Minggu, 01 Juli 2018

Maksud Gambar yang Haram

Maksud Gambar yang Haram dalam hadits "Malaikat tidak masuk ke rumah yang ada gambarnya atau anjingnya". Maksud gambar dalam hadits ini menurut Dr. Ali Fakhir, tokoh mufti Darul Ifta' Mesir adalah gambar tiga dimensi alias patung. Bukan gambar dua dimensi yang biasa dipahami oleh sebagian orang.


"الإفتاء" توضح المقصود من حديث «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه تماثيل أو تصاوير»

قال الدكتور علي فخر، أمين الفتوى ومدير عام إدارة الحساب الشرعي بدار الإفتاء المصرية، إن المقصود بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه تماثيل أو تصاوير»، هو الصور المجسمة، وليس المقصود بها الصورة الفوتوغرافية.

وأضاف "فخر"، خلال لقائه ببرنامج «فتاوى الناس»، المذاع عبر فضائية «الناس»، فى إجابته عن سؤال ورد إليه مضمونه:- هل الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة أو تمثال؟"، أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تمثال مجسم، ولكن يستثني من ذلك لعب الأطفال، لأن السيدة عائشة رضوان الله عليها كانت تقول "كنت ألعب بالعرائس فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فلا مانع من وجود لعب الأطفال فى المنزل، كذلك لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب، والمقصود بالكلب هنا هو الكلب الذي لم يكن للحراسة، ولكن إن كان للحراسة أو للصيد فلا مانع من اقتنائه.

Senin, 25 Juni 2018

Cara Menghilangkan Najis Madzhab Maliki

Cara Menghilangkan Najis Madzhab Maliki

اختلف فقهاء المالكية في حكم إزالة النجاسة على ثلاثة أقوال :
القول الأول: يجب الإزالة على الذاكر العامد القادر ، وإلا فيجب عليه إعادتها في الوقت فقط .
القول الثاني : يندب الإزالة مطلقا، وهو المعتمد .
القول الثالث : يجب الإزالة مطلقا.

جاء في مواهب الجليل : "اختلف في حكم إزالة النجاسة عن ثوب المصلي وبدنه ومكانه على قولين مشهورين فقيل إن إزالتها عن ذلك سنة من سنن الصلاة على كل حال أي سواء ذكرها أو لم يذكرها وسواء قدر على إزالتها أو لم يقدر وقيل إنها واجبة مع ذكر النجاسة والقدرة على إزالتها بوجود ماء يزيلها به أو وجود ثوب طاهر أو القدرة على الانتقال من المكان النجس إلى مكان طاهر وأما مع النسيان لها والعجز عن إزالتها فليست بواجبة بل تكون حينئذ سنة كالقول الأول" (1 / 188)
ونقل الشيخ عليش عن أبي الفرج من المالكية القول بالوجوب مطلقا "منح الجليل شرح على مختصر سيد خليل لعليش" (1 / 104)، ولكن الذي يظهر أن القولان الأولان أقوى .


وقد اختلف المتأخرون في توجيه الخلاف فبعضهم كالقرطبي أبقاه على ظاهره أي أن الخلاف معنوي ، وبعضهم – وهو الراجح – كالحطاب وعليش أجراه خلافا لفظيا بين القول الأول والثاني فالندب عندهم يعني وجوب السنية في الذاكر العامد القادر، ويدل على وجوب السنن كلام القاضي عبد الوهاب البغدادي : " اختلف أصحابنا في إزالة النجاسة عن البدن والثوب والمكان هل هي واجبة وجوب الفرائض أو وجوب السنن وهذا الاختلاف مع الذكر والقدرة والتمكن لنص مالك على أن من صلى بثوب نجس ناسيا أو ذاكرا إلا أنه لم يقدر على غيره أنه يعيد في الوقت وهذا يدل على أنه واجب وجوب السنن لأنه لو كانت إزالتها فرضا لوجب أن يعيد أبدا كما لو ترك بعض أعضائه في الوضوء" "مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل" (1 / 190)


قال الإمام الحطاب : "والذي يظهر لي من نصوص أهل المذهب أن هذا الخلاف إنما هو خلاف في التعبير على القول الراجح في حكم إزالة النجاسة ولا ينبني عليه اختلاف في المعنى تظهر فائدته وذلك أن المعتمد في المذهب أن من صلى بالنجاسة متعمدا عالما بحكمها أو جاهلا وهو قادر على إزالتها يعيد صلاته أبدا ومن صلى بها ناسيا لها أو غير عالم بها أو عاجزا عن إزالتها يعيد في الوقت على قول من قال إنها سنة وقول من قال إنها واجبة مع الذكر والقدرة" "مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل" (1 / 188)
وقال الشيخ عليش : "( خِلَافٌ ) لَفْظِيٌّ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى إعَادَةِ الذَّاكِرِ الْقَادِرِ وَصَلَاتِهِ بِهَا أَبَدًا وَالْعَاجِزِ وَالنَّاسِي فِي الْوَقْتِ وَرُدَّ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ إزَالَتِهَا وَنَدْبِهَا عَلَى سُنِّيَّتِهَا وَبِأَنَّ الْقَائِلَ بِأَحَدِهِمَا يُجِيبُ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْآخَرُ وَبِأَنَّ الْمُصَنِّفَ يُشِيرُ بِخِلَافٍ لِلِاخْتِلَافِ فِي التَّشْهِيرِ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُفِيدُ أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ..وَعَلَيْهَا فَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ وَطَرِيقَةٌ لِلْقُرْطُبِيِّ وَهِيَ أَنَّهُ عَلَى السُّنِّيَّةِ تُنْدَبُ إعَادَةُ الْمُصَلِّي بِهَا فِي الْوَقْتِ فَقَطْ سَوَاءٌ كَانَ ذَاكِرًا أَوْ نَاسِيًا قَادِرًا أَوْ عَاجِزًا وَعَلَى الْوُجُوبِ يُعِيدُ الذَّاكِرُ الْقَادِرُ أَبَدًا وُجُوبًا وَالنَّاسِي وَالْعَاجِزُ فِي الْوَقْتِ نَدْبًا وَعَلَيْهَا فَالْخِلَافُ حَقِيقِيٌّ فَمَنْ قَالَ يُعِيدُ الذَّاكِرُ الْقَادِرُ أَبَدًا عَلَى الْوُجُوبِ وَالسُّنِّيَّةِ وُجُوبًا عَلَى الْأَوَّلِ وَنَدْبًا عَلَى الثَّانِي لَا سَلَفَ لَهُ". "منح الجليل شرح على مختصر سيد خليل ـ عليش" (1 / 104).

***

مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
محمد بن محمد بن عبد الرحمن (الحطاب)
الجزء الأول

ص ( باب يرفع الحدث وحكم الخبث بالمطلق وهو ما صدق عليه اسم ماء بلا قيد )

ش : الباب في اللغة المدخل وفي اصطلاح العلماء اسم لطائفة من المسائل مشتركة في حكم وقد يعبر عنه بالكتاب أو بالفصل وقد يجمع بين الثلاثة فيقدم الكتاب ثم الباب فيزاد في تعريف الكتاب ذات أبواب وفي تعريف الباب ذات فصول أو يجمع بين اثنين منها بحسب الاصطلاح والكتاب يفصل بالأبواب أو بالفصول والباب بالفصول ولم يستعملوا تفصيل الباب بالكتب والفصل بالأبواب والكتاب في اللغة المكتوب كالرهن بمعنى المرهون قال أبو حيان : ولا يصح أن يكون مأخوذا من الكتب لأن المصدر لا يشتق من المصدر ، .

والفصل في اللغة القطع وهو خبر مبتدأ محذوف أي هذا باب كذا والمصنف - رحمه الله - يجعل الأبواب مكان الكتب كما في المدونة وغيرها ويحذف في التراجم التي تضاف إليها الأبواب اختصارا واكتفاء بفهمها من المسائل المذكورة في الباب ، وحكمة تفصيل المصنفات بالكتب والأبواب والفصول تنشيط النفس وبعثها على الحفظ والتحصيل بما يحصل لها من السرور بالختم والابتداء ومن ثم كان القرآن العظيم سورا والله أعلم . وفي ذلك أيضا تسهيل للمراجعة والكشف عن المسائل وكذا فصل صاحب المدونة وغيره من المتقدمين ما كثرت مسائله وتوسطت إلى كتابين وما طالت إلى ثلاثة كتب والترجمة المضاف إليها الباب هنا الطهارة وهي بالفتح لغة النزاهة والنظافة من الأدناس والأوساخ .

وتستعمل مجازا في التنزيه عن العيوب وتطلق في الشرع على معنيين : أحدهما الصفة الحكمية القائمة بالأعيان التي توجب لموصوفها استباحة الصلاة به أو فيه أوله كما يقال هذا الشيء طاهر وتلك الصفة الحكمية التي هي الطهارة الشرعية هي كون الشيء تباح ملابسته في الصلاة والغذاء ، والمعنى الثاني رفع الحدث وإزالة النجاسة كما في قولهم : الطهارة واجبة وفي كلام القرافي أن المعنى الأول حقيقة والثاني مجاز فذلك عرفها ابن عرفة بقوله صفة حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصلاة به أو فيه أوله فالأوليان من خبث والأخيرة من حدث انتهى ، ويقابلها بهذا المعنى النجاسة ولذلك عرفها ابن عرفة : بأنها صفة حكمية توجب لموصوفها منع استباحة الصلاة به أو فيه انتهى ، فتلك الصفة الحكمية التي هي النجاسة شرعا هي كون الشيء تمنع ملابسته في الصلاة والغذاء .

فإذا أطلقنا على المعفو عنه من النجاسات أنه نجس فذلك مجاز شرعي تغليبا لحكم جنسها عليها قاله في الذخيرة ثم اعترض ابن عرفة على من عرف الطهارة بالمعنى الثاني فقال : وقول المازري وغيره : الطهارة إزالة النجس [ ص: 44 ] أو رفع مانع الصلاة بالماء أو في معناه إنما يتناول التطهير والطهارة غيره لثبوتها دونه فيما لم يتنجس وفي المطهر بعد الإزالة ، .

( قلت ) : قد يقال إن تعريف المازري وغيره الطهارة بحسب المعنى الثاني أولى لأن المراد تعريف الطهارة الواجبة المكلف بها والمكلف به إنما هو رفع الحدث وإزالة النجاسة لا الصفة الحكمية وفي قول القرافي أنه مجاز نظر .

بل الظاهر أنه حقيقة أيضا فلفظ الطهارة مشترك في الشرع بين المعنيين فالأحسن التعرض لبيان كل منهما فإن اقتصر على أحدهما فالاقتصار على المعنى الثاني أولى لأنه هو الواجب المكلف به والله أعلم . ومعنى قوله حكمية أنها يحكم بها ويقدر قيامها بمحلها وليست معنى وجوديا قائما بمحله كالعلم للعالم وقوله به أي بملابسته فيشمل الثوب وبدن المصلي والماء وكل ما يجوز أن يلابسه المصلي ولا تبطل صلاته بملابسته إياه فاندفع ما أورد عليه من أنه لا يشمل طهارة الماء المضاف ، وقوله فيه يريد به المكان ، وقوله له يريد به المصلي وهو شامل بظاهره لطهارة المصلي من الحدث والخبث لكن قوله بعد هذا والأخيرة من حدث يخصه به .

وكذا قوله في حد النجاسة توجب له منع الصلاة به أو فيه ولم يقل أوله وفيه نظر لأنه كما يمنع الحدث الصلاة فكذلك الخبث وإدخال البدن في قوله به بعيد والله أعلم . والطهورية صفة حكمية توجب لموصوفها كونه بحيث يصير المزال به نجاسته طاهرا ، وأما الطهارة بالضم فهي فضلة ما يتطهر به وقدم المصنف كغيره العبادات على غيرها لعموم الحاجة إليها وبدأ بالصلاة لأنها أوكد العبادات وأفضلها بعد الإيمان ولتقدمها على بقية القواعد في حديث { بني الإسلام على خمس } ما عدا الشهادتين ولم يتكلم المصنف وكثير من الفقهاء على الشهادتين لأنهما أفردتا بعلم مستقل وقدم الكلام على الطهارة لأنها أوكد شروط الصلاة التي يطلب المكلف بتحصيلها لسقوط الصلاة مع فقد ما يتطهر به من ماء وصعيد على المشهور .

وبدأ بالكلام على الماء لأن الطهارة المائية هي الأصل ولا تحصل إلا بالماء المطلق فاحتاج إلى تمييزه من غيره ، والحدث بفتحتين وهو في اللغة وجود الشيء بعد أن لم يكن ويطلق في الشرع على أربعة معان : على الخارج المعتاد كما سيأتي إن شاء الله في فصل نواقض الوضوء وعلى نفس الخروج كما في قولهم آداب الحدث ، وعلى الوصف الحكمي المقدر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسية كما في قولهم يمنع الحدث كذا وكذا ، وعلى المنع المرتب على الثلاثة كما في قولهم هنا يرفع الحدث أي المنع المترتب على الأعضاء الوضوء أو الغسل ويصح أن يراد هنا بالحدث المعنى الثابت الذي هو الوصف لأنهما متلازمان فإذا ارتفع أحدهما ارتفع الآخر ولا يقال : لا نسلم أنهما متلازمان فإن التيمم يرفع المنع لأنه تستباح به الصلاة وغيرها ولا يرفع الوصف القائم بالأعضاء لأن المشهور أنه لا يرفع الحدث فلا تلازم بينهما لأنا نقول : التيمم لا يرفع المنع رفعا مطلقا وإنما هو رخصة فيرفع المنع عما يستباح به على وجه مخصوص وهو عدم الماء فلا يستباح به إلا فريضة واحدة في حال عدم الماء ولو وجد الماء قبل فعل ذلك المستباح عاد المنع ولم يستبح به شيئا فالتيمم رخصة لاستباحة بعض الأشياء التي يمنعها الحدث على وجه مخصوص فالوصف والمنع باقيان .

وقد أشار ابن عرفة إلى هذا عند الكلام على النية في الوضوء فتأمله والله أعلم .

