بدر فيما ذكره ابن إسحاق، فإنه كالصريح في ذلك.
الحال الثانية: بعده صلى الله عليه وسلم، فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة إليه، كأن يدهم العدو، ويتعيَّن على مَن عينه الإمام، ويتأدَّى فرض الكفاية بفعله بالسنة مرة عند الجمهور، ومن حجتهم: أن الجزية تجب بدلا عنه، ولا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقا، فليكن مُبدَلها كذلك.

وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قوي، والذي يظهر أنه استمر على ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض، ثم صار إلى ما تقدم ذكره.

والتحقيق أيضا: أن جنس جهاد الكفار متعيِّن على كل مسلم: إما بيده، وإما بلسانه، وإما بماله، وإما بقلبه.

تحقيق ابن القيم

يقول الإمام ابن القيم: والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين، إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع.
أما الجهاد بالنفس، ففرض كفاية، وأما الجهاد بالمال، ففي وجوبه قولان، والصحيح وجوبه؛ لأن الأمر بالجهاد به (أي بالمال) وبالنفس في القرآن سواء.

وبعد هذه النقول وغيرها يخلص الشيخ إلى رأيه الفقهي وخلاصته، أن جهاد الدفع فرض بإجماع الفقهاء في القديم والحديث، أما جهاد الطلب فمختلف فيه، ويرجح الرأي بعدم وجوبه إلا إذا دعت الضرورة أو الحاجة إليه.
ثم ينظر الشيخ إلى الواقع التاريخي ويربط المسألة بفقه السياسة الشرعية فيقول: والحقيقة أن قضية غزو بلاد الكفر، أو التوغُّل في أراضيهم مرة كل سنة، كما ذكره الفقهاء، واعتبروه فرض كفاية على الأمة، ممثَّلة في خلفائها وأمرائها، الذين تولَّوا المسئولية عن أمورها هذا الغزو المفروض: إنما يخضع للظروف وتغيُّرها....

وبهذا نرى: أن إيجاب غزو الأعداء كل سنة، إنما يخضع في الواقع لفقه السياسة الشرعية، وهو فقه يتَّسم بالرحابة والمرونة، والقابلية للتطوُّر وتعدُّد وِجهات النظر، لأنه يقوم أساسا على فقه المقاصد والمصالح، وفقه المآلات، وفقه الموازنات، وفقه الأولويات، وفي هذه الألوان من الفقه مجال واسع للاجتهاد الإنشائي، والاجتهاد الانتقائي، واختلاف التنوع، وتعدُّد الأنظار والرُّؤى، دون نكير من فريق على آخر، ما دام يحترم الثوابت، ويرعى الأصول الشرعية، والضوابط المرعية.

- متى يكون الجهاد فرض عين؟
يذكر الشيخ هنا أن الجهاد يتعين -أي يكون فرض عين- في حالات معينة وهي:
1- عند هجوم الأعداء على بلد مسلم.
2- استنفار الإمام لفرد أو طائفة معينة.
3- حاجة الجيش إلى خبرة فرد معين.
4- عند حضور المعركة بالفعل.


رجب أبو مليح
مستشار القسم الشرعي بشبكة إسلام أون لاين.

Sabtu, 02 Juli 2016

Jihad Defensif tanpa Ijin Orang Tua

Jihad Defensif tanpa Ijin Orang Tua bagaimana hukumnya? Boleh atau haram atau makruh?


أقوال العلماء في مسألة جهاد الدفع بدون إذن الوالدين

أ- أقوال الأحناف رحمهم الله:

(1) قال الإمام الكاساني رحمه الله:

"فَأَمَّا إذَا عَمَّ النَّفِيرُ بِأَنْ هَجَمَ الْعَدُوُّ عَلَى بَلَدٍ ، فَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ يُفْتَرَضُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ** انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا } قِيلَ : نَزَلَتْ فِي النَّفِيرِ .

الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ** انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا } قِيلَ : نَزَلَتْ فِي النَّفِيرِ .

وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ** مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ } وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْكُلِّ قَبْلَ عُمُومِ النَّفِيرِ ثَابِتٌ ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ عَنْ الْبَاقِينَ بِقِيَامِ الْبَعْضِ بِهِ ، فَإِذَا عَمَّ النَّفِيرُ لَا يَتَحَقَّقُ الْقِيَامُ بِهِ إلَّا بِالْكُلِّ ، فَبَقِيَ فَرْضًا عَلَى الْكُلِّ عَيْنًا بِمَنْزِلَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ، فَيَخْرُجُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ ، وَالْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ فِي حَقِّ الْعِبَادَاتِ الْمَفْرُوضَةِ عَيْنًا مُسْتَثْنَاةً عَنْ مِلْكِ الْمَوْلَى وَالزَّوْجِ شَرْعًا ، كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ، وَكَذَا يُبَاحُ لِلْوَلَدِ أَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدَيْهِ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ لَا يَظْهَرُ فِي فُرُوضِ الْأَعْيَانِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ"[1] .

(2) وقال ابن مودود الموصلي رحمه الله:

"الجهاد فرض عين عند النفير العام وكفاية عند عدمه، وقتال الكفار واجب على كل رجل عاقل صحيح حر قادر، وإذا هجم العدو وجب على جميع الناس الدفع تخرج المرأة والعبد بغير إذن الزوج والسيد"[2].

(3) وقال الزيلعي رحمه الله:

"(وَفَرْضُ عَيْنٍ إنْ هَجَمَ الْعَدُوُّ فَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ بِلَا إذْنِ زَوْجِهَا وَسَيِّدِهِ ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِإِقَامَةِ الْكُلِّ فَيَجِبُ عَلَى الْكُلِّ وَحَقُّ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ النَّفِيرِ لِأَنَّ بِغَيْرِهِمْ كِفَايَةٌ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى إبْطَالِ حَقِّهِمَا وَكَذَا الْوَلَدُ يَخْرُجُ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدَيْهِ"[3].

(4) وقال ابن عابدين رحمه الله:

"وَفَرْضُ عَيْنٍ إنْ هَجَمَ الْعَدُوُّ فَيَخْرُجُ الْكُلُّ وَلَوْ بِلَا إذْنٍ ) وَيَأْثَمُ الزَّوْجُ وَنَحْوُهُ بِالْمَنْعِ ذَخِيرَةٌ.
( قَوْلُهُ وَفَرْضُ عَيْنٍ ) أَيْ عَلَى مَنْ يَقْرُبُ مِنْ الْعَدُوِّ ، فَإِنْ عَجَزُوا أَوْ تَكَاسَلُوا فَعَلَى مَنْ يَلِيهِمْ حَتَّى يُفْتَرَضَ عَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا
...........................

( قَوْلُهُ إنْ هَجَمَ الْعَدُوُّ ) أَيْ دَخَلَ بَلْدَةً بَغْتَةً ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ تُسَمَّى النَّفِيرُ الْعَامُّ قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ : وَالنَّفِيرُ الْعَامُّ أَنْ يُحْتَاجَ إلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ( قَوْلُهُ فَيَخْرُجُ الْكُلُّ ) أَيْ كُلُّ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالْمَدْيُونِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ السَّرَخْسِيُّ ، وَكَذَلِكَ الْغِلْمَانُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا إذَا أَطَاقُوا الْقِتَالَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجُوا وَيُقَاتِلُوا فِي النَّفِيرِ الْعَامِّ وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ"[1].

[1] رد المحتار - (ج 15 / ص 425)، وكذلك: حاشية رد المحتار - (ج 4 / ص 302).