وأنكر ابن دقيق العيد المعنى الثالث من معاني الحدث وقال : إنه ذكره بعض الفقهاء وهم مطالبون بدليل شرعي يدل على ثبوته فإنه منفي بالحقيقة والأصل موافقة الشرع لها ويبعد أن يأتوا بدليل على ذلك وأقرب ما يذكر فيه أن الماء المستعمل انتقل إليه المانع كما يقال ثم رد ذلك .

وقال المسألة مختلف فيها فقد قال جماعة بطهورية الماء المستعمل ولو قيل بعدم طهوريته أو بنجاسته لم يلزم منه انتقال مانع إليه انتهى من [ ص: 45 ] شرح العمدة وأما المعنيان الأولان فلا تصح إرادتهما هذا إذا لم يمكن رفعهما وتجويز ذلك على حذف مضاف أي حكم الحدث كما أشار إلى ذلك البساطي ففيه تعسف وتكلف لا يحتاج إليه .

والخبث بفتحتين أيضا وهو النجاسة وإنما قال : حكم الخبث لأن عين النجاسة تزول بغير الماء وأما حكمها وهو كون الشيء نجسا في الشرع لا تباح ملابسته في الصلاة والغذاء فلا يرتفع إلا بالماء المطلق وأما موضع الاستجمار والسيف الصقيل ونحوه إذا مسح والخف والنعل إذا دلكا من أبوال الدواب وأرواثها فالمحل محكوم له بالنجاسة .

وإنما عفي عنه للضرورة خلافا لما قد تعطيه عبارة البساطي وقد عد ابن الحاجب وغيره موضع الاستجمار وفيما تقدم ذكره في المعفوات ولا ينافي هذا ما تقدم عن القرافي أعني قوله أن إطلاق النجاسة على المعفو مجاز لأن ذلك أي إطلاق اسم النجاسة على المعفوات بالنظر إلى أصل معنى النجاسة الحقيقي في الشرع وليس فيه ما ينفي إطلاق النجاسة عليها مطلقا شرعا فتأملته والله أعلم .

ولم يقل المصنف رافع الحدث وحكم الخبث لأن نسبة الرفع للماء مجاز وتصدير الباب بهذه الجملة وسياقها مساق الحد لما يرفع به الحدث وحكم الخبث يفيد الحصر وإن لم يكن في الكلام أداة حصر فكأنه قال : إنما يرفع الحدث .

وحكم الخبث بالماء المطلق فأما رفع الحدث فمتفق عليه بل حكى الغزالي - رحمه الله - الإجماع على ذلك ولكنه نوزع في حكاية الإجماع وأما حكم الخبث فما ذكره هو المشهور في المذهب كما سيأتي بيانه في الكلام على إزالة النجاسة .

( تنبيه ) وهذا حكم كل طهارة شرعية من غسل أو وضوء وإن لم تكن واجبة فلا يصح شيء من ذلك إلا بالماء المطلق كالأوضية المستحبة والأغسال المسنونة والمستحبة قال في التلقين ولا يجوز التطهر من حدث ولا نجس ولا شيء من المسنونات والقرب بمائع سوى الماء المطلق انتهى ، ولما كان الأمر كذلك احتاج المصنف إلى تعريف الماء المطلق والمطلق في اللغة ما أزيل منه القيد الحسي والمعنوي وهل هو حقيقة فيهما أو حقيقة فيما أزيل منه الحسي مجاز فيما أزيل منه القيد المعنوي ؟ طريقان ذكرهما صاحب الجمع وعزى الأولى لابن راشد وشيخه القرافي والثانية لابن هارون وأبي علي قال : واستعمله الأصوليون في اللفظ الذي لم يقيد انتهى . واستعمله الفقهاء في الماء الذي لم يخالطه شيء ينفك عنه غالبا مجازا لغويا وعرفيا قاله صاحب الجمع وهو في كلام المصنف صفة لمحذوف أي بالماء المطلق واختلف عبارات الأصحاب في تعريف فعرفه ابن شاس وابن الحاجب وغيرهما بأنه الباقي على أصل خلقته أي لم يخالطه شيء وجعلوا ما تغير بقراره أو بما يتولد منه أو بالمجاورة ملحقا بالمطلق في كونه طهورا فالمطلق عندهم أخص من الطهور وجعل القاضي عبد الوهاب وابن عسكر وغيرهما المطلق مرادفا للطهور فعرفوه بأنه الذي لم يتغير أحد أوصافه بما ينفك عنه غالبا مما ليس بقراره ولا متولد منه فجعلوا ما تغير بقراره أو بما يتولد منه أو بالمجاورة داخلا في حد المطلق وتبعهم المصنف على ذلك فأدخلها كلها في حد المطلق وعرفه بقوله وهو ما صدق عليه اسم ماء بلا قيد يعني أن الماء المطلق هو الذي يصدق عليه في العرف اسم ماء من غير تقييد بإضافة أو صفة أو غير ذلك أي يصح أن يسمى ماء . وهذا معنى قول غيره هو الذي يكتفي بالإخبار عنه بمجرد إطلاق اسم الماء عليه فقوله ما صدق عليه اسم ماء معناه ما صح أن يطلق عليه اسم الماء وليس المراد به جزئيات المطلق التي يصدق عليها حتى يرد عليه أن الشيء لا يعرف بما يصدق عليه ولا يرد على المصنف ما أورده البساطي وغيره أنه قدم التصديق على التصور لأن المصنف لم يحكم على المطلق بشيء وإنما حكم على الحدث والخبث بأنهما يرتفعان بالمطلق فلما جرى في كلامه [ ص: 46 ] ذكر المطلق احتاج إلى تعريفه

والإضافة في قوله اسم ماء بيانية أي اسم هو ماء وقوله ما صدق عليه اسم ماء كالجنس وقوله بلا قيد كالفصل خرج به ما لا يصدق عليه اسم الماء إلا مقيدا بإضافة كماء الورد ونحوه أو صفة كالماء المضاف والماء النجس أو بالألف واللام التي للعهد كقوله صلى الله عليه وسلم { إذا رأت الماء } يعني المني ودخل في حده ما كانت إضافته بيانية كماء المطر وماء الندى وما قيد بإضافة لمحله لأن ذلك لا يمنع من صدق اسم الماء عليه في العرف ويكتفي بالإخبار عنه بمجرد اسم الماء كماء السماء وكذا ما قيد بإضافة لمحله كماء البحر ولا خلاف في جواز التطهير به وإن كان قد حكى عن ابن عمر كراهة الوضوء به فقد انعقد الإجماع على خلافه وماء العيون والآبار والماء الذي نبع من بين أصابعه - صلى الله عليه وسلم - وهو أشرف المياه قال القرطبي لم نسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا صلى الله عليه حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه .

ونقله عنه ابن حجر في علامات النبوة من كتاب المناقب من شرح البخاري وقال في القبس ونبع الماء من بين أصابعه خصيصة لم تكن لأحد قبله . قال النووي في أول كتاب الفضائل من شرح مسلم وفي كيفية هذا النبع قولان حكاهما القاضي عياض وغيره أحدهما ونقله القاضي عن المازري وأكثر العلماء أن الماء كان يخرج من بين أصابعه - صلى الله عليه وسلم - وينبع من ذاتها قالوا وهو أعظم في المعجزة من نبعه من حجر الثاني أن الله كثر الماء في ذاته فصار يفور من بين أصابعه انتهى .

( قلت ) : وعلى القول الأول فهو أشرف مياه الدنيا والآخرة وقد ذكر شيخ شيوخنا القاضي تقي الدين الفاسي المالكي في تاريخ مكة عن شيخه شيخ الإسلام البلقيني .

وذكره أيضا صاحب المواهب اللدنية عن البلقيني أن ماء زمزم أفضل من ماء الكوثر لغسل قلبه - صلى الله عليه وسلم - به فكيف بما خرج من ذاته - صلى الله عليه وسلم - ودخل في ماء الآبار ماء زمزم وهو كذلك قال في كتاب الجنائز من النوادر عن ابن شعبان لا يغسل بماء زمزم ميت ولا نجاسة قال الشيخ ابن أبي زيد ما ذكره في ماء زمزم لا وجه له عند مالك وأصحابه ونقله عنه ابن عرفة في كتاب الجنائز بلفظ قوله ولا يغسل بماء زمزم ميت ولا نجاسة خلاف قول مالك وأصحابه .

قال ابن عرفة : وأبعد منه سماعي ابتداء قراءتي فتوى ابن عبد السلام لا يكفن بثوب غسل بماء زمزم انتهى وقال الجزولي في شرح قول الرسالة : وماء السماء وماء الآبار وماء العيون وماء البحر طيب طاهر مطهر للنجاسات هذا عام يدخل فيه بئر زمزم وهو المشهور أن ماء زمزم يتوضأ به وتزال به النجاسة ولا خلاف فيه إلا ما روي عن ابن شعبان من أنه قال لا تزال به النجاسة تشريفا له انتهى ، ونحوه للشيخ يوسف بن عمر .

( قلت ) : أما الوضوء به لمن كان طاهر الأعضاء فلا أعلم في جوازه خلافا بل صرح باستحبابه غير واحد نقلا عن ابن حبيب .

وكذلك لا أعلم في جواز الغسل به لمن كان طاهر الأعضاء خلافا بل صرح ابن حبيب أيضا باستحباب الغسل به قال فضل بن مسلمة في اختصار الواضحة لابن حبيب ويستحب لمن حج أن يستكثر من ماء زمزم تبركا ببركته يكون منه شربه ووضوءه واغتساله ما أقام بمكة ويكثر من الدعاء عند شربه انتهى ، ويؤخذ استحباب الغسل أيضا من كلام اللخمي كما سيأتي قريبا إن شاء الله وقال النووي في شرح المهذب : مذهب الجمهور كمذهبنا أنه لا يكره الوضوء والغسل به وعن أحمد رواية بكراهيته لأنه جاء عن العباس أنه قال عند زمزم : لا أحله لمغتسل وهو لشارب حل وبل قال : ودليلنا النصوص الصحيحة الصريحة المطلقة في المياه بلا فرق ولم يزل المسلمون على الوضوء به بلا إنكار ولم يصح ما ذكروه عن العباس بل حكي عن أبيه عبد المطلب ولو ثبت عن العباس لم يجز ترك النصوص به وأجاب أصحابنا [ ص: 47 ] بأنه قاله في وقت ضيق الماء لكثرة الشاربين انتهى .

( قلت ) : وذكر المحب الطبري في الباب السابع والعشرين من القرن أثر العباس وقال : لا أحلها المغتسل وهي للشارب حل وبل قال : والبل الحل كرره تأكيدا والظاهر أنه يريد الغسل من الجنابة لمكان تحريم اللبث في المسجد . وإنما أسند التحريم إلى نفسه لأنه ملك الماء بحيازته في حياض كان يجعلها هناك فالمغتسل من الجنابة ارتكب التحريم من وجهين من جهة اللبث في المسجد ومن جهة استعمال المملوك دون إذن مالكه انتهى .

( قلت ) : أما الوجه الأول فغير ظاهر لأن موضع زمزم وحريمها سابق على المسجد فلا يدخل في تحبيس المسجد وقد ذكر صاحب المدخل وغيره أن البيت إذا كانت سابقة على المسجد لا يدخل حريمها في تحبيس المسجد وقد ذكر الأزرقي أن حد المسجد الحرام كان إلى جدار زمزم ورأيت لبعض الشافعية تأليفا صرح فيه بأن موضع زمزم غير داخل في تحبيس المسجد والله أعلم . نعم مرور الجنب في المسجد لا يجوز عند المالكية وأما إزالة النجاسة بماء زمزم فالظاهر أن ذلك مكروه ابتداء فإن أزيلت به طهر المحل ويختلف في كراهة غسل الميت به على الخلاف في طهارة الميت ونجاسته فإن قلنا بطهارته كما هو الأظهر الصحيح جاز غسله به بل قال اللخمي : إنه أولى لما يرجى من بركته كما سيأتي وإن قلنا بنجاسته على القول الذي قدمه المصنف في كلامه الآتي كره غسله به كما صرح به ابن بشير وغيره قال ابن بشير في كتاب الجنائز : واختلف في كراهة غسله بماء زمزم وسبب الخلاف ما قدمنا من الحكم بنجاسته فإن حكمنا بها كرهنا غسله به لكراهة استعمال هذا الماء في النجاسات وأهل مكة يحكون أن رجلا استنجى به فحصل له الباسور وإن حكمنا بطهارة الميت أجزنا غسله به انتهى . وقال ابن الحاجب في كراهة غسله بماء زمزم قولان إلا أن تكون فيه نجاسة انتهى وقال اللخمي بعد أن ذكر قول ابن شعبان لا يغسل به ميت ولا نجاسة وهذا على أصله لأنه يقول إن الميت نجس ولا يقرب ذلك الماء النجاسة وقد ذكر أن بعض الناس استنجى به فحدث به الباسور وأهل مكة يتقون الاستنجاء وعلى القول بأن الميت طاهر يجوز أن يغسل بماء زمزم بل هو أولى لما يرجى من بركته انتهى .

( قلت ) : هذا كلام اللخمي الموعود به فإنه يفهم منه استحباب الغسل به لمن كان طاهر الأعضاء لأنه إذا كان غسل الميت به أولى لرجاء بركته فالحي من باب أولى للاتفاق على طهارته وصرح ابن الكروي في كتاب الوافي له بكراهة استعماله في النجاسات احتراما له وقال ابن فرحون في منسكه لما ذكر في فضل زمزم حديث النظر إليها عبادة والطهور منها يحبط الخطايا ما نصه ( تنبيه ) الطهور منها يحبط الخطايا يريد الوضوء خاصة إذا كانت أعضاء الوضوء طاهرة وأما الاستنجاء به فقد شدد في الكراهة فيه وجاء أنه يحدث البواسير وكذا غسل النجاسات التي على البدن أو غيره قال ابن شعبان من أصحابنا ولا يغسل به نجس انتهى وقوله يريد الوضوء خاصة يعني أو الغسل إذا كان طاهر الأعضاء وسلم من المرور في المسجد وهو جنب وإنما خص الوضوء بالذكر لأنه هو الذي يتصور غالبا قال القاضي تقي الدين الفاسي في تاريخه يصح التطهر به بالإجماع على ما ذكره الروياني في البحر الماوردي في الحاوي والنووي في شرح المهذب وينبغي توقي النجاسة به خصوصا في الاستنجاء فقد قيل إنه يورث الباسور وجزم المحب الطبري بتحريم إزالة النجاسة به وإن حصل التطهير به إذا علم هذا فقول ابن شعبان لا يغسل به ميت ولا نجاسة إن حمل على المنع من ذلك أو على أنه لا يزيل النجاسة فهو خلاف قول مالك وأصحابه وإن حمل على الكراهة فالظاهر أنه موافق للمذهب وقد نقله صاحب الطراز بلفظ الكراهة فقال : وكره ابن شعبان من [ ص: 48 ] أصحابنا أن تغسل به نجاسة أو يغسل به ميت ونحوه في الذخيرة ولا يقال إن ذلك يدل على أن المذهب عدم كراهة غسل النجاسة به لعزوهم ذلك لابن شعبان لأنا نقول إن الذي عزوه لابن شعبان فقط هو عدم غسل الميت به كما يفهم ذلك من كلام اللخمي والله أعلم .