[1] رد المحتار - (ج 15 / ص 425)، وكذلك: حاشية رد المحتار - (ج 4 / ص 302).

ب- أقوال المالكية رحمهم الله:

(1) قال الإمام القرطبي رحمه الله:

"وقد تكون حالة يجب فيها نفير الكل، وهي: الرابعة - وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار، أو بحلوله بالعقر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا، شبابا وشيوخا، كل على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج، من مقاتل أو مكثر.

فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم.
وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدو هم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين.
ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه، حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدو. ولا خلاف في هذا"[5].

(2) وقال الدسوقي -رحمه الله-

معلقاً على كلام الشيخ الدردير شارح مختصر خليل رحمهما الله:

"( قَوْلُهُ : وَأَنَّ تَوَجُّهَ الدَّفْعِ عَلَى امْرَأَةٍ وَرَقِيقٍ ) فِيهِ أنَّ تَوَجُّهَ الدَّفْعِ هُوَ عَيْنُ فَرْضِيَّةِ الْجِهَادوَتَوَجَّهَ الدَّفْعُ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ِ عَلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُ قَالَ ، وَإِنْ كَانَ التَّوَجُّهُ عَلَى امْرَأَةٍ وَهَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ : وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ مُبَالَغَةً فِي مَحْذُوفٍ ، وَالْمَعْنَى : وَتَعَيَّنَ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْأَحَدُ امْرَأَةً ، كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا قَالَ الْجُزُولِيُّ : وَيُسْهَمْ إذْ ذَاكَ لِلْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ لِأَنَّ الْجِهَادَ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ ، وَأَمَّا حَيْثُ لَمْ يَفْجَأْهُمْ الْعَدُوُّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلِذَا لَا يُسْهَمُ لَهُمْ .ا هـ .

بْن ( قَوْلُهُ : وَرَقِيقٍ ) ، وَكَذَا صَبِيٌّ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْقِتَالِ ( قَوْلُهُ : وَعَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ ) أَيْ وَتَعَيَّنَ عَلَى مَنْ بِمَكَانٍ مُقَارِبٍ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ إنْ عَجَزَ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ عَنْ الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَمَحَلُّ التَّعْيِينِ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ لَمْ يَخْشَوْا عَلَى نِسَائِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ مِنْ عَدُوٍّ بِتَشَاغُلِهِمْ بِمُعَاوَنَةِ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ ، وَإِلَّا تَرَكُوا إعَانَتَهُمْ .

( قَوْلُهُ : وَبِتَعْيِينِ الْإِمَامِ ) أَيْ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ لِلْجِهَادِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا مُطِيقًا لِلْقِتَالِ أَوْ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا أَوْ وَلَدًا أَوْ مَدِينًا ، وَيَخْرُجُونَ وَلَوْ مَنَعَهُمْ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ وَرَبُّ الدَّيْنِ"[6].

ج- أقوال الشافعية رحمهم الله:

(1) قال الإمام النووي رحمه الله:

"الضرب الثاني الجهاد الذي هو فرض عين فإذا وطئ الكفار بلدة للمسلمين أو أطلوا عليها ونزلوا بابها قاصدين ولم يدخلوا صار الجهاد فرض عين على التفصيل الذي نبينه إن شاء الله تعالى
..............................
ويجوز أن لا يحوج المزوجة إلى إذن الزوج كما لا يحوج إلى إذن السيد ولا يجب في هذا النوع استئذان الوالدين وصاحب الدين"[7].

(2) وقال الإمام زكريا الأنصاري رحمه الله:

"( وَ ) يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ ( بِدُخُولِ الْكُفَّارِ فَإِنْ دَخَلَ الْكُفَّارُ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ تَعَيَّنَ ) عَلَيْهِمْ ؛
..........................
( وَلَا حَجْرَ لِسَيِّدٍ ) عَلَى رَقِيقِهِ ( وَ ) لَا ( زَوْجٍ ) عَلَى زَوْجَتِهِ وَلَا أَصْلٍ عَلَى فَرْعِهِ وَلَا دَائِنٍ عَلَى مَدِينِهِ"[8].
وقال أيضاً رحمه الله:
"(وإن دخلوا) أي الكفار (بلدة لنا) مثلا (تعين) الجهاد (على أهلها)
فيجب ذلك على كل ممن ذكر، (حتى على فقير وولد ومدين ورقيق بلا إذن) من الاصل، ورب الدين والسيد"[9].

(3) وقال الشيخ علي الشبراملسي رحمه الله:

"( الثَّانِي ) مِنْ حَالِ الْكُفَّارِ ( يَدْخُلُونَ ) أَيْ دُخُولُهُمْ عُمْرَانَ الْإِسْلَامِ وَلَوْ جِبَالَهُ أَوْ خَرَابَهُ ، فَإِنْ دَخَلُوا ( بَلْدَةً لَنَا ) أَوْ صَارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَنَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَانَ أَمْرًا عَظِيمًا ( فَيَلْزَمُ أَهْلَهَا الدَّفْعُ ) لَهُمْ ( بِالْمُمْكِنِ ) أَيْ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَطَاقُوهُ ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ ( فَإِنْ أَمْكَنَ تَأَهُّبٌ لِقِتَالٍ ) بِأَنْ لَمْ يَهْجُمُوا بَغْتَةً ( وَجَبَ الْمُمْكِنُ ) فِي دَفْعِهِمْ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ ( حَتَّى عَلَى ) مَنْ لَا جِهَادَ عَلَيْهِ مِنْ
( فَقِيرٍ وَوَلَدٍ وَمَدِينٍ وَعَبْدٍ ) وَامْرَأَةٍ فِيهَا قُوَّةٌ ( بِلَا إذْنٍ ) مِمَّنْ مَرَّ"[10].


د- أقوال الحنابلة رحمهم الله:


(1) قال ابن قدامة رحمه الله:


"( 7433 ) وَإِنْ خَرَجَ فِي جِهَادِ تَطَوُّعٍ بِإِذْنِهِمَا ، فَمَنَعَاهُ مِنْهُ بَعْدَ سَيْرِهِ وَقَبْلَ وُجُوبِهِ ، فَعَلَيْهِ الرُّجُوعُ ، لِأَنَّهُ مَعْنًى لَوْ وُجِدَ فِي الِابْتِدَاءِ مَنَعَ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي أَثْنَائِهِ مَنَعَ ، كَسَائِرِ الْمَوَانِعِ ، إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الرُّجُوعِ ، أَوْ يَحْدُثَ لَهُ عُذْرٌ ، مِنْ مَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ أَوْ نَحْوِهِ ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْإِقَامَةُ فِي الطَّرِيقِ ، وَإِلَّا مَضَى مَعَ الْجَيْشِ ، فَإِذَا حَضَرَ الصَّفَّ ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِحُضُورِهِ ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمَا إذْنٌ .
وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُمَا عَنْ الْإِذْنِ بَعْدَ تَعَيُّنِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ ، لَمْ يُؤَثِّرْ رُجُوعُهُمَا شَيْئًا"[11].

وقال أيضاً رحمه الله:

"( 7435 ) فَصْلٌ وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ إلَى الْغَزْوِ إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ ، إلَّا أَنْ يَتْرُكَ وَفَاءً، أَوْ يُقِيمَ بِهِ كَفِيلًا ، أَوْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَرَخَّصَ مَالِكٌ فِي الْغَزْوِ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَلَا حَبْسُهُ مِنْ أَجْلِهِ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْغَزْوِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَينٌ .
وَلَنَا أَنَّ الْجِهَادَ تُقْصَدُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ الَّتِي تَفُوتُ بِهَا النَّفْسُ فَيَفُوتُ الْحَقُّ ، بِفَوَاتِهَا ، وَقَدْ جَاءَ ** أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنْ قُتِلْت فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا ، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إلَّا الدَّيْنَ ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ

وَأَمَّا إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ ، فَلَا إذْنَ لِغَرِيمِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ ، فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا فِي ذِمَّتِهِ ، كَسَائِرِ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ"[12].


وقال أيضاً رحمه الله:


"( 7438 ) مَسْأَلَةٌ وَوَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ إذَا جَاءَ الْعَدُوُّ ، أَنْ يَنْفِرُوا ؛ الْمُقِلُّ مِنْهُمْ ، وَالْمُكْثِرُ ، وَلَا يَخْرُجُوا إلَى الْعَدُوِّ إلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ ، إلَّا أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ غَالِبٌ يَخَافُونَ كَلَبَهُ ، فَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوهُ قَوْلُهُ : الْمُقِلُّ مِنْهُمْ وَالْمُكْثِرُ .

يَعْنِي بِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ ، أَيْ مُقِلٌّ مِنْ الْمَالِ وَمُكْثِرٌ مِنْهُ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّفِيرَ يَعُمُّ جَمِيعَ النَّاسِ ، مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ، حِينَ الْحَاجَةِ إلَى نَفِيرِهِمْ ؛ لِمَجِيءِ الْعَدُوِّ إلَيْهِمْ .
وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ ، إلَّا مَنْ يُحْتَاجُ إلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْمَكَانِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ ، وَمَنْ يَمْنَعُهُ الْأَمِيرُ مِنْ الْخُرُوجِ ، أَوْ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ أَوْ الْقِتَالِ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ** انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا } .
وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ** إذَا اُسْتُنْفِرْتُم ْ فَانْفِرُوا } .

وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ أَرَادُوا الرُّجُوعَ إلَى مَنَازِلِهِمْ يَوْمَ الْأَحْزَابِ ، فَقَالَ تَعَالَى : ** وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلَّا فِرَارًا } .

وَلِأَنَّهُمْ إذَا جَاءَ الْعَدُوُّ ، صَارَ الْجِهَادُ عَلَيْهِمْ فَرْضَ عَيْنٍ فَوَجَبَ عَلَى الْجَمِيعِ ، فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ عَنْهُ"[13].


(2) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:


"وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم ونصوص أحمد صريحة بهذا وهو خير مما في المختصرات لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية كلام أحمد فيه مختلف وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لا يجوز الانصراف فيه بحال ووقعة أحد من هذا الباب"[14].


هـ- وقال شهيد الإسلام -كما نحسبه- الشيخ عبد الله عزام -رحمه الله- عن حالات تعين الجهاد:


"الحالة الأولى: دخول الكفار بلدة من بلاد المسلمين:

ففي هذه الحالة اتفق السلف والخلف وفقهاء المذاهب الأربعة والمحدثون والمفسرون في جميع العصور الإسلامية إطلاقا أن الجهاد في هذه الحالة يصبح فرض عين على أهل هذه البلدة -التي هاجمها الكفار- وعلى من قرب منهم، بحيث يخرج الولد دون إذن والده، والزوجة دون إذن زوجها، والمدين دون إذن دائنه، فإن لم يكف أهل تلك البلدة أو قصروا أو تكاسلوا أو قعدوا يتوسع فرض العين على شكل دوائر الأقرب فالأقرب، فإن لم يكفوا أو قصروا فعلى من يليهم ثم على من يليهم حتى يعم فرض العين الأرض كلها"[15].



[1] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - (ج 15 / ص 271 و272).


[2] الاختيار لتعليل المختار - (ج 1 / ص 46).


[3] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق - (ج 9 / ص 266).


[4] رد المحتار - (ج 15 / ص 425)، وكذلك: حاشية رد المحتار - (ج 4 / ص 302).

[5] تفسير القرطبي - (ج 8 / ص 151 و152).


[6] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - (ج 7 / ص 146).


[7] روضة الطالبين وعمدة المفتين - (ج 4 / ص 1).


[8] أسنى المطالب - (ج 20 / ص 284).


[9] فتح الوهاب - (ج 2 / ص 298).


[10] نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - (ج 26 / ص 388).


[11] المغني - (ج 20 / ص 436).


[12] المغني - (ج 20 / ص 438). [13] المغني - (ج 20 / ص 445).

[14] الفتاوى الكبرى ج: 4 ص: 609.

[15] الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان للشيخ الشهيد -كما نحسبه- عبد الله عزام. ص: 6.

المصدر

Jihad Era Nabi dan Setelahnya

Menurut Ibnu Hajar Asqolani jihad ada dua: Jihad Era Nabi dan jihad Setelahnya masa Rasulullah.

فتح الباري شرح صحيح البخاري
أحمد بن علي بن حجر العسقلاني

حدثنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا سفيان قال حدثني منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا


قوله : ( باب وجوب النفير ) بفتح النون وكسر الفاء أي الخروج إلى قتال الكفار ، وأصل النفير مفارقة مكان إلى مكان لأمر حرك ذلك .

قوله : ( وما يجب من الجهاد والنية ) أي وبيان القدر الواجب من الجهاد ومشروعية النية في ذلك ، وللناس في الجهاد حالان : إحداهما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، والأخرى بعده ، فأما الأولى فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقا . ثم بعد أن شرع هل كان فرض عين أو كفاية ؟ قولان مشهوران للعلماء وهما في مذهب الشافعي . وقال الماوردي : كان عينا على المهاجرين دون غيرهم ، ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح في حق كل من أسلم إلى المدينة لنصر الإسلام ، وقال السهيلي : كان عينا على الأنصار دون غيرهم ، ويؤيده مبايعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة على أن يؤووا رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصروه ، فيخرج من قولهما أنه كان عينا على الطائفتين كفاية في حق غيرهم ، ومع ذلك فليس في حق الطائفتين على التعميم ، بل في حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق ، وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء ، ويؤيد هذا ما وقع في قصة بدر فيما ذكره ابن إسحاق ، فإنه كالصريح في ذلك ، وقيل كان عينا في الغزوة التي يخرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم دون غيرها ، والتحقيق أنه كان عينا على من عينه النبي صلى الله عليه وسلم في حقه ولو لم يخرج .

الحال الثاني بعده صلى الله عليه وسلم فهو فرض كفاية على المشهور إلا أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدو ويتعين على من عينه الإمام ، ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور ، ومن حجتهم أن الجزية تجب بدلا عنه ولا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقا فليكن بدلها كذلك ، وقيل يجب كلما أمكن وهو قوي ، والذي يظهر أنه استمر على ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد وانتشر الإسلام في أقطار الأرض ثم صار إلى ما تقدم ذكره ، والتحقيق أيضا أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقلبه والله أعلم .

قوله : ( وقول الله عز وجل : انفروا خفافا وثقالا الآية ) هذه الآية متأخرة عن التي بعدها ، والأمر فيها مقيد بما قبلها لأنه تعالى عاتب المؤمنين الذين يتأخرون بعد الأمر بالنفير ثم عقب ذلك بأن قال انفروا خفافا وثقالا وكأن المصنف قدم آية الأمر على آية العتاب لعمومها ، وقد روى الطبري من رواية أبي الضحى قال : أول ما نزل من براءة انفروا خفافا وثقالا وقد فهم بعض الصحابة من هذا الأمر العموم فلم يكونوا يتخلفون عن الغزو حتى مات منهم أبو أيوب الأنصاري والمقداد بن الأسود وغيرهم ، ومعنى قوله خفافا وثقالا : متأهبين أو غير متأهبين نشاطا أو غير نشاط ، وقيل رجالا وركبانا .