والذي يفهم من كلام الشيخ ابن أبي زيد أنه حمله على المنع وكذلك ابن عبد السلام والمصنف في التوضيح فإنهما فسرا القولين المتقدمين في كلام ابن الحاجب بكلام ابن شعبان وكلام الشيخ ابن أبي زيد قال ابن عبد السلام : القول بالمنع في كتاب ابن شعبان وأنكره الشيخ أبو محمد ورأى أنه مخالف لقول مالك وأصحابه ولا شك أنه ماء مبارك ومع ذلك فلا يمنع أن يصرف فيما تصرف فيه أنواع المياه إذ من المعلوم أن هاجر لم تكن تستعمل هي وابنها إسماعيل - صلوات الله وسلامه عليه - ومن نزل عليهما من العرب في كل ما يحتاجون إليه سواه حين لم يكن بمكة غيره وجعل قول ابن الحاجب إلا أن يكون فيه نجاسة عائدا إلى المسألة التي قبل مسألة غسله بماء زمزم ونقله في التوضيح عن ابن عبد السلام وعن شيخه أيضا قال : وكأنهما فرا من إعادته على ماء زمزم لأنه لو أعيد عليه لفهم أنه يتفق على المنع منه وليس كذلك إذ ظاهر المذهب الجواز انتهى .

( قلت ) : وهذا إنما يشكل إذا حمل كلام ابن شعبان على المنع أما إذا حمل كلام ابن شعبان على الكراهة وفسر القولان في كلام ابن الحاجب به وبما ذكره اللخمي فلا إشكال في ذلك وقد ذكر ابن فرحون عن ابن راشد أنه فسر كلام ابن الحاجب بذلك ونحوه للبساطي في المغني قال في كتاب الجنائز : واختلف هل يكره تغسيله بماء زمزم إذا لم يكن على الميت نجاسة وهو منصوص ابن شعبان أولا وشهره خليل في مختصره على قولين ( تنبيه ) ظاهر كلام ابن شعبان أنه لا يجوز قال ابن أبي زيد وهو خلاف قول مالك وأصحابه وقال اللخمي : هو مبني على أصله أن الميت نجس .

( قلت ) : فعلى هذا يكون المشهور ما قاله ابن شعبان فإنه لا يجوز الاستنجاء به ولا إزالة النجاسة وأما أنه يزيلها أولا محل نظر انتهى كلام البساطي وقوله فعلى هذا يكون المشهور ما قال ابن شعبان يعني لأن الشيخ خليلا شهر القول بنجاسة الميت وقوله فإنه لا يجوز الاستنجاء به الظاهر أنه بالفاء كما يدل عليه كلامه ورأيته في نسخة بالواو والظاهر أن قول المصنف في فصل الجنائز ولو بزمزم وإنما أراد به - والله أعلم - أن يبين أن المذهب صحة غسل الميت به وأنه غير ممنوع كما يقول ابن شعبان بناء على ما فهمه المصنف وابن عبد السلام عن ابن شعبان وكذلك قول ابن عبد السلام لا شك أنه ماء مبارك ومع ذلك لا يمنع أن يصرف فيما يصرف فيه غيره وقول المصنف في التوضيح .

إذ ظاهر المذهب الجواز إنما قال ذلك في مقابلة كلام ابن شعبان حيث فهماه على المنع ولم يريدا نفي الكراهة إذا قلنا إن الميت نجس لا ينبغي أن يختلف في كراهة غسل النجاسة وقد تقدم التصريح بها في كلام ابن بشير وابن الحاجب وابن الكروي وابن فرحون وقوة كلام اللخمي يدل عليها ولم نقف على نص في نفيها إلا ما يفهم من كلام الشيخ ابن أبي زيد في رده على ابن شعبان وقد تقدم أن الظاهر أنه إنما رد عليه لأنه فهم كلامه على المنع بل تقدم في كلام ابن عرفة أن ابن عبد السلام أفتى بأنه لا يكفن الميت في ثوب غسل بماء زمزم فإن من المعلوم أنه إنما أراد بذلك على سبيل الكراهة وإن كان ذلك خلاف الظاهر والله أعلم . وقال ابن فرحون في شرح قول ابن الحاجب : ولا تزال النجاسة إلا بالماء يدخل في كلامه ماء زمزم وهو خارج ولا تزال به نجاسة من البدن ولا من الثوب انتهى .

قلت : فينبغي أن يحمل كلامه على الكراهة وإلا كان مخالفا للمذهب ونقل سيدي الشيخ زروق في شرح الرسالة عن ابن شعبان أنه قال : لا يتطهر بماء زمزم لأنه طعام لقوله عليه الصلاة والسلام [ ص: 49 ] { هو طعام طعم وشفاء سقم } والمعول عليه خلافه لا في النجاسات فيحمل على استعماله فيها انتهى .

( قلت ) : كلامه يقتضي أن ابن شعبان منع التطهير به مطلقا ولم أقف على ذلك في كلام غيره وكذلك لم أقف على أنه علل ذلك بكونه طعاما إلا في كلامه والمنقول عن ابن شعبان ما تقدم فليعتمد عليه ثم وقفت على كلام ابن شعبان في الزاهي ونصه في أول كتاب الطهارة : ولا يستعمل ماء زمزم في المراحيض ولا يخلط به نجس ولا يزال به ولا يغسل به في حمام ولا بأس أن يتوضأ به من سلمت أعضاء وضوئه من النجس وكذلك يغتسل به من الجنابة من ليس بظاهر جسده أذى وإن أصاب الفرجين إذا كانا طاهرين انتهى . قال في باب الحج : ويتوضأ منه ولا يغسل به نجس انتهى . والله أعلم .

( وإنما أطلت الكلام في هذه المسألة ) لاضطراب النقول فيها فأردت تحرير ما ظهر لي من كلام أهل المذهب فيها وأما الكلام على فضلها وفضل الشرب منها فسيأتي إن شاء الله في كتاب الحج ويستثنى من الآبار آبار ثمود فلا يجوز الوضوء بمائها ولا الانتفاع به كما ذكره القرطبي في شرح مسلم وابن فرحون في ألغازه ناقلا له عن ابن العربي في أحكام القرآن ونقله غير واحد وذلك { لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر الصحابة - رضي الله عنهم - حين مروا بها أن يشربوا إلا من البئر التي كانت تردها الناقة وأمرهم أن يطرحوا ما عجنوه من تلك الآبار ويهريقوا الماء } والحديث في الصحيحين رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء وذكره مسلم في أواخر صحيحه بعد كتاب الزهد وفيه أنه أمرهم أن يعلفوا العجين الإبل قال القرطبي في شرح مسلم أمره - صلى الله عليه وسلم - بإراقة ما سقوا وعلف العجين للدواب حكم على ذلك الماء بالنجاسة إذ ذلك حكم ما خالطته النجاسة أو كان نجسا ولولا نجاسة الماء لما أتلف الطعام المحترم شرعا ، وأمره أن يستقوا من بئر الناقة دليل على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين وإن تقادمت أعصارهم انتهى وقالابن فرحون في الألغاز : ( فإن قلت ) : ماء كثير باق على أصل خلقته لا يجوز الوضوء ولا الانتفاع به .

( قلت ) : هو ماء الآبار التي في أرض ثمود .

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها ، قالوا : قد استقينا وعجنا فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويريقوا الماء وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة وذلك لأجل أنه ماء سخط فلم يجز الانتفاع به فرارا من سخط الله انظر أحكام القرآن لابن العربي عند قوله تعالى { ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين } وهو مذهب الشافعي ولا نحكم بنجاسته لأن الحديث ليس فيه تعرض للنجاسة وإنما هو ماء سخط وغضب انتهى . وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة ذكر ابن العربي في الأحكام عند قوله تعالى { ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين } منع الوضوء من بئر ثمود لأنها بئر غضب ولأنه عليه الصلاة والسلام أمر بطرح ما عجن منها وبالتيمم وترك استعمالها فهي مستثناة من الآبار وهو خلاف ما هنا من العموم يعني قول الرسالة وماء الآبار .

( قلت ) : والظاهر ما قاله ابن فرحون والشيخ زروق أنه لا يحكم بنجاسة الماء وإنما يمنع من استعماله فقط لأنه ماء سخط وغضب لأنه لم يروا أنه - عليه الصلاة والسلام أمرهم بغسل أوعيتهم وأيديهم منه وما أصابه من ثيابهم ولو وقع ذلك لنقل على أنه لو نقل لما دل على النجاسة لاحتمال أن يكون ذلك مبالغة في اجتناب ذلك الماء وهو الذي يؤخذ من كلام الفاكهاني في شرح الرسالة فإنه لما ذكر الآبار قال : إلا مياه أبيار الحجر فإنه نهى عن شربها والطهارة بها إلا بئر الناقة ثبت ذلك في الصحيح انتهى . وقد صرح النووي في شرح المهذب بعدم نجاسته ولا إشكال في منع الوضوء منها على ما قاله القرطبي والله أعلم .

Jumat, 22 Juni 2018

Isyarat Cerai Suami yang Tidak Bisu

Isyarat Cerai Suami yang normal dalam arti Tidak Bisu dan bisa berbicara, apakah jatuh talak? Hukumnya sia-sia, tidak jatuh talak walaupun si suami berniat menceraikannya.


الإمام الرملي رحمه الله :
" إشارة ناطق بطلاق : لغو ؛ وإن نواه وأفهم بها كل أحد " .
انتهى من " نهاية المحتاج " (6/435)

الشيخ زكريا الأنصاري رحمه الله :
" لو أشار ناطق بالطلاق ، وإن نوى ، كأن قالت له : طلقني ، فأشار بيده : أن اذهبي : لغا ، وإن أفهم بها كل أحد ؛ لأن عدوله عن العبارة إلى الإشارة : يُفْهِم أنه غير قاصد للطلاق ، وإن قصده بها ؛ فهي لا تقصد للإفهام إلا نادرا ، ولا هي موضوعة له " .
انتهى من " أسنى المطالب " (3/277) .


الفتاوى الهندية " (1/357):
" لو قالت لزوجها : طلقني . فأشار بثلاث أصابع ، وأراد بذلك ثلاث تطليقات ، لا يقع ، ما لم يقل بلسانه " انتهى .


ابن قدامة رحمه الله :
" القادر [يعني على النطق] لا يصح طلاقه بالإشارة ، كما لا يصح نكاحه بها " .
انتهى من " المغني " (7/485) .

ابن مفلح في الفروع وهو حنبلي: ويقع من أخرس وحده بإشارة، فلو فهمها البعض فكناية. وقال البهوتي في المنتهى وهو حنبلي أيضا: فإن كتبه بشيء لا يبين كأصبعه على نحو وسادة أو في الهواء لم يقع؛ لأنه بمنزلة الهمز والإشارة ولا يقع بهما شيء.اهـ وهذا في غير الأخرس. وقال السرخسي في المبسوط وهو حنفي: الصحيح لو أشار لا يقع شيء من التصرفات بإشارته ولكنه استحسن فقال: الإشارة من الأخرس كالعبارة من الناطق.

وبقابل قول الجمهور مذهب المالكية إذ يرون وقوع الطلاق بها من الناطق كالأخرس قال خليل المالكي في مختصره: ولزم بالإشارة المفهمة. ونقل المواق في التاج والإكليل لمختصر خليل من المدونة: ما علم من الأخرس بإشارة أو بكتاب من طلاق أو خلع أو عتق أو نكاح أو بيع أو شراء أو قذف لزمه حكم المتكلم. وروى الباجي: إشارة السليم بالطلاق برأسه أو بيده كلفظه لقوله تعالى: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً {آل عمران: 41} وقال الخرشي في شرحه للمختصر عند قوله:ولزم بالإشارة المفهمة قال: أي ولزم الطلاق بالإشارة المفهمة بأن احتف بها من القرائن ما يقطع من عاينها بأنه فهم منها الطلاق وهي كصريحه فلا تفتقر إلى نية , وإن لم يقطع من عاينها بذلك فهي كالكناية الخفية فلا بد من النية وسواء في ذلك الأخرس والسليم.

Selasa, 12 Juni 2018

Teks Pidato KH Yahya Staquf di Israel Lengkap

Teks lengkap Pidato KH Yahya Staquf (Tsaquf) di Yerusalem Israel yang mengundang banyak kontroversi baik dari kalangan NU sendiri, apalagi dari kalangan radikal.

Hidayat Nur Wahid, salah satu elite PKS, menyatakan dalam twitnya:



Sementara, kalangan intelektual NU mendukung langkah Gus Yahya Staquf ini:



Teks terjemahan ini dikutip dari CNNindonesia.com

"Saya mengucapkan terima kasih kepada ICFR (Israel Council on Foreign relations) yang telah mengundang saya untuk datang dan berbicara di forum ini. Saya terharu. Saya, seorang Muslim, dari negeri mayoritas Muslim terbesar, dari organisasi Islam terbesar. Di tengah atmosfer yang diwarnai ketegangan, bahkan permusuhan, kebencian dan dendam, Anda mengundang saya. Anda meminta saya untuk berbicara. Dan Anda siap mendengarkan. Saya terharu. Saya tidak melihat makna lain dari ini, selain bahwa Anda semua mempunyai niat baik. Anda tulus menginginkan jalan keluar dari kemelut ini. Anda percaya, atau sekurang-kurangnya ingin menguji kepercayaan Anda, pada harapan akan perdamaian. Dan masa depan yang lebih baik.