قوله : ( وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض [ ص: 46 ] الآية ) قال الطبري : يجوز أن يكون قوله تعالى ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ) خاصا والمراد به من استنفره رسول الله صلى الله عليه وسلم فامتنع ، وأخرج عن الحسن البصري وعكرمة أنها منسوخة بقوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة ثم تعقب ذلك ، والذي يظهر أنها مخصوصة وليست بمنسوخة والله أعلم ، وطريق عكرمة أخرجها أبو داود من وجه آخر حسن عنه عن ابن عباس .

قوله : ( ويذكر عن ابن عباس انفروا ثبات سرايا متفرقين ) وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه بهذا ، أي اخرجوا سرية بعد سرية ، أو انفروا جميعا أي مجتمعين ، وزعم بعضهم أنها ناسخة لقوله تعالى انفروا خفافا وثقالا والتحقيق أن لا نسخ ، بل الرجوع في الآيتين إلى تعيين الإمام وإلى الحاجة إلى ذلك .

( تنبيه ) :

وقع في رواية أبي ذر والقابسي " ثباتا " بالألف ، وهو غلط لا وجه له لأنه جمع ثبة كما سترى .

قوله : ( ويقال واحد الثبات : ثبة ) أي بضم المثلثة وتخفيف الموحدة بعدها هاء تأنيث ، وهو قول أبي عبيدة في " المجاز " وزاد : ومعناها جماعات في تفرقة ، ويؤيده قوله بعده أو انفروا جميعا قال وقد يجمع ثبة على ثبين وقال النحاس ليس من هذا ثبة الحوض وهو وسطه سمي بذلك لأن الماء يثوب إليه أي يرجع إليه ويجتمع فيه لأنها من ثاب يثوب وتصغيرها ثويبة ، وثبة بمعنى الجماعة من ثبا يثبو وتصغيرها ثبية ، والله أعلم .

قوله : ( لا هجرة بعد الفتح ) أي فتح مكة ، قال الخطابي وغيره : كانت الهجرة فرضا في أول الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع ، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجا فسقط فرض الهجرة إلى المدينة وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو انتهى . وكانت الحكمة أيضا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى ذويه في هامش طبعة بولاق : في نسخة من أذى من يؤذيه من الكفار فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه ، وفيهم نزلت إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها الآية ، وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها ، وقد روى النسائي من طريق بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده مرفوعا " لا يقبل الله من مشرك عملا بعدما أسلم أو يفارق المشركين " ولأبي داود من حديث سمرة مرفوعا " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين " وهذا محمول على من لم يأمن على دينه ، وسيأتي مزيد لذلك في أبواب الهجرة من أول كتاب المغازي إن شاء الله تعالى .

قوله : ( ولكن جهاد ونية ) قال الطيبي وغيره : هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله ، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية ، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم والفرار بالدين من الفتن والنية في جميع ذلك .

قوله : ( وإذا استنفرتم فانفروا ) قال النووي : يريد أن الخبر الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة ، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه .

[ ص: 47 ] وقال الطيبي : قوله " ولكن جهاد " معطوف على محل مدخول " لا هجرة " أي الهجرة من الوطن إما للفرار من الكفار أو إلى الجهاد أو إلى غير ذلك كطلب العلم ، فانقطعت الأولى وبقي الأخريان فاغتنموهما ولا تقاعدوا عنهما ، بل إذا استنفرتم فانفروا .

قلت : وليس الأمر في انقطاع الهجرة من الفرار من الكفار على ما قال ، وقد تقدم تحرير ذلك . وقال ابن العربي : الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام ، كانت فرضا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واستمرت بعده لمن خاف على نفسه ، والتي انقطعت أصلا هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان . وفي الحديث بشارة بأن مكة تبقى دار إسلام أبدا . وفيه وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عينه الإمام ، وأن الأعمال تعتبر بالنيات .

( تكملة ) :

قال ابن أبي جمرة ما محصله : إن هذا الحديث يمكن تنزيله على أحوال السالك لأنه أولا يؤمر بهجرة مألوفه حتى يحصل له الفتح ، فإذا لم يحصل له أمر بالجهاد وهو مجاهدة النفس والشيطان مع النية الصالحة في ذلك .

Hukum Jihad dan Syarat Sahnya Jihad

Hukum Jihad dan Syarat Sahnya Jihad

رسالة في أحكام الجهاد لكشف شبهات يهود القبلة الأوغاد
: تعريف الجهاد
لغة
قال النووي: الجهاد والمجاهدة والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع
شرعا

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى-:

الجهاد شرعا: بذل الجَهد في قتال الكفّار، ويطلق أيضا على مجاهدة النفس والشيطان والفسّاق ....فتح الباري (6/3)

مراتب الجهاد
قال ابن القيم رحمه الله :

"إذا عرف هذا فالجهاد أربع مراتب : جهاد النفس ، وجهاد الشيطان ، وجهاد الكفار ، وجهاد المنافقين .

فجهاد النفس أربع مراتب أيضاً :

إحداها : أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به ومتى فاتها عمله شقيت في الدارين .

الثانية : أن يجاهدها على العمل به بعد علمه ، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها .

الثالثة : أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله

الرابعة : أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق ويتحمل ذلك كله لله .

فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين ، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلّمه فمن علِم وعمل وعلّم فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماوات .

وأما جهاد الشيطان فمرتبتان :

إحداهما : جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان .

الثانية : جهاده على دفع ما يلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات .

فالجهاد الأول يكون بعده اليقين ، والثاني يكون بعده الصبر ، قال تعالى : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } السجدة/24 ، فأخبر أن إمامة الدين إنما تنال بالصبر واليقين ، فالصبر يدفع الشهوات ، والإرادات الفاسدة ، واليقين يدفع الشكوك والشبهات .

وأما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب :

بالقلب واللسان والمال والنفس .

وجهاد الكفار أخص باليد ، وجهاد المنافقين أخص باللسان .

وأما جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات فثلاث مراتب :

الأولى : باليد إذا قدر ، فإن عجز انتقل إلى اللسان ، فإن عجز جاهد بقبله .

فهذه ثلاثة عشر مرتبة من الجهاد ، و " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق " – رواه مسلم ( 1910) - " انتهى من " زاد المعاد ( 3 / 9 – 11 ) .

أنواع الجهاد و احكامه

جهاد النفس و الشيطان فرض عين على كل مكلف-و هذا الجهاد شاق لانك تخالف نفسك التي بين جنبيك و هي احب اليك من والديك و تجاهد الشيطان الذييراك هو و قبيله من حيث لا تراهم و من هنا تأتي المشقة.

جهاد المنافقين و اصحاب البدع يكون بالعلم يقول ابن القيم : " فهذا جهاد لهم بالقرآن ، وهو أكبر الجهادين ، وهو جهاد المنافقين أيضًا ، فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين ، بل كانوا معهم في الظاهر ، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم ، ومع هذا فقد قال تعالى : " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم " ومعلوم أنَّ جهاد المنافقين بالحجة والقرآن .