Senyatanya, saya datang kesini bukan atas nama Indonesia, negeri asal saya, bukan pula atas nama Nahdlatul Ulama, organisasi tempat saya mengabdi. Saya datang atas nama kegelisahan dan kesedihan saya pribadi. Kegelisahan dan kesedihan yang tumbuh diatas kesaksian saya akan penderitaan orang-orang Palestina. Karena penderitaan mereka bukanlah milik mereka sendiri saja. Penderitaan mereka adalah juga kekalutan Bangsa-bangsa Arab dan kegalauan Dunia Islam. Dan pada saat yang sama, laksana gambaran di seberang cermin, penderitaan Palestina adalah juga keresahan Israel dan kegamangan Dunia Barat. Dan kini, setelah berpuluh-puluh tahun, semua itu hampir-hampir mengarah pada keputusasaan umat manusia.

Saya tidak tahu, apakah masih ada diantara kita yang menyaksikan sendiri, bagaimana semua ini dimulai. Yang jelas, kita semua adalah anak-anak dari sejarah yang penuh masalah (troubles). Sejarah yang diwarnai curiga, kebencian, rasa sakit dan amarah. Sejarah yang bergulir diluar kendali kita. Rangkaian sebab-akibat dari tindakan-tindakan diluar keputusan kita. Sejarah yang mewariskan kepada kita permusuhan dan ikatan saling menyakiti seolah perjanjian takdir.

Izinkan saya bertanya: apakah kita ingin meneruskan warisan yang sangat tidak nyaman ini kepada generasi mendatang? Apakah kita senang anak-cucu kita merasakan ketidakberuntungan dan sakit seperti yang kita hidupi sekarang?

Sudah berapa lama kita menanggung sakit ini? Sejak puluhan tahun yang lalu? Ratusan tahun? Ribuan tahun?

Kini Anda memperingati 70 tahun berdirinya Negara Israel. Baiklah. Sudah berapa banyak, sejak 70 tahun yang lalu itu, orang mencoba menghentikan kemelut ini? Kakek-nenek kita? Bapak-ibu kita?

Orang-orang besar datang dan pergi. Melakukan tindakan-tindakan paling berani. Berjuang untuk saling mengalahkan atau mendamaikan. Dan hari ini, kita masih seperti ini.

Guru saya, Kyai Haji Abdurrahman Wahid, enam belas tahun yang lalu menceritakan pandangan seseorang tentang upaya penyelesaian masalah Israel-Palestina, yang menurut guru saya sangat menarik (compelling). Menurut orang itu, upaya-upaya yang telah dilakukan selama ini hanya mempertimbangkan aspek-aspek politik dan militer, melibatkan hanya pemimpin-pemimpin politik dan militer, dan terbukti gagal. Maka patut dicoba untuk menambahkan unsur baru dalam upaya-upaya itu, yaitu unsur agama, dengan memberdayakan inspirasi-inspirasi agama dan melibatkan pemimpin-pemimpin agama.

Guru saya melihat gagasan itu sangat menarik. Tapi beliau juga melihat masalah besar, bahwa didalam setiap agama itu sendiri terdapat pertentangan-pertentangan pandangan, interpretasi, dan madzhab, bahkan pertentangan-pertentangan pula diantara para pemimpinnya. Maka gagasan itu kelihatan menarik sekali saat diucapkan, tapi pasti sulit sekali untuk diwujudkan.

Di Kedutaan Besar Israel di Washington, DC beberapa minggu yang lalu, seseorang meminta konfirmasi saya mengenai adanya ajaran-ajaran Islam yang mendorong permusuhan terhadap Yahudi. Saya tidak menjawab secara langsung pertanyaan itu. Saya katakan, saya ingin mencari jalan keluar. Dan kalau agama menghalangi jalan keluar, mari kita tinggalkan saja.

Bukan maksud saya menyarankan agar orang melepaskan diri dan membuang agama. Saya sendiri beriman kepada Tuhan dan rasul-rasulNya: Ibrahim, Musa, Isa, Muhammad dan semua lainnya. Iman yang saya pilih ketimbang nyawa saya. Tapi dogma-dogma adalah interpretasi. Jika suatu interpretasi agama tidak membantu kita memecahkan masalah, mari kita jelajahi interpretasi-interpretasi lainnya.

Dokter mangatakan bahwa obat apa pun tidak akan ada gunanya bagi penderita diabetes dan penyakit jantung, kecuali mereka mengubah gaya hidup dan pola makan. Al Qur'an mengatakan:


إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

"Sesungguhnya Tuhan tidak akan mengubah keadaan suatu kaum hingga mereka mengubah apa yang ada pada diri mereka".

Jika ditengah perseteruan ini kita terus ngotot memandang pihak lain sebagai musuh, bagaimana mungkin kita mampu melihat peluang bagi perdamaian? Apa gunanya berbagi ini dan itu, menyepakati ini dan itu, mengatakan ini dan itu, jika kita tak pernah bersedia melepaskan cita-cita untuk membasmi lawan? Apakah kita akan terus bertarung sampai salah satu pihak musnah, walaupun harus selama-lamanya hidup dalam kesengsaran?

Jika ingin menghentikan konflik, kita harus menghilangkan sebabnya. Kini setiap orang mengklaim bahwa sebab konflik ini adalah ketidakadilan. Maka masing-masing pihak menuntut keadilan. Tapi masing-masing punya perhitungannya sendiri-sendiri tentang apa yang adil dan apa yang tidak adil. Dan konflik pun terus berlangsung tanpa ada ujungnya.

Izinkanlah saya mengatakan sesuatu yang semua orang sudah tahu tapi entah kenapa enggan mengingatnya, apalagi melaksanakannya. Bahwa keadilan bukan hanya soal menuntut, tapi juga soal memberi. Maka keadilan tak mungkin terwujud tanpa kasih-sayang. Orang yang tidak bersedia memberikan kasih-sayang tidak mungkin mau mempersembahkan keadilan. Ini adalah ruh agama. Inilah ruh iman.

Tidakkah Anda melihat kini, bahwa akar konflik ini bukan lagi ketidakadilan, tapi permusuhan. Kebencian kepada pihak lain akan senantiasa mendorong Anda untuk berbuat tidak adil kepada mereka dan menyakiti mereka.

Apakah hilangnya permusuhan tergantung pada kepuasan semua pihak akan keadilan? Bagaimana mungkin? Sedangkan masing-masing punya perhitungan yang berbeda tentang keadilan dan bersikukuh dengan keinginan untuk saling menghancurkan?

Tidak. Hilangnya permusuhan adalah soal pilihan. Apakah kita memilih dendam atau memaafkan? Apakah kita memilih kebencian atau kasih-sayang? Apakah kita memilih bertarung hingga musnah atau berdamai dan bekerja sama?

Jelas bahwa pilihan-pilihan yang menjadi syarat bagi perdamaian bukanlah pilihan-pilihan yang mudah. Tapi selama kita tidak mengubah pilihan dari yang selama ini kita jalani, tidak akan ada jalan keluar sama sekali.

O, Palestina, dapatkah engkau mengistirahatkan jiwamu dari kemarahan dan dendam? O, Israel, dapatkah engkau menunda keresahanmu tentang rasa tak aman? O, Arab, dapatkah engkau merelakan ruang untuk berbagi? O, kaum Muslimin dan Yahudi, dapatkan kalian meletakan rasa saling curiga dan membangun masa depan bersama dengan ruh iman? O, Dunia! Dapatkah kalian membuat jeda dari perebutan kuasa dan sumberdaya-sumberdaya untuk perduli pada manusia? Manusia dengan darah dan daging seperti dirimu? Manusia dengan hati dan jiwa seperti milikmu? Manusia dengan orang-orang yang disayangi seperti engkau dengan kekasih-kekasihmu?

إلى الله المشتكى وهو المستعان ولا حول ولا قوة إلا يالله العلي العظيم

Tuhanlah tempat mengadu dan Tuhanlah tempat memohon pertolongan dan tiada daya dan kekuatan selain dengan pertolonganNya."

Senin, 11 Juni 2018

Masa Iddah Istri Talak Khuluk Fasakh

Masa Iddah Istri Talak Khuluk Fasakh berapa lama masa iddah istri yang dipisah karena khuluk atau fasakh? Apakah sama dengan istri yang dicerai karena talak?


أولا ـ أحكام العدة

بعد أن عرفنا الأنواع المختلفة لحل العصمة الزوجية، سنتناول في هذا الفصل الأحكام الخاصة بالعدة، وينحصر الحديث عنها في ذكر أسباب العدة وأنواعها وآثارها، وقد خصصنا لكل واحد من هذه العناصر مبحثا خاصا، وهذا زيادة على الأمور الأساسية التي لا يخلو منها باب من أبواب الفقه وهي المفهوم والحكم وقد تركناها لهذا التمهيد:

تعريف العدة :

لغة: العَدُّ: إِحْصاءُ الشيءِ، عَدَّه يَعُدُّه عَدًّا وتَعْداداً وعَدَّةً وعَدَّدَه، والاسم العدد والعديد، والعَدَدُ: مقدار ما يُعَدُّ ومَبْلغُه، والـجمع أَعداد وكذلك العِدَّةُ؛ وقـيل: العِدّةُ مصدر كالعَدِّ، والعِدّة أَيضاً: الـجماعة، قَلَّتْ أَو كَثُرَتْ؛ تقول: رأَيت عِدَّةَ رجالٍ وعِدَّةَ نساءٍ، أَنْفَذْتُ عِدَّةَ كُتُبٍ أَي جماعة كتب. والعديدُ: الكثرة، وهذه الدراهمُ عَديدُ هذه الدراهم أَي مِثْلُها فـي العِدّة[1].

اصطلاحا:من التعاريف التي قيلت في العدة، وهي متقاربة:

· هي مدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها , أو للتعبد , أو لتفجعها على زوج[2].

· هي تربص من فارقت زوجها بوفاة أو حياة[3].

حكم العدة

اتفق الفقهاء على وجوب العدة على المرأة عند وجود سببها، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· قول الله تعالى :﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ (البقرة:228) وقوله تعالى :﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾(الطلاق:4) وقوله تعالى :﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾(البقرة:234)

· عن أم عطية رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:(لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) [4]

· أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة بنت قيس:( اعتدي في بيت ابن أم مكتوم ([5]

· عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض.

· أن الأمة أجمعت على مشروعية العدة ووجوبها من عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - لى يومنا هذا دون نكير من أحد.

المقاصد الشرعية من تشريع العدة

شرعت العدة لمعان وحكم اعتبرها الشارع، ومن الحكم التي ذكرها الفقهاء:

· العلم ببراءة الرحم , وأن لا يجتمع ماء الأزواج على زوجة واحدة، فتختلط الأنساب وتفسد.

· تعظيم خطر الزواج ورفع قدره وإظهار شرفه، بحيث لا تنتقل الزوجة من زوج إلى زوج إلا بعد إمضاء فترة العدة.

· تطويل زمان الرجعة للمطلق لعله يندم ويفيء فيصادف زمنا يتمكن فيه من الرجعة.

· قضاء حق الزوج وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل , ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد.

· الاحتياط لحق الزوج , ومصلحة الزوجة , وحق الولد , والقيام بحق الله الذي أوجبه.

انطلاقا من هذه المقاصد فإن الأرجح في أكثر مسائل الخلاف في العدة هو الأخذ بأقصى الآجال رعاية للمصالح التي ذكرت في مقاصد العلة، فقد يفيئ الزوج المطلق إن طالت مدة العدة، ويستبرأ الرحم، وليس في القول بذلك أي مضرة للمرأة.

1 ـ أسباب العدة

نص الفقهاء على أسباب العدة التالية مع اختلاف بينهم في تفاصيلها:

أولا ـ الطلاق:

أجمع العلماء على أن المطلقة قبل المسيس لا عدة عليها[6] ; لقول الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾(الأحزاب:49) ولأن العدة تجب لبراءة الرحم , وقد تيقنا هنا تحقق هذه البراءة، ومثل الطلاق الفرقة الحاصلة في الحياة , كالفسخ لرضاع , أو عيب , أو عتق , أو لعان، أو اختلاف دين قبل الدخول.

وأجمعوا على وجوب العدة من الطلاق بعد الدخول من الزواج الصحيح للأدلة الكثيرة في ذلك، والتي سنستعرضها في محالها من هذا الفصل.

ثانيا ـ الفسخ:

اختلف الفقهاء في العدة من الفرقة الحاصلة بسبب الفسخ على الأقوال التالية:

القول الأول: إن كل فرقة بين زوجين فعدتها عدة الطلاق , سواء كانت بخلع أو لعان أو رضاع, أو فسخ بعيب , أو إعسار , أو إعتاق , أو اختلاف دين , أو غيره , وهو قول أكثر العلماء كما ذكر ابن قدامة.

القول الثاني: لا عدة في الفسخ إلا في المعتقة التي تختار فراق زوجها، وهو قول الظاهرية، ومن الأدلة على ذلك[7]:

· قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(الممتحنة:10) , فلم يوجب تعالى عليهن عدة في انفساخ نكاحهن من أزواجهن الكفار بإسلامهن.

· عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كانوا إذا هاجرت امرأة من دار الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر , فإذا طهرت حل لها النكاح، وهو يدل على أن هذا فعل الصحابة - رضي الله عنهم - جملة فلا يجوز خلافه.

· أمر رسول الله - رضي الله عنه - لها بالعدة , ولم يأمر غيرها بعدة ولا يجوز أمرها بذلك ; لأنه شرع لم يأذن به الله تعالى.

· لا يجوز قياس الفسخ على الطلاق , لأنهما مختلفان , لأن الطلاق لا يكون إلا بلفظ المطلق واختياره , والفسخ يقع بغير لفظ الزوج أحب أم كره.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بشرط معرفة براءة الرحم بأي وسيلة تدل على ذلك دلالة جازمة، لأن المقصد من العدة في أكثر مواضعها، هي ترك فرصة للتراجع عن الطلاق، واستمرار الحياة الزوجية، بالإضافة إلى استبراء الرحم.