والمقصود أنَّ سبيل الله هي الجهاد وطلب العلم ، ودعوة الخلق به إلى الله "انظر كتاب مفتاح دار السعادة لابن القيم : ج 1 ص 70

و هذا النوع من الجهاد فرض عين على العلماء و رثة الأنبياء
جهاد الكفار و ينقسم الى نوعين جهاد الدفع و جهاد الطلب و لكل منهما حكم و هذا هو الذي سنشرحه باستفاضة في هذه
الرسالة باذن الله تعالى

يقول الشيخ أبو مصعب السوري في كتابه حكم قتال العدو الصائل الكافر على أراضي وأعراض وأنفس المسلمين
وجهاد الكفر نوعان:

جهاد الطلب: - طلب الكفار في بلادهم - بحيث يكون الكفار في حالة لا يحشدون لقتال المسلمين، فالقتال فرض كفاية، وأقل فرض الكفاية سد الثغور بالمؤمنين لإرهاب أعداء الله، وإرسال جيش في السنة على الأقل، فعلى الإمام أن يبعث سرية إلى دار الحرب كل سنة مرة أو مرتين، وعلى الرعية إعانته، فإن لم يبعث كان الإثم عليه، وقد قاسها الفقهاء على الجزية، قال الأصوليون: (الجهاد دعوة قهرية فتجب إقامته بقدر الإمكان حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم)

أقول: قال تعالى{لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} [سورة النساء: آية 95].

قال ابن قدامة رحمه الله: "وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم" (المغني 13/6).

يقول ابن قدامة محتجًا لمذهب الجمهور: ولنا قول الله تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ) وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا)، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا ويقيم هو وسائر أصحابه، وقال الكاساني: وعد الله عز وجل المجاهدين والقاعدين الحسنى، ولو كان الجهاد فرض عين في الأحوال كلها، لما وعد القاعدين الحسنى، لأن القعود يكون حرامًا.
جهاد الدفع: - دفع الكفار من بلادنا - وهذا يكون فرض عين بل أهم فروض الأعيان ويتعين في حالات

أ) إذا دخل الكفار بلدة من بلاد المسلمين.

وإليك نصوص مذاهب الفقهاء الأربعة التي تجمع على هذه القضية:

أولاً؛ فقهاء الحنفية:

قال ابن عابدين: (وفرض عين إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام فيصير فرض عين على من قرب منهم فأما من وراءهم ببعد من العدو، فهو فرض كفاية إذا لم يحتج إليه، فإن احتيج إليهم بأن عجز من كان بقرب العدو عن المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا عنها ولكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا فإنه يفترض على من يليهم فرض عين كالصلاة والصوم لا يسعهم تركه، وثم وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقاً وغرباً على هذا التدريح).

وبمثل هذا أفتى الكاساني وابن نجيم وابن الهمام.

ثانياً؛ عند المالكية: ثانياً؛ عند المالكية:

جاء في حاشية الدسوقي: (ويتعين الجهاد بفجء العدو)، قال الدسوقي: (أي توجب الدفع "مفاجأة"، على كل أحد وإن امرأة أو عبداً أو صبياً، ويخرجون ولو منعهم الولي والزوج ورب الدين).

ثالثاً؛ عند الشافعية:

جاء في نهاية المحتاج للرملي: (فإن دخلوا بلدة لنا وصار بيننا وبينهم دون مسافة القصر فيلزم أهلها الدفع حتى من لا جهاد عليهم من فقير وولد وعبد ومدين وامرأة).

رابعاً: عند الحنابلة:
جاء في المغني لابن قدامة: (ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع:

إذا التقى الزحفان وتقارب الصفان.

إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم.
إذا استنفر الإمام قوماً لزمهم النفير).

ويقول ابن تيمية: (إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا)، وهذه الحالة تعرف بالنفير العام.

ب) إذا التقى الصفان وتقابل الزحفان.

يقول ابن قدامة في كتابه المغني إذا التقى الزحفان ، وتقابل الصفان ; حرم على من حضر الانصراف ، وتعين عليه المقام ; لقول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا } . وقوله { واصبروا إن الله مع الصابرين } . وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله }
ج) إذا استنفر الإمام أفراداً أو قوماً وجب عليهم النفير
أدلة النفير العام ومبرراته:

قال الله عز وجل: {انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}، وقد جاءت الآية قبلها ترتب العذاب والاستبدال جزاءاً لترك النفير، ولا عذاب إلا على ترك واجب أو فعل محرم، {إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليما ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير}.

قال ابن كثير: (أمر الله تعالى بالنفير العام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب، وقد بوب البخاري؛ "باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية"، وأورد هذه الأية، وكان النفير العام بسبب أنه ترامى إلى أسماع المسلمين أن الروم يتعدون على تخوم الجزيرة لغزو المدينة، فكيف إذا دخل الكفار بلد المسلمين، أفلا يكون النفير أولى؟ قال أبو طلحة رضي الله عنه في معنى قوله تعالى {خفافاً وثقالاً}؛ كهولاً وشباباً ما سمع الله عذر أحد، وقال الحسن البصيري؛ في العسر واليسر).

وقال الزهري: (خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له؛ إنك عليل! فقال؛ استنفر الله الخفيف
والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع).

د) أذا أسر الكفار مجموعة من المسلمين.

و الدليل أن الله تعالى أمر بالقتال لتخليص ضعفة المسلمين, وأسارى المسلمين لهم في الحكم تبع، قال تعالى: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً), قال القرطبي: "وتخليص الأسارى واجب على جميع المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال, وذلك أوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها, قال مالك: واجب على الناس أن يُفْدوا الأسارى بجميع أموالهم, وهذا لا خلاف فيهه".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فكاك الأسارى من أعظم الواجبات, وبذل المال الموقوف وغيره في ذلك من أعظم القربات"الفتاوى 635/28
ملاحظة هامة جدا

اعلم رحمك الله أن لكل عبادة شروط صحة و شروط وجوب

أما شرط الصحة فهو الذي لا تصح العبادة الا به وهو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود. والشرط خارج عن الشيء وليس في ماهية الشيء.

مثاله: الوضوء شرط من شروط صحة الصلاة؛ فمن لم يتوضأ فصلاته باطلة, ويقال له: ارجع فصل؛ فإنك لم تصل, وعدم الوضوء يدل على عدم صحة الصلاة. أو: رجل توضأ فهل أقول له: قم فصل؟ لا؛ لأنه لا يلزم من وجوده الوجود
مثال آخر صوم الحائض و النفساء لا يصح بالاتفاق

شرط الوجوب هو الذي لا تجب العبادة في الذمة إلا به أي التكليف ، فهذا الشرط ليس له علاقة بصحة العبادة، وإنما تعلقه بوجوب العبادة في الذمة، فإذا وُجد الشرط وجد الوجوب في الذمة، وإذا انعدم هذا الشرط انعدم الوجوب في الذمة

مثال ذلك البلوغ؛ فإنه شرط وجوب بالنسبة للعبادات، أي لا تجب العبادة إلا على البالغ فقط؛ لقوله «رُفع القلم عن ثلاثة عن الصغير حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» أبو داود وصححه الألباني
لكن لا شأن للبلوغ في صحة العبادة، فلو صلى الصغير أو حج أو صام صحت عبادته، ولكن هي في ذاتها غير مفروضة عليه

واعلم أنه قد يجتمع الوصفان في أمر واحد فيكون شرط صحة وشرط وجوب؛ كالعقل فإنه شرط وجوب؛ أي لا تجب إلا بالعقل وشرط صحة أي لا تصح العبادات إلا بالعقل

شروط صحة جهاد الطلب :منقول من كتاب الشيخ أبو بصير الطرطوسي

1-أن يكون الجهاد خالصاً لوجه الله تعالى .. طلباً لمرضاته، وما أعد للمجاهدين في سبيله من أجرٍ عظيم .. لا يُرجى منه سمعة ولا رياء .. فالجهاد ـ كما تقدم ـ عمل تعبدي شرطه الأساس الإخلاص، والتقرب به إلى الله تعالى .. إن انتفى ـ أي الإخلاص ـ انتفى العمل وأجره سواء.