والمقصد الأول يدعو إلى ترجيح طول المدة حتى لو علمت براءة الرحم، بخلاف المقصد الثاني، وفي هذه الحالة ينتفي المقصد الأول لفساد الزواج، فلم يبق إلا المقصد الثاني، ولا معنى لتطويل العدة بعد معرفة براءة الرحم من غير سبب داع، بل في ذلك إيذاء شديد للمرأة وحبس لها عن الزواج من غير فائدة.

بالإضافة إلى هذا الترجيح المقاصدي ليس هناك دليل نصي في المسألة على وجوب العدة في الفسخ كما وجبت في الطلاق، ولا يصح قياس الفسخ على الطلاق لانتفاء الجامع بينهما، فالمطلقة يصح لزوجها إرجاعها بخلاف المفسوخ زواجها.

ثالثا ـ الخلع:

اختلف الفقهاء في المختلعة هل عليها عدة ثلاثة قروء أو تستبرأ بحيضة على قولين:

القول الأول: أن عدة المختلعة هي نفس عدة المطلقة، وقد روي عن سعيد بن المسيب , وسالم بن عبد الله , وعروة , وسليمان بن يسار , وعمر بن عبد العزيز , والحسن , والشعبي , والنخعي , والزهري , وقتادة وخلاس بن عمرو , وأبو عياض ،وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في المذهب , واستدلوا على ذلك بما يلي:

· قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾(البقرة:228)

· أن الخلع فرقة بين الزوجين في الحياة بعد الدخول , فكانت العدة ثلاثة قروء كعدة المطلقة.

القول الثاني: تستبرئ بحيضة، وهو قول عثمان وابن عباس وابن عمر في آخر روايتيه، وهو قول إسحق وابن المنذر وغيرهما وهو رواية عن أحمد، واستدلوا علىذلك بما يلي[8]:

· أنه لو كان الخلع طلاقا لما جاز في الحيض لأن الله حرم طلاق الحائض، وقد سلم المخالفون أو أكثرهم أنه يجوز في الحيض.

· أن الحاجة داعية إليه في الحيض، والله تعالى إنما حرم المرأة بعد الطلقة الثالثة عقوبة للرجل لئلا يطلق لغير حاجة لأن الأصل في الطلاق الحذر، وإنما أبيح منه قدر الحاجة والحاجة تندفع بثلاث مرات، ولهذا أبيحت الهجرة ثلاثا والإحداد لغير موت الزوج ثلاثا، ومقام المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا، والأصل في الهجرة ومقام المهاجر بمكة التحريم.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ـ بناء على ما سبق ـ أن الخلع ما دام فسخا للأدلة التي ذكرناها في محلها من الفصل الخاص به، فإنه يكتفى فيه باستبراء الرحم، لأنه لا معنى لتطويل عدة من لا تحب الرجوع لزوجها بعد أن افتدت منه بمالها، ونرى أن هذا الاستبراء يمكن أن يتم بأي وسيلة بشرط دلالتها على الجزم.

رابعا ـ اللعان:

اختلف الفقهاء في عدة الملاعنة على قولين:

القول الأول: أنها كعدة المطلقة , لأنها مفارقة في الحياة , فأشبهت المطلقة عند جمهور الفقهاء.

القول الثاني: أن عدتها تسعة أشهر, وهو قول ابن عباس - رضي الله عنه -.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة أنه ما دام اللعان فسخا، فإن الأرجح فيه الاكتفاء باستبراء الرحم، ويدل عليه قول ابن عباس - رضي الله عنه - لأن تحديد تسعة أشهر يقصد منه التأكد التام ببراءة الرحم، ويمكن معرفة ذلك دون الحاجة لهذا التحديد بأي وسيلة جازمة كما ذكرنا.

خامسا ـ الزنى:

اختلف الفقهاء في عدة الزانية على الأقوال التالية[9]:

القول الأول: أن الزانية لا عدة عليها , حاملا كانت أو غير حامل، وهو المروي عن أبي بكر وعمر وعلي w، وهو قول الحنفية والشافعية[10] والثوري, واستدلوا على ذلك بما يلي:

· قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - :(الولد للفراش وللعاهر الحجر) [11]

· أن العدة شرعت لحفظ النسب , والزنا لا يتعلق به ثبوت النسب , ولا يوجب العدة.

القول الثاني: أن المزني بها تعتد عدة المطلقة، وقد روي عن الحسن والنخعي، وهو القول المعتمد لدى المالكية[12] والحنابلة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أنه وطء يقتضي شغل الرحم , فوجبت العدة منه.

· أنها حرة فوجب استبراؤها بعدة كاملة قياسا على الموطوءة بشبهة.

· أن المزني بها إذا تزوجت قبل الاعتداد اشتبه ولد الزوج بالولد من الزنا , فلا يحصل حفظ النسب.

القول الثالث: أن الزانية تستبرأ بحيضة واحدة، وهو قول للمالكية وقول للحنابلة، واستدلوا على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا توطأ حامل حتى تضع , ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) [13]

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول باستبرائها بأي وسيلة من وسائل الاستبراء، لأنه لا حاجة لتطويل مدة العدة من غير سبب داع إلى ذلك، وليس في الأدلة ما ينص على أن عدة الزانية كعدة المطلقة، قال ابن القيم: (أما الزانية والموطوءة اليسرى، فموجب الدليل أنها تستبرأ بحيضة فقط، ونص عليه أحمد في الزانية، واختاره شيخنا في الموطوءة اليسرى، وهو الراجح وقياسهما على المطلقة الرجعية من أبعد القياس وأفسده) [14]

أما أصحاب القول الثاني، الذين ذهبوا إلى عدم العدة وعدم الاستبراء، استدلالا بأنه لا حرمة لماء الزاني، فيقال لهم ما قاله ابن تيمية: (الاستبراء لم يكن لحرمة ماء الأول ; بل لحرمة ماء الثاني ; فإن الإنسان ليس له أن يستلحق ولدا ليس منه , وكذلك إذا لم يستبرئها وكانت قد علقت من الزاني)[15]

سادسا ـ الزواج الفاسد:

نص أكثر الفقهاء على وجوب العدة بالدخول في النكاح الفاسد المختلف فيه بين المذاهب كالنكاح بدون شهود أو ولي, وذلك بسبب الفرقة الكائنة بتفريق القاضي.

واتفقوا على وجوب العدة في النكاح المجمع على فساده بالوطء , أي بالدخول , كنكاح المعتدة وزوجة الغير , والمحارم إذا كانت هناك شبهة تسقط الحد , بأن كان لا يعلم بالحرمة.

واختلفوا فيما لو كان يعلم بالحرمة على قولين:

القول الأول: وجوب عدة الاستبراء ; لأنها وجبت للتعرف على براءة الرحم , لا لقضاء حق النكاح , إذ لا حق للنكاح الفاسد أيا كان نوعه , وهو قول المالكية والحنابلة وبعض الحنفية.

القول الثاني: عدم وجوب العدة عند العلم بالحرمة , وهو قول الشافعية وبعض الحنفية، لعدم وجود الشبهة المسقطة للحد , ولعدم ثبوت النسب.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة الاكتفاء باستبراء الرحم لعدم إمكان الرجعة، ولا معنى لتطويل العدة من غير حاجة إلى ذلك، وليس في الأدلة ما يوجب العدة على المرأة في النكاح الفاسد أو الباطل.

سابعا ـ الوطء بشبهة :

نص الفقهاء على أن عدة الموطوءة بشبهة وهي التي زفت إلى غير زوجها , والموجودة ليلا على فراشه إذا ادعى الاشتباه كعدة المطلقة, واتفقوا على أنه لا يجب عليها عدة وفاة، قال السرخسي: (ذا أدخل على الرجل غير امرأته فدخل بها فعلى الزوج مهر التي دخل بها ; لأنه دخل بها بشبهة النكاح بخبر المخبر أنها امرأته , وخبر الواحد في المعاملات حجة فيصير شبهة في إسقاط الحد فإذا سقط الحد وجب المهر , وعليها العدة ويثبت نسب ولدها منه , ولا تتقي في عدتها ما تتقي المعتدة , وبنحوه قضى علي - رضي الله عنه - في الوطء بالشبهة) [16]

وقد ذكر العز عند بيانه لشبه الدارئة للحدود علة ذلك بقوله:(الثانية: شبهة في الموطوءة كوطء الشركاء الجارية المشتركة.. فدرأت عن الواطئ الحد لأنه غير آثم , والنسب لاحق به , والعدة واجبة على الموطوءة , والمهر واجب عليه) [17]، ومن الأدلة على ذلك:

· التعرف على براءة الرحم لشغله ولحقوق النسب فيه , كالوطء في النكاح الصحيح , فكان مثله فيما تحصل البراءة منه.

· أن الشبهة تقام مقام الحقيقة في موضع الاحتياط , وإيجاب العدة من باب الاحتياط.

ثامنا ـ ارتداد الزوج:

اتفق الفقهاء على وجوب عدة زوجة المرتد بعد الدخول أو ما في حكمه بسبب التفريق بينهما , فإن جمعها الإسلام في العدة دام النكاح , وإلا فالفرقة من الردة وعدتها تكون بالأشهر, أو بالقروء , أو بالوضع كعدة المطلقة، أما لو مات المرتد أو قتل حدا وامرأته في العدة , فقد اختلف الفقهاء على قولين :

القول الأول: أنه لا يجب عليها إلا عدة الطلاق، وهو قول المالكية والشافعية وأبي يوسف من الحنفية ; لأن الزوجية قد بطلت بالردة , وعدة الوفاة لا تجب إلا على الزوجات، قال الكاساني موجها قول أبي يوسف:(أن الشرع إنما أوجب عدة الوفاة على الزوجات وقد بطلت الزوجية بالطلاق البائن إلا أنا بقيناها في حق الإرث خاصة لتهمة الفرار ممن ادعى بقاءها في حق وجوب عدة الوفاة فعليه الدليل) [18]

القول الثاني: أن المرتد إذا مات أو قتل وهي في العدة وورثته قياسا على طلاق الفار، فإنه يجب عليها عدة الوفاة: أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض, حتى إنها لو لم تر في مدة الأربعة أشهر والعشر ثلاث حيض تستكمل بعد ذلك , وهو قول أبي حنيفة ومحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أن كل معتدة ورثت تجب عليها عدة الوفاة.

· أن النكاح لما بقي في حق الإرث فلأن يبقى في حق وجوب العدة أولى ; لأن العدة يحتاط في إيجابها فكان قيام النكاح من وجه كافيا لوجوب العدة احتياطا فيجب عليها الاعتداد أربعة أشهر وعشرا فيها ثلاث حيض.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة القول بأمرين:

· أنه لا يجب عليها أن تعتد عدة الوفاة، لأن زوجتيها معه انقطعت بردته، أما وجوب العدة قبل موته، فلإمكان إسلامه ورجعته لها.

· أنها تستحق الميراث، لأنه توفي أو حد، وهي في عدتها منه، وللمرأة الحق في الميراث ما دامت في عدتها.

تاسعاـ وفاة الزوج:

وسبب وجوبها الوفاة بعد زواج صحيح سواء أكانت الوفاة قبل الدخول أم بعده , وسواء أكانت ممن تحيض أم لا , بشرط ألا تكون حاملا ومدتها أربعة أشهر وعشر لعموم قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾(البقرة:234) وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال, إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) [19].

وقد ذكر الفقهاء حكمة عدة الوفاة بهذه المدة ; وهي أن الولد يكون في بطن أمه أربعين يوما نطفة , ثم أربعين يوما علقة , ثم أربعين يوما مضغة , ثم ينفخ فيه الروح في العشر , فأمرت بتربص هذه المدة ليستبين الحمل إن كان بها حمل، وهذا التعليل لا يتفق مع ما صرحت به الأحاديث من أن كل هذه المراحل تستمر اثنين وأربعين يوما، وهو ما كشف عنه العلم حديثا[20]، ولو كان هذا التعليل صحيحا لعم كل مفارقة لزوجها بطلاق وغيره، ولما كان القصد من عدة الوفاة الإحداد.

وقد اتفق الفقهاء على عدم وجوب عدة الوفاة في النكاح المجمع على فساده, واختلفوا في وجوب عدة الوفاة في النكاح الفاسد المختلف فيه على قولين:

القول الأول: عدم وجوب عدة الوفاة في النكاح الفاسد المختلف فيه كالمجمع عليه، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أن عدة الوفاة تجب في النكاح الصحيح ; لأن الله تعالى أوجبها على الأزواج , لقوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ﴾ (البقرة:234) ولا يصير زوجا حقيقة إلا بالنكاح الصحيح.

· أن عدة الوفاة تجب إظهارا للحزن والتأسف لفوات نعمة النكاح , والنعمة في النكاح الصحيح دون الفاسد.

القول الثاني: وجوب عدة الوفاة في النكاح الفاسد المختلف فيه، وهو قول المالكية، وهو قول للحنابلة , لأنه نكاح يلحق به النسب , فوجبت به عدة الوفاة كالنكاح الصحيح.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة القول بعدم وجوب عدة الوفاة من نكاح فاسد لعدم قيام الزوجية الصحيحة، ولا معنى لإحداد امرأة على شخص لم يصح زواجها منه، بل في ذلك مضرة محضة لتطويل العدة من غير سبب.

قال الشافعي مبينا هذه العلة: (إذا نكح الرجل المرأة نكاحا فاسدا فمات عنها، ثم علم فساد النكاح بعد موته أو قبله، فلم يفرق بينهما حتى مات، فعليها أن تعتد هذه عدة مطلقة، ولا تعتد عدة متوفى عنها ولا تحد في شيء من عدته، ولا ميراث بينهما لأنها لم تكن زوجة وإنما تستبرأ بعدة مطلقة، لأن ذلك أقل ما تعتد به حرة فتعتد إلا أن تكون حاملا فتضع حملها فتحل للأزواج بوضع الحمل) [21]

2 ـ أنواع العدة



فصلت النصوص الشرعية أنواع العدة بحسب أسبابها، ومن تجب عليهن من النساء، وسنفصل أقوال الفقهاء في ذلك في هذا المبحث:

النوع الأول: عدة القروء

تعريف القرء:

لغة: القَرْءُ والقُرْءُ: الوقت، قد يكون للـحَيْض والطُّهر. قال أَبو عبـيد: القَرْءُ يصلـح للـحيض والطهر. قال: وأَظنه من أَقْرَأَتِ النُّـجومُ إِذا غابَتْ. والـجمع: أَقْراء[22].

اصطلاحا: اختلف الفقهاء في معنى القرء اصطلاحا على قولين:

القول الأول: أن المراد بالقرء الطهر، وهو قول المالكية والشافعية، ومن أدلتهم على ذلك:

· قوله تعالى: ﴿ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾(البقرة: من الآية228)، فذكره وأثبت الهاء في العدد , فدل على أنه أراد الطهر المذكر , ولو أراد الحيضة المؤنثة لأسقط الهاء , وقال: ثلاث قروء ; فإن الهاء تثبت في عدد المذكر من الثلاثة إلى العشرة وتسقط في عدد المؤنث[23].

· قوله تعالى:﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾(الطلاق:1) أي في عدتهن أو في الزمان الذي يصلح لعدتهن , فاللام بمعنى في , ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالطلاق في الطهر , لا في الحيض لحرمته بالإجماع, فيصرف الإذن إلى زمن الطهر , ففيه دليل على أن القرء هو الطهر الذي يسمى عدة , وتطلق فيه النساء.

· قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (مره فليراجعها , ثم ليتركها حتى تطهر , ثم تحيض ثم تطهر , ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس , فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن يطلق لها النساء) [24]. فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى الطهر وأخبر أنه العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء , فصح أن القرء هو الطهر.

· قالت عائشة رضي الله عنها: (إنما الأقراء الأطهار) [25]

· أن احتجاج المخالفين بقوله - صلى الله عليه وسلم - للمستحاضة:(اقعدي أيام أقرائك وانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي) ونحو هذا فليس فيه حجة، لأن الحيض قد يسمى قرءا، قال ابن عبد البر: (ولسنا ننازعهم في ذلك، ولكنا ننازعهم أن يكون الله عز وجل أراده بقوله:﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾(البقرة: من الآية228) على أن هذا الحديث قد ضعفه أهل العلم، لأنه يروى عن عائشة، وعائشة لم يختلف عنها في أن الأقراء الأطهار، فيبعد عن عائشة أن تروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للمستحاضة:(دعي الصلاة أيام أقرائك) وتقول: الأقراء الأطهار، فإن صح عن عائشة، فهو حجة عليهم لأن عائشة تكون حينئذ أخبرت بأن القرء الذي يمنع من الصلاة ليس هو القرء الذي تعتد به من الطلاق، وكفى بتفرقة عائشة بين هذين حجة) [26]

· أن احتجاج المخالفين بحديث فاطمة ابنة أبي حبيش لا يصح، لأنه لم يذكر فيه هشام بن عروة من رواية مالك وغيره القرء ، إنما قال فيه:(إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة)لم يقل إذا أتاك قرؤك، وهشام أحفظ من الذي خالفه في ذلك، ولو صح كان الوجه فيه ما ذكر عن عائشة، رضي الله عنها[27].

· أن مطلق الأمر محمول على الفور , ولا يكون ذلك إلا على اعتبار القرء طهرا، لأنه إنما يطلق في الطهر لا في الحيض , فلو طلق في الطهر ولم تعتد إلا بالحيض الآتي بعده لكان ذلك تراخيا عن الامتثال للأمر.

· أن القرء مشتق من الجمع , فيقال: قرأت كذا في كذا إذا جمعته فيه , وإذا كان الأمر كذلك كان بالطهر أحق من الحيض ; لأن الطهر اجتماع الدم في الرحم , والحيض خروجه منه , وما وافق الاشتقاق كان اعتباره أولى من مخالفته , ويجمع على أقراء وقروء وأقرؤ.

القول الثاني: المراد بالقرء الحيض , وهو ما ذهب إليه جماعة من السلف كالخلفاء الأربعة وابن مسعود w وطائفة كثيرة من الصحابة والتابعين وبه قال أئمة الحديث والحنفية وأحمد في رواية أخرى حيث نقل عنه أنه قال: كنت أقول: إنها الأطهار , وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض. وقال ابن القيم: (إنه رجع إلى هذا , واستقر مذهبه عليه فليس له مذهب سواه) [28]، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾[29] (البقرة: 228) فقد أمر الله تعالى بالاعتداد بثلاثة قروء , ولو حمل القرء على الطهر لكان الاعتداد بطهرين وبعض الثالث ; لأن بقية الطهر الذي صادفه الطلاق محسوب من الأقراء عند القول الأول , والثلاثة اسم لعدد مخصوص , والاسم الموضوع لعدد لا يقع على ما دونه , فيكون ترك العمل بالكتاب، ولو حمل على الحيض يكون الاعتداد بثلاث حيض كوامل ; لأن ما بقي من الطهر غير محسوب من العدة عندهم فيكون عملا بالكتاب , فكان الحمل على ذلك أولى لموافقته لظاهر النص وهو أولى من مخالفته.

· ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (طلاق الأمة اثنتان , وعدتها حيضتان) [30]، ومعلوم أنه لا تفاوت بين الحرة والأمة في العدة فيما يقع به الانقضاء , إذ الرق أثره في تنقيص العدة التي تكون في حق الحرة لا في تغيير أصل العدة , فدل على أن أصل ما تنقضي به العدة هو الحيض.

· أن المعهود في لسان الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض , قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (تدع الصلاة أيام أقرائها([31]، وقال لفاطمة بنت أبي حبيش:(انظري إذا أتى قرؤك فلا تصلي , فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء)فهذا دليل على أنه لم يعهد في لسان الشرع استعماله بمعنى الطهر في موضع , فوجب أن يحمل كلامه على المعهود في لسانه.

· قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح المشهور: (لا توطأ حامل حتى تضع , ولا حائل حتى تحيض) [32]، فنص الشارع - صلى الله عليه وسلم - على أن براءة رحم الأمة هو الحيض , وبه يقع الاستبراء بالواحد في الأمة , فكذلك فليكن بالثلاثة في الحرة، لأن المطلوب من الحرة في استبراء الرحم هو المطلوب من الأمة بعينه.

· أن هذه العدة وجبت للتعرف على براءة الرحم , والعلم ببراءة الرحم يحصل بالحيض لا بالطهر , فكان الاعتداد بالحيض لا بالطهر.

الترجيح:

هذه المسألة من المسائل التي اشتد فيها الخلاف من لدن السلف الصالح - رضي الله عنهم - ، والأدلة فيها تكاد تتكافأ، وسبب ذلك أن القرء في اللغة العربية يشترك إطلاقه في الحيض والطهر، مع دلالته في نفس الوقت على الوقت، ولعل المراد في النص القرآني هو الوقت بغض النظر عن كونه وقت حيض أم وقت طهر، للدلالة على أن المعتدة تعتد ثلاث دورات إما باعتبار طهرها، أو باعتبار حيضها، وقد قال ابن العربي:( وبه تشاغل الناس قديما وحديثا من فقهاء ولغويين في تقديم أحدهما على الآخر ; وأوصيكم ألا تشتغلوا الآن بذلك لوجوه; أقربها أن أهل اللغة قد اتفقوا على أن القرء الوقت , يكفيك هذا فيصلا بين المتشعبين وحسما لداء المختلفين([33]

ولكن الناحية المقاصدية قد ترجح القول باعتباره حيضا، ففي ذلك تأكيد لبراءة الرحم، وتطويل للفترة التي يمكن للزوجين فيها أن يتراجعا، وكلا الأمرين من مقاصد الشريعة في العدة كما ذكرنا.

وذلك لأن القائلين بأن القرء هو الطهر، تقل عندهم الفترة الموضوعة للرجعة، وليس ذلك في مصلحة الزوجين في حال التراجع عن الطلاق بالرجعة، قال النووي:( من قال بالاطهار يجعلها قرئين وبعض الثالث، وظاهر القرآن أنها ثلاثة، والقائل بالحيض يشترط ثلاث حيضات كوامل، فهو أقرب الى موافقة القرآن، ولهذا الاعتراض صار ابن شهاب الزهرى الى أن الاقراء هي الاطهار، قال: ولكن لا تنقضي العدة الا بثلاثة أطهار كاملة، ولا تنقضي بطهرين وبعض الثالث، وهذا مذهب انفرد به، بل اتفق القائلون بالاطهار على أنها تنقضي بقرءين وبعض الثالث، حتى لو طلقها وقد بقى من الطهر لحظة يسيرة حسب ذلك قرءا ويكفيها طهران بعده) [34]

كيفية حساب عدة القروء:

ترتب على الاختلاف السابق في تعريف القرء الاختلاف في حساب العدة , فلذلك اختلف الفقهاء في حساب العدة على قولين:

القول الأول: على اعتبار القرء هو الطهر، وهو مذهب المالكية والشافعية وأحمد في رواية[35]، وقد ذهبوا إلى أن المرأة لو طلقت طاهرا , وبقي من زمن طهرها شيء ولو لحظة حسبت قرءا، واستدلوا على ذلك بأن بعض الطهر وإن قل يصدق عليه اسم قرء , فتنزل منزلة طهر كامل ; لأن الجمع قد أطلق في كلامه تعالى على معظم المدة كقوله تعالى: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ مع أنه في شهرين وعشر ليال.

وقد اختلف أصحاب هذا القول في الوقت الذي تنقضي فيه عدتها على رأيين:

الرأي الأول: تنقضي عدتها في هذه الحالة برؤية الدم من الحيضة الثالثة، وهو قول المالكية والشافعية.

الرأي الثاني: لا تنقضي عدتها برؤية الدم من الحيضة الثالثة , وإنما تنقضي بانقطاع دم تلك الحيضة واغتسالها، وهو المعتمد في المذهب الحنبلي، ومقابل المعتمد: أنه لا يشترط الغسل لانقضاء العدة , بل يكفي انقطاع دم الحيضة الثالثة كما سنرى.

القول الثاني: على اعتبار القرء حيضا، فإن العدة لا تنقضي ما لم تحض المرأة ثلاث حيض كوامل تالية للطلاق , فلو طلقها في طهر، وهو الطلاق السني، فلا يحتسب ذلك الطهر من العدة , أو طلقها في حيضها فإنها لا تحسب من عدتها ،وهو مذهب الحنفية , والمذهب عند الحنابلة.

وقد اختلف أصحاب هذا القول في الغسل لانقضاء العدة من الحيضة الثالثة على رأيين:

الرأي الأول: أن العدة تنقضي بانقطاع الدم من الحيضة الثالثة دون اغتسال, إن كانت أيامها في الحيض عشرة , لانقطاع الدم بيقين , إذ لا مزيد للحيض على عشرة ; لأنها إذا رأت أكثر من عشرة لم يكن الزائد على العشرة حيضا بانقضاء العدة , لعدم احتمال عود دم الحيض بعد العشرة أيام , فيزول الحيض ضرورة ويثبت الطهر. وعلى ذلك فلا يجوز رجعتها وتحل للأزواج بانقضاء الحيضة الثالثة. أما إذا كانت أيام حيضها دون العشرة , فإنها في العدة ما لم تغتسل , فيباح لزوجها ارتجاعها , ولا يحل لغيره نكاحها[36] , بشرط أن تجد ماء فلم تغتسل ولا تيممت وصلت به ولا مضى عليها وقت كامل من أوقات أدنى الصلوات إليها, أم بانقطاع الدم منها، وهو قول الحنفية[37] والثوري، واستدلوا على ذلك بما يلي[38]:

· قوله تعالى :﴿ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾(البقرة: من الآية222)أي يغتسلن.

· أن أيامها إذا كانت أقل من عشرة لم تستيقن بانقطاع دم الحيض , لاحتمال المعاودة في أيام الحيض , إذ الدم لا يدر درا واحدا , ولكنه يدر مرة وينقطع أخرى فكان احتمال العود قائما , والعائد يكون دم حيض إلى العشرة , فلم يوجد انقطاع دم الحيض بيقين , فلا يثبت الطهر بيقين , فتبقى العدة لأنها كانت ثابتة بيقين , والثابت بيقين لا يزول بالشك. وعلى هذا إذا اغتسلت انقطعت الرجعة ; لأنه ثبت لها حكم من أحكام الطاهرات وهو إباحة أداء الصلاة , إذ لا يباح أداؤها للحائض , فتقرر الانقطاع بقرينة الاغتسال فتنقطع الرجعة لانتهاء العدة به. وكذا إذا لم تغتسل , لكن مضى عليها وقت الصلاة , أو إذا لم تجد الماء , بأن كانت مسافرة فتيممت وصلت.

الرأي الثاني : أن العدة تنقضي بطهرها من الحيضة الثالثة وانقطاع دمها، وهو قول للحنابلة[39] وقد اختاره أبو الخطاب، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أن الله تعالى قال:﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾(البقرة:228) وقد كملت القروء , بدليل وجوب الغسل عليها ووجوب الصلاة وفعل الصيام وصحته منها.

· أنه لم يبق حكم العدة في الميراث ووقوع الطلاق فيها واللعان والنفقة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة تتميما لما ذكرناه سابقا من أن الأصلح هو اعتبار القرء حيضا لاستبراء الرحم وتطويل العدة، والأصلح كذلك هنا بهذا الاعتبار هو أن للزوج الحق في الرجعة، ولو في آخر لحظة، وذلك باعتبار انتهاء عدتها متوقف على اغتسالها كما ذهب إليه الحنفية، وكما نصت عليه بعض الروايات في مذهب أحمد فقد ذهب فيها إلى أن الزوجة لا تخرج عن العدة ما لم تغتسل , فيباح لزوجها ارتجاعها , ولا يحل لغيره نكاحها لأنها ممنوعة من الصلاة بحكم حدث الحيض.

وقد روي مثل هذا رعاية لمصلحة رجعة الزوجين عن كثير من الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم، وهو دليل على أن ذلك كان مشتهرا بينهم، وسننقل هنا بعض ما ذكره ابن حزم من آثار[40] :

· عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: كنت عند عمر - رضي الله عنه - فجاء رجل وامرأة , فقال الرجل: زوجتي طلقتها وراجعتها , فقالت: ما يمنعني ما صنع أن أقول ما كان , إنه طلقني وتركني حتى حضت الحيضة الثالثة وانقطع الدم , وغلقت بابي , ووضعت غسلي , وخلعت ثيابي , فطرق الباب فقال: قد راجعتك , فقال عمر - رضي الله عنه - : قل فيها يا ابن أم عبد, فقلت: أرى الرجعة قد صحت ما لم تحل لها الصلاة , فقال عمر: لو قلت غير هذا لم أره صوابا.