كما قال تعالى:{وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}الكهف:110.

وفي الحديث، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال أعرابيٌّ للنبي -صلى الله عليه وسلم-: الرجلُ يُقاتلُ للمغنَمِ، والرجلُ يُقاتلُ ليُذكَرَ، ويُقاتل ليُرَى مكانُه، مَن في سبيلِ الله؟ فقال:" من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العُليا، فهو في سبيلِ الله " متفق عليه

عن أبي أُمَامةَ الباهِلي قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: أرأيتَ رجلاً غَزَا يَلتمسُ الأجرَ والذِّكرَ ما لَه؟ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-:" لا شَيءَ لَهُ "، فأعادَها ثلاثَ مرَّاتٍ، يقولُ له رسولُ الله:" لا شيءَ له "، ثم قال:" إنَّ الله لا يقبَلُ مِن العمَلِ إلا ما كانَ له خالِصاً وابتُغِيَ به وَجْهُهُ

أما من يضع السيف والجهاد تبعاً لهواه .. أو استجابة لنزعة حب التشفي والانتقام .. ومن دون مراعاة لما أمر الله تعالى به وما نهى عنه؛ فيضع السيف حيث يجب أن يُرفع .. ويرفعه حيثما يجب أن يضعه .. فلا يسلم منه طفل ولا شيخ ولا امرأة .. ولا غيرهم ممن عصم الله ورسولُ دمَه .. وصان حُرْمَته .. فهذا قد عصى اللهَ ورسولَه، واتبع غير سبيل المؤمنين المجاهدين2-أن يكون الجهاد صائباً على السُّنة، تتحقق فيه صفة المتابعة لتعاليم الشرع؛ فيُوضع السيف على من أذن الشرع أن يوضع السيف عليه، ويُرفع عمن أوجب الشرع أن يُرفع عنه، وإن لم يوافق ذلك هوى في النفس ...
وفي الحديث عن المقداد بن الأسود قال: يا رسولَ الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسولَ الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" لا تقتلْه "، قال: فقلت يا رسول الله إنه قد قطع يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها، أفأقتله؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :" لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك ـ أي مصان وحرام الدم ـ قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته ـ أي حلال الدم ـ قبل أن يقول كلمته التي قال " متفق عليه. فلا موضع للتشفي والانتقام ومتابعة الهوى .. ولا حظَّ للنفس .. عندما يقول الشرع كلمته .. ويقضي قضاءه، قال تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}النور:63.

وقال تعالى:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}النساء:65.

3- أن يكون الجهاد لغرض مشروع؛ قد أذن الله تعالى بالقتال دونه .. كما تقدمت الإشارة إلى بعض هذه الأغراض .. أما إن كان الغرض من الجهاد غير مشروع ولا مأذوناً به من الله تعالى؛ كالقتال عصبية لقبيلة أو وطنٍ أو حزبٍ .. أو زعيم ـ في الحق والباطل سواء ـ. أو نصرة لباطل .. أو ظالم على ظلمه .. أو طاغوت على حكمه .. ونحوها من الأغراض الباطلة .. فالقتال والجهاد دونها باطل ومردود .. لا يجوز أن يُنسب إلى الإسلام أو يُصنف على أنه من الجهاد في سبيل الله .. وإن زعم أصحابه أنهم حققوا في أنفسهم شرط الإخلاص، ونية إرادة الخير، فكم من مريد للخير لا يدركه؛ لأنه قد طلبه عن غير طريق شرع الله .. والتمس طرقاً ووسائل وأغراضاً غير مشروعة .. وكم من مفسد في الأرض يحسب أنه ممن يُحسنون صنعاً، كما قال تعالى:{الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}الكهف:104.
أخرج ابن وضّاح القرطبي في كتابه " البدع والنهي عنها "، عن أبي عبيدة بن حذيفة قال: جاء رجل إلى حذيفة بن اليمان وأبو موسى الأشعري قاعد، فقال: أرأيت رجلاً ضرب بسيفه غضباً لله حتى قُتِل، أفي الجنةِ أم في النار؟ فقال أبو موسى: في الجنة. قال حذيفة: استفهم الرجل وأفهمه ما تقول[7]. قال أبو موسى: سبحان الله! كيف قلت؟! قال: قلت رجلاً ضرب بسيفه غضباً لله حتى قُتِلَ أفي الجنة أم في النار؟ فقال أبو موسى في الجنة. قال حذيفة استفهم الرجل وأفهمه ما تقول، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فلما كان في الثالثة قال: والله لا تستفهمه، فدعا به حذيفة قال: رويدك، إن صاحِبَك لو ضرب بسيفه حتى ينقطع فأصاب الحقَّ حتى يُقتل عليه فهو في الجنة، وإن لم يُصِبْ الحقَّ ولم يوفقه الله للحق فهو في النار. ثم قال: والذي نفسي بيده
ليدخلنَّ النارَ في مثل الذي سألتَ عنه أكثر من كذا وكذا.

شروط وجوب جهاد الطلب

قال ابن قدامة في المغني ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط ; الإسلام ، والبلوغ ، والعقل ، والحرية ، والذكورية ، والسلامة من الضرر ، ووجود النفقة . فأما الإسلام والبلوغ والعقل ، فهي شروط لوجوب سائر الفروع ، ولأن الكافر غير مأمون في الجهاد ، والمجنون لا يتأتى منه الجهاد والصبي ضعيف البنية ، وقد روى ابن عمر ، قال : { عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة ، فلم يجزني في المقاتلة } . متفق عليه .

وأما الحرية فتشترط ; لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد ، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد } ، ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة ، فلم تجب على العبد ، كالحج . وأما الذكورية فتشترط ; لما روت عائشة ، قالت { : يا رسول الله ، هل على النساء جهاد ؟ فقال : جهاد لا قتال فيه ; الحج ، والعمرة } . ولأنها ليست من أهل القتال ; لضعفها وخورها ، ولذلك لا يسهم لها . ولا يجب على خنثى مشكل ; لأنه لا يعلم كونه ذكرا ، فلا يجب مع الشك في شرطه .

وأما السلامة من الضرر ، فمعناه السلامة من العمى والعرج والمرض ، وهو شرط ; لقول الله تعالى { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } . ولأن هذه الأعذار تمنعه من الجهاد ; فأما العمى فمعروف ، وأما العرج ، فالمانع منه هو الفاحش الذي يمنع المشي الجيد والركوب ، كالزمانة ونحوها ، وأما اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي ، وإنما يتعذر عليه شدة العدو ، فلا يمنع وجوب الجهاد ; لأنه ممكن منه ، فشابه الأعور .

وكذلك المرض المانع هو الشديد ، فأما اليسير منه الذي لا يمنع إمكان الجهاد ، كوجع الضرس والصداع الخفيف ، فلا يمنع الوجوب ; لأنه لا يتعذر معه الجهاد ، فهو كالعور . وأما وجود النفقة ، فيشترط ; لقول الله تعالى { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله } ولأن الجهاد لا يمكن إلا بآلة ، فيعتبر القدرة عليها .