· روي عن مكحول أن أبا بكر وعمر وعليا وابن مسعود وأبا الدرداء وعبادة بن الصامت وعبد الله بن قيس الأشعري - رضي الله عنهم - كانوا يقولون في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين: إنه أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة , ترثه ويرثها ما دامت في العدة.

· روي عن الحسن أن رجلا طلق امرأته طلقة , فلما أرادت أن تغتسل من الحيضة الثالثة راجعها ؟ فاختصما إلى أبي موسى الأشعري , فاستحلفهما بالله الذي لا إله إلا هو لقد حلت لها الصلاة ؟ فأبت أن تحلف , فردها إليه، وصح مثله أيضا عن ابن مسعود.

· عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: أرسل عثمان إلى أبي بن كعب في ذلك ؟ فقال أبي بن كعب: أرى أنه أحق بها حتى تغتسل من حيضتها الثالثة , وتحل لها الصلاة ؟ قال: فما أعلم عثمان إلا أخذ بذلك.

· عن الشعبي عن ثلاثة عشر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخير , فالخير منهم أبو بكر , وعمر , وابن عباس: أنه أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة.

· أن عبادة بن الصامت قال: لا تبين حتى تغتسل من الحيضة الثالثة , وتحل لها الصلوات وصح هذا عن عطاء بن أبي رباح وعبد الكريم الجزري , وسعيد بن المسيب , والحسن بن حي، وقال شريك بن عبد الله القاضي: إن فرطت في الغسل عشرين سنة فله الرجعة عليها.

عدة المستحاضة :

الاستحاضة هي سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة من مرض وفساد، فإذا كانت المطلقة المعتدة من ذوات الحيض , واستمر نزول الدم عليها بدون انقطاع فهي مستحاضة , وحكمها لا يخلو من الحالتين التاليتين:

الحالة الأولى: أن تكون غير متحيرة، وهو أن تستطيع التمييز بين الحيض والاستحاضة برائحة أو لون أو كثرة أو قلة أو عادة، فتعتد ـ في هذه الحالة ـ بالأقراء لعموم الأدلة الواردة في ذلك , ومنها قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾(البقرة:228) ولأنها ترد إلى أيام عادتها المعروفة لها ولأن الدم المميز بعد طهر تام يعد حيضا , فتعتد بالأقراء لا بالأشهر.

الحالة الثانية: المستحاضة المتحيرة التي لم تستطع التمييز بين الدمين ونسيت قدر عادتها , أو ترى يوما دما ويوما نقاء , وسواء أكانت مبتدأة أم غيرها , وقد اختلف الفقهاء في عدتها على الأقوال التالية:

القول الأول: أن عدة المستحاضة هنا ثلاثة أشهر، وهو قول الحنفية والشافعية في الأصح[41], وقول للحنابلة، وهو قول الظاهرية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أنها في هذه الحالة مرتابة , فدخلت في قوله تعالى: ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾(الطلاق:4)

· أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لحمنة بنت جحش تلجمي وتحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام) فجعل لها حيضة في كل شهر تترك فيها الصلاة والصيام , ويثبت فيها سائر أحكام الحيض , فيجب أن تنقضي به العدة , لأن ذلك من أحكام الحيض.

· أن الغالب نزول الحيض مرة في كل شهر.

· اشتمال كل شهر على طهر وحيض غالبا.

· عظم مشقة الانتظار إلى سن اليأس.

القول الثاني: أن عدة المستحاضة المتحيرة سنة كاملة، وهو قول المالكية[42] وقول للحنابلة[43]، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أنها بمنزلة من رفعت حيضتها ولا تدري ما رفعها.

· أنها لم تتيقن لها حيضا مع أنها من ذوات القروء , فكانت عدتها سنة , كالتي ارتفع حيضها.

· أنها ـ بذلك ـ تتربص تسعة أشهر استبراء لزوال الريبة ; لأنها مدة الحمل غالبا , ثم تعتد بثلاثة أشهر , وتحل للأزواج بعد السنة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول، لأن ثلاثة أشهر بديل صحيح للقروء الثلاثة، ويمكن في عصرنا التعرف على براءة الرحم، بدون حاجة لتطويل المدة، وذلك لأن حبس امرأة مدة سنة كاملة في بيت زوج لا يريدها ومنعها من التزوج فيه حرج كبير لم يكلفها الله به.

وقد يقال هنا: لماذا لا نقول بتطويل المدة رجاء رجعة الزوج لها، كما ذكرنا في المسائل السابقة، والجواب على ذلك: إن هذا الطول محدود بالفترة القصوى التي حددها الشرع في مثل هذا، والعدول عنه إلى أي طرف مذموم، فتقصير المدة قد يكون حائلا بين الزوج والرجعة، وتطويلها قد يكون مؤذيا للزوجة وحائلا بينها وبين تقرير مصيرها مع زوجها.

ولعل أحسن ما يقال في هذا أخذا باعتبار أن كل مجتهد مصيب نظر المفتي لحال المستفتي، فإن كان الأصلح لهما التطويل أفتى به، وإن كان الأصلح غيره قال به، بغض النظر عن قناعته الشخصية، فالمصالح الشرعية أعظم من القناعات الشخصية، ومهما عظم اجتهاد هذا المفتي فلن يكون أعظم ممن قال بأي قول من القولين.

عدة ممتدة الطهر:

الحالة الأولى: العلم بعلة امتداد الطهر:

نص الفقهاء على أن المرأة التي كانت تحيض ثم ارتفع حيضها دون حمل ولا يأس , فإذا فارقها زوجها , وانقطع دم حيضها لعلة تعرف , كرضاع ونفاس أو مرض يرجى برؤه , فإنها تصبر وجوبا , حتى تحيض , فتعتد بالأقراء , أو تبلغ سن اليأس فتعتد بثلاثة أشهر كالآيسة , ولا تبالي بطول مدة الانتظار، واستدلوا على ذلك بأن الاعتداد بالأشهر جعل بعد اليأس بالنص, فلم يجز الاعتداد بالأشهر قبله أن ذلك قد روي عن علي وعثمان وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - , فقد روى عن عثمان - رضي الله عنه - أنه حكم بذلك في المرضع.

قال ابن حزم:( أما المختلفة الأقراء فلا بد لها من تمام أقرائها بالغة ما بلغت لا حد لذلك; لأن الله تعالى أوجب عليها أن تتربص ثلاثة قروء , ولم يجعل الله تعالى لذلك حدا محدودا ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ (الطلاق:1)، فإن حاضت حيضة ثم لم تحض, أو حاضت حيضتين ثم لم تحض, أو انتظرت الحيضة الأولى فلم تأتها بعد أن كانت قد حاضت في عصمة زوجها; أو قبلها. فلا بد لهؤلاء كلهن من التربص أبدا حتى يحضن تمام ثلاث حيض كما أمر الله تعالى , أو حتى يصرن في حد اليأس من المحيض , فإذا صرن فيه استأنفن ثلاثة أشهر - ولا بد - لأن الله تعالى لم يجعل العدة ثلاثة أشهر إلا على اللواتي لم يحضن , وعلى اليائسات من المحيض ؟ وهذه ليست واحدة منهما , فإذا صارت من اليائسات فحينئذ دخلت في أمر الله تعالى لها بالعدة بثلاثة أشهر([44]

ونرى أن الأرجح في هذا هو أن أقصى مدة شرعية ذكرها القرآن الكريم لغير المتوفى عنها زوجها أو الحامل هي ثلاثة أشهر، فلذلك نرى أن تكتفي المرأة بهذه المدة بشرط التأكد من ثبوت الحمل وعدمه بالوسائل العصرية الكثيرة الدالة على ذلك.

فإن لم تستعمل هذه الوسائل، فإن اقصى مدة هي مضي فترة حمل كاملة منذ آخر مرة عاشرها زوجها فيها، وقد ذكرناها في محلها الخاص بها.

ولعل الداعي لقول الفقهاء بالتربص لفترة اليأس، هو عدم إتاحة وسائل التعرف على الحمل في العصور الماضية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية تلك الاعتقادات بأن الحمل قد يطول إلى مدد طويلة بناء على حكايات النساء في ذلك كما مر سابقا، وسيأتي بيان ذلك في محله من هذه السلسلة.

الحالة الثانية: الجهل بعلة امتداد الطهر:

اختلف الفقهاء فيما إذا حاضت المرأة ثم ارتفع حيضها دون علة تعرف على الأقوال التالية:

القول الأول: إن المرتابة في هذه الحالة تتربص غالب مدة الحمل، تسعة أشهر , لتتبين براءة الرحم , ولزوال الريبة ; لأن الغالب أن الحمل لا يمكث في البطن أكثر من ذلك , ثم تعتد بثلاثة أشهر , فهذه سنة تنقضي بها عدتها وتحل للأزواج، وقد روي عن عمر وابن عباس w والحسن البصري، وهو قول المالكية[45] , وقول للشافعي في القديم[46] , وهو المذهب عند الحنابلة[47]، واستدلوا على ذلك بما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال في رجل طلق امرأته فحاضت حيضة أو حيضتين فارتفع حيضها لا يدرى ما رفعه: تجلس تسعة أشهر , فإذا لم يستبن بها حمل تعتد بثلاثة أشهر , فذلك سنة , ولا يعرف له مخالف من الصحابة، قال ابن المنذر: قضى به عمر - رضي الله عنه - بين المهاجرين والأنصار , ولم ينكره منكر.

القول الثاني: أنها تصبر حتى تحيض فتعتد بالأقراء أو تيأس فتعتد بالأشهر , كما لو انقطع الدم لعلة، وهو قول الشافعية في الجديد[48]، لأن الله تعالى لم يجعل الاعتداد بالأشهر إلا للتي لم تحض والآيسة , وهذه ليست واحدة منهما ; لأنها ترجو عود الدم , فأشبهت من انقطع دمها لعارض معروف.

القول الثالث: أن تتربص خمسة أشهر، وهو قول الظاهرية قال ابن حزم ذاكرا مذهبه في المسألة: (وأما المستريبة - فإن كانت عدتها بالأقراء أو بالشهور فأتمتها إلا أنها تقدر أنها حامل وليست موقنة بذلك , ولا بأنها ليست حاملا ؟ فهذه امرأة لم توقن أنها من ذوات الأقراء قطعا, ولا توقن أنها من ذوات الشهور حتما , ولا توقن أنها من ذوات الأحمال بتلا ؟ هذه صفتها - بلا شك - نعلم ذلك حسا ومشاهدة. فإذ هي كذلك فلا بد لها من التربص حتى توقن أنها حامل فتكون عدتها وضع حملها , أو توقن أنها ليست حاملا فتتزوج إن شاءت إذا أيقنت أنها لا حمل بها ; لأنها قد تمت عدتها المتصلة بما أوجبها الله تعالى من الطلاق - إما الأقراء وإما الشهور) [49]

ثم ذكر أقصى مدة للتربص ودليلها بقوله:(وأقصى ما يكون التربص من آخر وطء وطئها زوجها خمسة أشهر , فلا سبيل إلى أن تتجاوزها إلا وهي موقنة بالحمل , أو ببطلانه ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأنه بعد أربعة أشهر ينفخ فيه الروح , وإذا نفخ فيه الروح فهو حي إذا كان حيا فلا بد له - ضرورة - من حركة) [50]

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن تتحدد المدة بثلاثة أشهر بشرط التأكد من براءة الرحم اعتبارا بعدة ذوات الأشهر، وذلك مشروط بدقة الوسائل وكونها من طبيب خبير ثقة، فإن لم تتأكد من براءة الرحم، فإن الأرجح هو اعتدادها مدة الحمل، لأن العلة من العدة في هذا هي براءة الرحم، وهي تتحقق بمرور فترة الحمل، ولا حاجة لحبس الزوجة لسن اليأس بعد اليقين بعدم الحمل.

وقد أشار ابن تيمية إلى مخالفة أصحاب القول الثاني لمقاصد الشريعة بقوله: (ومن قال: إنها تنتظر حتى تدخل في سن الآيسات، فهذا القول ضعيف جدا مع ما فيه من الضرر الذي لا تأتي الشريعة بمثله , وتمنع من النكاح وقت حاجتها إليه , ويؤذن لها فيه حين لا تحتاج إليه) [51]

أما ما ذهب إليه ابن حزم، فإن الأدلة النصية والعلمية على خلافه، لأن الروح تنفخ في الجنين قبل المدة التي ذكرها بكثير كما ذكرنا ذلك في محله.

النوع الثاني ـ العدة بالأشهر

وتتعلق بهذا النوع من أنواع العدة المسائل التالية:

أسباب وجوب العدة بالأشهر

اتفق الفقهاء على أن العدة بالأشهر تجب لسببين:

السبب الأول: بدل الحيض:

وهي ما تجب بدلا عن الحيض في المرأة المطلقة أو ما في معناها التي لم تر دما ليأس أو صغر, أو بلغت سن الحيض , أو جاوزته ولم تحض , فعدتها ثلاثة أشهر بنص القرآن الكريم , لقوله تعالى :﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾(الطلاق:4) أي فعدتهن كذلك , ولأن الأشهر هنا بدل عن الأقراء , والأصل مقدر بثلاثة فكذلك البدل، وسنتكلم عن كل حالة فيما يلي:

الحالة الأولى: الصغيرة التي لم تحض:

وقد اتفق الفقهاء على أن عدتها ثلاثة أشهر، قال ابن العربي في قوله تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾(الطلاق:4):(يعني الصغيرة , وعدتها أيضا بالأشهر ; لتعذر الأقراء فيها عادة ; والأحكام إنما أجراها الله على العادات , فهي تعتد بالأشهر , فإذا رأت الدم في زمن احتماله عند النساء انتقلت إلى الدم , لوجود الأصل. فإذا وجد الأصل لم يبق للبدل حكم , كما أن المسنة إذا اعتدت بالدم , ثم انقطع عادت إلى الأشهر)[52]

واشترط بعض المالكية في الصغيرة التي لم تحض أن تكون مطيقة للوطء، ويؤمن حملها، فإن لم تكن كذلك لا عدة عليها[53], قال ابن حزم بعد نسبة هذا القول لمالك :(ولا نعلم أحدا قال بهذا قبله)[54]، وقد رد عليه من الوجوه التالية:

· أنه تخصيص للقرآن مخالف لحكمه.