فإن كان الجهاد على مسافة لا تقصر فيها الصلاة ، اشترط أن يكون واجدا للزاد ونفقة عائلته في مدة غيبته ، وسلاح يقاتل به ، ولا تعتبر الراحلة ; لأنه سفر قريب . وإن كانت المسافة تقصر فيها الصلاة ، اعتبر مع ذلك الراحلة ; لقول الله تعالى : { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه
تولوا [ ص: 164 ] وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون . }
شروط صحة و وجوب جهاد الدفع

قال شيخ الاسلام رحمه الله وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم

الفتاوى الكبرى ( الاختيارات ) 4/520

في الفتاوى الكبرى لابن تيمية 5/539 : ( وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يَسلموا ,ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لا يجوز الانصراف فيه بحال ووقعة أحد من هذا الباب

قال الإمام ابن القيم _رحمه الله تعالى_: " فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعمّ وجوباً، ولهذا يتعين على كل أحد أن يقوم ويجاهد فيه: العبد بإذن سيده وبدون إذنه، والولد بدون إذن أبويه، والغريم بغير إذن غريمه، وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون، فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين، فكان الجهاد واجباً عليهم؛ لأنه حينئذ جهاد ضرورة ودفع، لا جهاد اختيار

الفروسية لابن القيم ص 187.

الرد على شبهات المرجئة-يهود القبلة قاتلهم الله و طهر الله الأرض منهم-
يشترطون لصحة الجهاد وجود الامام والراية و أن الانسان اذا قتل دون توفر هذين الشرطين لا يعتبر شهيدا و يعتبر قتاله قتال فتنة

جهادالطلب، وهو طلب العدو في أرضه، فهذا النوع لا يشترط لصحته وجود الإمام، بل إذا كان الإمام قائما بالجهاد فإنه لا يسوغ الافتئات عليه والتقدم إليه، إلا عن إذن الإمام ورأيه، إذ الأمر موكول إليه، فاستئذانه واجب لا شرط صحة، فيأثم من جاهد دون إذنه، وجهاده صحيح، فإن لم يكن هناك إمام أو فقد أو قتل فإن هذا الجهاد لا يتعطل، قال ابن قدامة في (المغني 10 / 375): " فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد؛ لأن مصلحته تفوت بتأخيره، وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب أحكام الشرع "، اهـ ، فلو كان وجوده شرطاً لصحة الجهاد لوجب تعطيل الجهاد وتأخيره حتى يوجد الإمام، ولما ساغ المضي فيه بدعوى المصلحة، ولما حلت الغنيمة،

وكذا إذا كان الإمام موجوداً، إلا أنه تعذر على أهل الجهاد استئذانه، فإن لهم أن يمضوا دون إذن الإمام مراعاة للحاجة.

قال ابن قدامة في (المغني 10 / 390) :
" لا يخرجون إلا بإذن الأمير؛ لأن أمر الحرب موكول إليه، إلا أن يتعذر استئذانه لمفاجأة عدوهم لهم، فلا يجب استئذانه حينئذ؛ لأن المصلحة تتعين في قتالهم والخروج إليهم لتعين الفساد في تركهم " انتهى، فلو كان وجود الإمام وإذنه شرطاً لصحة جهاد الطلب لما صح الجهاد في حال عدم وجوده، ولما صح مع وجوده دون إذنه عند الحاجة، إذ الشرط ما يلزم من عدمه العدم، وهنا لم يبطل الفقهاء جهاد الطلب في هاتين الحالتين، فدل ذلك على أن وجوده ليس شرطا لصحة هذا النوع من الجهاد، بل المراعى في الحالتين تحقق المصلحة ودفع المفسدة كما علل بذلك ابن قدامة _رحمه الله_.

قال ابن حزم في (المحلى 7 / 351) :" قال _تعالى_: "فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ" (النساء: من الآية84)، وهذا خطاب متوجه إلى كل مسلم، فكل أحد مأمور بالجهاد وإن لم يكن معه أحد" انتهى كلامه _رحمه الله_.
وقال صديق حسن خان في (الروضة الندية صفحة 333) عن الجهاد : " هذه فريضة من فرائض الدين، أوجبها الله على عباده من المسلمين، من غير تقيد بزمان أو مكان أو شخص أو عدل أو جور ".

فالجهاد ماض إلى قيام الساعة، سواء وجد إمام أو لم يوجد، وسواء وجدت هناك راية أو لم توجد.

وقد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم كما في الزاد (3 / 309)، وعبد الرحمن بن حسن وغيرهم من الأئمة، بقصة أبي بصير _رضي الله عنه_ وجهاده المشركين بمن معه من المؤمنين، وقطعهم الطريق عليهم، حتى قال النبي _صلى الله عليه وسلم_ في شأنه:" ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال"، ولم يكن أبو بصير _رضي الله عنه_ تحت ولاية النبي _صلى الله عليه وسلم_ ولا في دار الإسلام، ولم يكن إماماً، ولم تكن معه راية، بل كان يُغِيرُ على المشركين ويقاتلهم ويغنم منهم واستقل بحربهم، ومع ذلك أقره النبي _صلى الله عليه وسلم_ وأثنى عليه، قال عبد الرحمن بن حسن كما في (الدرر السنية 7 / 97) مستدلاً بهذه القصة : " فهل قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أخطأتم في قتال قريش؛ لأنكم لستم مع إمام؟!! سبحان الله ما أعظم مضرة الجهل على أهله !!" انتهى .

قال العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في بيان بطلان هذا الشرط : " بأي كتاب أم بأي حجة أن الجهاد لا يجب إلا مع إمام متبع ؟ هذا من الفرية في الدين والعدول عن سبيل المؤمنين، والأدلة على بطلان هذا القول أشهر من أن تذكر، من ذلك عموم الأمر بالجهاد والترغيب فيه والوعيد في تركه " (الدرر السنية 7/ 97).
قال العلامة عبد الرحمن بن حسن : " كل من قام بالجهاد في سبيل الله فقد أطاع الله، وأدى ما فرضه الله، ولا يكون الإمام إماماً إلا بالجهاد، لا أنه لا يكون جهاد إلا بإمام " (الدرر السنية 7 / 97 )
قال ابن حزم في (المحلى 7 / 300) : " ولا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار، وأمر بإسلام حريم المسلمين إليهم

أما جهاد الدفع فلا يشترط له أي شرط اطلاقا

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الفتاوى المصرية 4 / 508) : " أما قتال الدفع عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان" وقال أيضاً : " وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليها بلا إذن والد ولا غريم ".

في حاشية البيجوري الشافعي (2 / 491) قال في جهاد الدفع: " أن يدخل الكفار بلدة من بلاد المسلمين أو ينزل قريباً منها، فالجهاد حينئذ فرض عين عليهم، فيلزم أهل ذلك البلد حتى الصبيان والنساء والعبيد والمدين ولو بلا إذن من الأولياء والأزواج، والسادة ورب المال، الدفع للكفار بما يمكن منهم ولو بضرب بأحجار ونحوها " انتهى.
ولا يشترط في صحة جهاد الدفع أن يكون من أجل إعلاء كلمة الله، نعم أشرف أنواع الجهاد وأعظمه من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ، وأوضح ما يكون ذلك في جهاد الطلب والفتح، ولا ينافي ذلك مشروعية جهاد الدفع، وأن من قتل فيه دون ماله وعرضه ونفسه شهيد أيضاً، كما ثبت في الصحيح؛ لأن جهاد الدفع مشروع للدفع عن الأرض والعرض والنفس والمال والدين، بشكل فردي أو جماعي، ويكون أيضاً بتعاون المسلمين على اختلاف طوائفهم، أو مع غير المسلمين كأهل الذمة للدفع عن وطنهم جميعاً، وكذا تسوغ الاستعانة بغير المسلمين من الشعوب والدول الأخرى لدفع العدو الكافر عن المسلمين وأرضهم وحرماتهم، وقد عاهد النبي _صلى الله عليه وسلم_ يهود في المدينة على الدفع عنها إذا دهمها عدو، كما استعان الصحابة _رضي الله عنهم_ بنصارى العرب في الشام والعراق في قتال عدوهم، وقد قاتل شيخ الإسلام ابن تيمية التتار في الشام بمن خرج معه من أهلها، مع شيوع أنواع البدع فيهم آنذاك، وخلص أسارى أهل الذمة من اليهود والنصارى من أيدي التتار حين تفاوض معهم، ولم يرض بإطلاق أسرى المسلمين فقط ، حتى أطلقوا أسرى أهل الذمة معهم.

والمقصود أنه لا يشترط لصحة جهاد الدفع أي شرط ، لا وجود إمام، ولا وجود راية، ولا قصد إعلاء كلمة الله ، ولا فتوى عالم، ولا وحدة الصف، ولا وجود القوة، ولا ترجح النصر، وهذا لا ينافي وجوب أن يقاتل المجاهدون صفاً واحداً تحت قيادة واحدة، فإن تعذر ذلك لم يبطل الجهاد ولم يتعطل، والله _تعالى_ أعلم أحكم.
منقول من كلام الدكتور حاكم بن عبيسان المطيري

يشترطون لصحة جهاد الدفع القدرة هذا الأمر لم يقل به الا بعض المعاصرين و في صحة كلامهم نظر
أما نحن فنقول أن القدرة شرط في وجوب جهاد الطلب فقط و هذه هي الادلة
معنى القدرة: أن يعلم المغير أن في قدرته أن يغير المنكر، والقدرة بهذا المعنى شرط في الوجوب وليست شرطاً في الصحة

والدليل على أن القدرة شرط في وجوب تغيير المنكر قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد: (... فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه...) (42) فقوله فإن لم يستطع دليل على أن مناط الوجوب القدرة فمن فقد القدرة سقط عنه الوجوب.
وأما الأدلة على أن القدرة ليست شرطاً في صحة التغيير فكثيرة منها:

1) قوله صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) (43).

فلا شك أن هذا الرجل لم تبلغ قدرته أن يغير منكر ذلك الحاكم الجائر، ومع ذلك أنكر عليه فكان من نتيجة ذلك أن قُتل في سبيل الله، فعده النبي صلى الله عليه وسلم سيد الشهداء مع حمزة رضي الله عنه.

2) ومنها ما جاء في قصة عاصم بن ثابت لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس نفر من أصحابه إلى عضل والقارة، فخرج عليهم قرابة مائة رام، فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر...، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصماً في سبعة نفر بالنبل... (44).

قال الشوكاني تعليقاً على هذا الحديث: ((يجوز لمن لا طاقة له بالعدو أن يمتنع من الأسر وأن يستأسر)) (45).

عن أبي قتادة قال: ((أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة - وكانت رجله عرجاء - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فقتلوه يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم، فمر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كأني انظر إليه يمشي برجله هذه صحيحة في الجنة، فأمر رسول الله بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد)) (47)

والشاهد من قصة عمرو بن الجموح أن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن له في القتال مع كونه أعرج والأعرج معذور بنص القرآن الكريم فهو لا يجب عليه الجهاد، لكنه لما جاهد قبل منه فدل ذلك على أن القدرة شرط في الوجوب لا الصحة.
فشرط تكافؤ العدد والعدّة يدحضه قول الله: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) يقول شيخ الإسلام: مدار الشريعة على قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) المفسّر لقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) وعلى قول النبى ”إذا أمرتكم فاتوا منه ما استطعتم“ أخرجاه في الصحيحين.

جاء في الدرر السنيّة: جهاد الكفّار لا يشترط فيه تكافؤ العدد والعدّة بل إذا قام المسلمون بما أمرهم الله به من جهاد عدوهم، بحسب استطاعتهم، فليتوكلوا على الله، ولا ينظروا إلى قوتهم وأسبابهم، ولا يركنوا إليها، فإن ذلك من الشرك الخفي، ومن أسباب إدالة العدو على المسلمين ووهنهم عن لقاء العدو، لأن الله تبارك وتعالى أمر بفعل السبب، وأن لا يتوكل إلا على الله وحده.

وأيضا: لا تغترّوا بأهل الكفر وما أعطوه من القوّة والعدّة، فإنكم لا تقاتلون إلاّ بأعمالكم، فإن أصلحتموها وصلحت، وعلم الله منكم الصدق في معاملته، وإخلاص النية له، أعانكم عليهم، وأذلّهم، فإنهم عبيده ونواصيهم بيده، وهو الفعّال لما يريد. (الدرر) اهـ

بل إنّ التعلّق بهذه الأسباب وإن كثرت وقويت واشتراط كذا وكذا قد تكون سببا من أسباب الهزيمة, والذي قرأ التاريخ يدرك أنّه لم يتفوّق المسلمون على الكافرين والمنافقين في جُلّ المعارك التي خاضوها مع قوى الشر والطغيان في القوى المادية، عتادا كانت أم رجالا.. (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) بل عندما اغترّ المؤمنون بكثرتهم هُزمُوا: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً).


نقضت قريش العهد,ثم خافوا فبعثوا أبا سفيان للمدينة لتأكيد الصلح,وكلم النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه,
فاستشفع بكبار الصحابة,فقال عمر:"..والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به"
رضي الله عن ابن الخطاب لو كان في زماننا و قال هذه المقولة لقال له أهل الارجاء جهادكم بدعي
يقولون أن من شروط صحة الجهاد شرط الاعداد الايماني

يقول شيخنا أسامة رحمه الله فيرده على هذه الشبهة بما معناه لقد دخل النبي صلى الله عليه و سلم فاتحا مكة ثم خرج منها بعد أقل من شهر و معه ما يقارب من الفي مقاتل من مسلمة الفتح-الذين أسلموا في فتح مكة-فمتى أعد هؤلاء أنفسهم ايمانيا و متى طلبوا العلم الشرعي بل منهم من قال للنبي صلى الله عليه و سلم اجعل لنا ذات انواط كما في الحديث فهل امرهم عليه الصلاة و السلام بالرجوع ليعدوا انفسهم أو قال لا أجاهد مع هؤلاء

عن أبي إسحاق قال سمعت البراء رضي الله عنه يقول أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل مقنع بالحديد فقال يا رسول الله أقاتل أو أسلم قال أسلم ثم قاتل فأسلم ثم قاتل فقتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل قليلا وأجر كثيرا
فهل هذا الرجل طلب العلم الشرعي و أعد نفسه ايمانيا للقتال ...تبا للارجاء و أهله كيف يحكمون
ثم انه يحق لي أن اتسائل في نهاية هذه الرسالة لما لم تظهر هذه الشروط حين كان المجاهدون يقاتلون روسيا حينها كان الجهاد فرضا عينيا لأنه وافق دين الملك و دين أمريكا لكن حين اصبح الجهاد على أمريكا رأينا شروطا ما انزل الله بها من سلطان

و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون
و الحمد لله رب العالمين