· أنه أوجب عليها عدة الوفاة - ولو أنها في المهد - وأسقط عنها عدة الطلاق - وهي موطوءة مطلقة - وهذا تناقض ظاهر الفساد.

· أنه لم يحد منتهى الصغر الذي أسقط فيه عنها عدة الطلاق من مبدأ وقت ألزمها فيه العدة.

وعقب ابن حزم على هذه الأدلة بقوله:(ويكفي من هذا كله أنه قول لا دليل على صحته، لا من قرآن , ولا سنة , ولا رواية سقيمة , ولا رواية فاسدة, ولا قياس , ولا رأي له وجه , ولا قول سلف، وما كان هكذا فهو ساقط بيقين) [55]

أقل سن الحيض:

نص أكثر الفقهاء على أن أقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين ; لأن المرجع فيه إلى الوجود الواقعي , وقد وجد من تحيض لتسع، وقد روي عن الشافعي أنه قال: (رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة) [56]، فهذه إذا أسقطت من عمرها مدة الحملين في الغالب عاما ونصفا , وقسمت الباقي بينها وبين ابنتها , كانت كل واحدة منهما قد حلمت لدون عشر سنين.

فإن رأت دما قبل ذلك , فليس بحيض ; لأنه لم يوجد مثلها متكررا , والمعتبر من ذلك ما تكرر ثلاث مرات في حال الصحة , ولم يوجد ذلك , فلا يعتد به.

وقد اختلف الفقهاء فيما لو بلغت سنا تحيض فيه النساء في الغالب , فلم تحض , كخمس عشرة سنة على قولين:

القول الأول: عدتها ثلاثة أشهر , وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهو ظاهر مذهب أحمد , وضعف أبو بكر الرواية المخالفة لهذا, ومن الأدلة على ذلك:

· قول الله تعالى: ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾(الطلاق:4) وهذه من اللائي لم يحضن.

· أن الاعتبار بحال المعتدة , لا بحال غيرها , ولهذا لو حاضت قبل بلوغ سن يحيض لمثله النساء في الغالب , مثل أن تحيض ولها عشر سنين , اعتدت بالحيض.

· أنها تخالف من ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعه ; فإنها من ذوات القروء , وهذه لم تكن منهن.

القول الثاني: أنها تعتد سنة، وقد رواه أبو طالب عن أحمد، ومن الأدلة على ذلك أنه متى أتى عليها زمان الحيض فلم تحض , صارت مرتابة , يجوز أن يكون بها حمل منع حيضها , فيجب أن تعتد بسنة , كالتي ارتفع حيضها بعد وجوده.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بشرط استبراء رحمها بأي وسيلة من وسائل الاستبراء، فإن لم تستبرئ أو لم يوثق في وسيلة الاستبراء بقيت إلى آخر مدة الحمل من باب الاحتياط لاحتمال حملها، لأن العادة أن تحمل من في مثل هذه السن.

الحالة الثانية: الآيسة من المحيض

الإياس دور من حياة المرأة , ينقطع فيه الحيض والحمل , بسبب تغيرات تطرأ على جسمها، ويرافق هذا الانقطاع اضطراب في وظائف الأعضاء , واضطرابات نفسية، وسنتحدث عن أحكام هذه الحالة وما يتعلق منها بالعدة في المسائل التالية:

سن الإياس :

اختلف الفقهاء في تحديد سن الإياس اختلافا شديدا يعسر ضبطه نحاول حصره في الأقوال التالية[57]:

القول الأول: لا يحد الإياس بمدة , بل إياسها أن تبلغ من السن ما لا يحيض مثلها فيه، فإذا بلغته, وانقطع دمها , حكم بإياسها، فما رأته بعد الانقطاع حيض , فيبطل به الاعتداد بالأشهر, ويفسد نكاحها إن كانت اعتدت بالأشهر وتزوجت , ثم رأت الدم، وهو قول بعض الحنفية، واستدل له السرخسي بقوله: (لأنه معنى في باطنها لا يوقف على حقيقته، فلا بد من اعتبار السبب الظاهر فيه , وإذا بلغت من السن ما لا يحيض فيه مثلها وهي لا ترى الدم فالظاهر أنها آيسة) [58]

القول الثاني: تحديده بسن معينة، وقد اختلف في تحديد هذه السن على الآراء التالية:

الرأي الأول: يحد بخمس وخمسين سنة، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة , قيل فيه إن عليه الاعتماد , وإن عليه أكثر المشايخ , فما رأته من الدم بعدها فليس بحيض في ظاهر المذهب, إلا إذا كان دما خالصا فحيض , حتى يبطل به الاعتداد بالأشهر , إن جاءها قبل تمام الأشهر لا بعدها , حتى لا تفسد الأنكحة , قالوا: وهو المختار للفتوى , وعليه فالنكاح إن وقع بعد انقضاء الأشهر ثم رأت الدم جائز.

الرأي الثاني: يحد بخمسين سنة , وهو قول للحنفية ورواية عن أحمد، وقول للشافعية واستدلوا على ذلك بقول عائشة رضي الله عنها: لن ترى المرأة في بطنها ولدا بعد الخمسين.

الرأي الثالث: أن الإياس له حدان: أعلى وأدنى. فأقله خمسون سنة، وهو قول المالكية وقول للحنابلة، وقد اختلفوا في أعلاه كما يلي:

مذهب المالكية: أنمن بلغت سبعين فدمها غير حيض قطعا، ومن لم تبلغ خمسين فدمها حيض قطعا. ولا يسأل النساء - أي ذوات الخبرة - فيهما. وما بين ذلك يرجع فيه للنساء ; لأنه مشكوك فيه.

مذهب الحنابلة: أعلاه عند أحمد على هذه الرواية ستون سنة , تيأس بعدها يقينا، وما بين الخمسين والستين من الدم مشكوك فيه , لا تترك له الصوم والصلاة، وتقضي الصوم المفروض احتياطا، قال ابن قدامة :(الصحيح إن شاء الله أنه متى بلغت المرأة خمسين فانقطع حيضها عن عادتها عدة مرات لغير سبب فقد صارت آيسة ; لأن وجود الحيض في حق هذه نادر , بدليل قلة وجوده) [59]

القول الثالث: أن سن اليأس يختلف باختلاف البيئة، وقد اختلف أصحاب هذا القول على الآراء التالية:

الرأي الأول: سن اليأس بالنسبة إلى كل امرأة بيأس نساء عشيرتها من الأبوين ; لتقاربهن في الطبع. فإذا بلغت السن الذي ينقطع فيه حيضهن فقد بلغت سن اليأس , وهو أحد قولي الشافعي[60].

الرأي الثاني: التفريق بين بعض الأجناس وبعض , فهو للعربيات ستون عاما , وللعجميات خمسون، وهو رواية عن أحمد، وعلل ذلك بأن العربية أقوى طبيعة، وهو رواية كذلك عند الحنفية، قال السرخسي:(وفصل في رواية بين الروميات والخراسانيات، ففي الروميات التقدير بخمسين سنة، لأن الهرم يسرع إليهن , وفي الخراسانيات التقدير بستين سنة) [61]

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول مع الرجوع في حال الشك في حصول الإياس أو عدمه إلى رأي المختصين احتياطا للحمل، وذلك إما بتحديد سن الإياس أو باستبراء الرحم بأي وسيلة من وسائل الاستبراء.

وما ذكره أصحاب القول الثالث معتبر من الناحية الواقعية لا من الناحية الشرعية، فلذلك لا يمكن الاحتكام إليه مطلقا لاحتمال تخلفه.

كيفية حساب أشهر العدة

اتفق الفقهاء على أن حساب أشهر العدة في الطلاق أو الفسخ أو الوفاة يكون بالشهور القمرية لا الشمسية , فإذا كان الطلاق أو الوفاة في أول الهلال اعتبرت الأشهر بالأهلة , ومن الأدلة على ذلك:

· قوله تعالى :﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ (البقرة:189) حتى ولو نقص عدد الأيام; لأن الله أمرنا بالعدة بالأشهر , فقال تعالى :﴿ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾(الطلاق:4)، وقال تعالى :﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾(البقرة:234)فلزم اعتبار الأشهر , سواء أكانت ثلاثين يوما أو أقل.

· ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وأشار بأصابعه العشر مرتين وهكذا في الثالثة وأشار بأصابعه كلها وحبس أو خنس إبهامه[62].

أما إن كانت الفرقة في أثناء الشهر , فإن الفقهاء قد اختلفوا في ذلك على قولين :

القول الأول: اعتبر شهران بالهلال , ويكمل المنكسر ثلاثين يوما من الشهر الرابع , ولو كان المنكسر ناقصا، وكذلك في عدة الوفاة بالأشهر , فإنها تعتد بقية الشهر المنكسر بالأيام وباقي الشهور بالأهلة , ويكمل الشهر الأول من الشهر الأخير، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة، وهو رواية عن أبي يوسف.

واستدلوا على ذلك بأن المأمور به هو الاعتداد بالشهر , والأشهر اسم الأهلة , فكان الأصل في الاعتداد هو الأهلة، كما قال الله تعالى :﴿ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ﴾، فقد جعل الهلال لمعرفة المواقيت , وإنما يعدل إلى الأيام عند تعذر اعتبار الأهلة , وقد تعذر اعتبار الهلال في الشهر الأول فعدلنا عنه إلى الأيام , ولا تعذر في بقية الأشهر فلزم اعتبارها بالأهلة.

القول الثاني: أن العدة تحتسب بالأيام , فتعتد من الطلاق وغيره تسعين يوما , ومن الوفاة مائة وثلاثين يوما، وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أبي يوسف، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أنه إذا انكسر شهر انكسر جميع الأشهر , قياسا على صوم الشهرين المتتابعين إذا ابتدأ الصوم في نصف الشهر.

· أن العدة يراعى فيها الاحتياط , فلو اعتبرناها في الأيام لزادت على الشهور ولو اعتبرناها بالأهلة لنقصت عن الأيام , فكان إيجاب الزيادة أولى احتياطا.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول لاعتبارين:

· سهولة الحساب على عامة الناس، بخلاف عد الأشهر وانكساراتها، خاصة مع جهل الكثير بالأشهر القمرية.

· الاحتياط لطول العدة لما ذكرنا من المصالح في التطويل سواء باستبراء الرحم، أو احتمال رجعة الزوج لزوجته، ولا ينبغي أن نبخس ولو يوما واحدا من العدة، فإنه كما قال:

ما بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال

بدء حساب أشهر العدة

اختلف الفقهاء في الوقت الذي يبدأ فيه عدة الأشهر على قولين:

القول الأول: أن عدة الأشهر تبدأ من الساعة التي فارقها زوجها فيها , فلو فارقها في أثناء الليل أو النهار ابتدئ حساب الشهر من حينئذ , واعتدت من ذلك الوقت إلى مثله، وهو قول الشافعية والحنابلة , واستدلوا على ذلك بما يلي:

· قوله تعالى :﴿ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ﴾(الطلاق:4)وقال تعالى :﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾(البقرة:234)فلا تجوز الزيادة عليها بغير دليل.

· أن حساب الساعات ممكن، إما يقينا وإما استظهارا , فلا وجه للزيادة على ما أوجبه الله تعالى.

القول الثاني: لا يحسب يوم الطلاق إن طلقت بعد فجره , ولا يوم الوفاة، وهو قول المالكية، قال الحطاب: (يلغى يوم الوفاة كما يلغى يوم الطلاق على القول الذي رجع إليه مالك بعد أن كان يقول تعتد لمثل ساعة الوفاة , وألغى يوم الطلاق كلام ابن رشد في ذلك , وأنه إن ألغى يوم الطلاق , والوفاة فالإجماع على أن ابتداء العدة من ساعة الطلاق , والوفاة , ويجب عليها من حينئذ الإحداد في الوفاة) [63]

القول الثالث: اعتبار الليالي، وهو قول الظاهرية، قال ابن حزم:(فإن ابتدأت بالعدة من أول ليلة من الشهر مشت: أربعة أهلة وعشر ليال من الهلال الخامس , فإذا طلع الفجر من اليوم العاشر: فقد تمت عدتها وحلت للأزواج.. وإن بدأت بالعدة قبل ذلك أو بعده , فعدتها مائة ليلة وست وعشرون ليلة بما بينها من الأيام فقط) [64]، واستدل على ذلك بقوله تعالى :﴿ وعشرا ﴾فهو لفظ تأنيث , فهو لليالي , ولو أراد الأيام لقال: وعشرة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة من باب الاحتياط للعدة وإعمالا لظاهر النص القرآني إكمال المدة بأيامها ولياليها وساعاتها ودقائقها، لأن نقصان أي جزء من هذه الأجزاء يخل بالأشهر المنصوص عليها في القرآن الكريم.

العشر المعتبرة في عدة الوفاة بالأشهر:

اختلف الفقهاء في العشر المعتبرة في عدة الوفاة بالأشهر على قولين:

القول الأول: أن العشر المعتبرة في عدة الوفاة هي عشر ليال بأيامها فتجب عشرة أيام مع الليل، وهو قول جمهور الفقهاء، واستدلوا على ذلك بالدلالة اللغوية في قوله تعالى :﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا﴾(البقرة: من الآية234) والعرب تغلب صيغة التأنيث في العدد خاصة على المذكر فتطلق لفظ الليالي وتريد الليالي بأيامها كقوله تعالى لسيدنا زكريا u:﴿ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ﴾(آل عمران:41) يريد بأيامها، لأن الله تعالى قال في آية أخرى:﴿ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾(مريم:10) يريد بلياليها ولو نذر اعتكاف العشر الأخير من رمضان لزمه الليالي والأيام.

القول الثاني: تعتد بأربعة أشهر وعشر ليال وتسعة أيام، وهو قول الأوزاعي والأصم، وعلى ذلك فلو تزوجت في اليوم العاشر جاز، واستدلوا على ذلك بأن العشر تستعمل في الليالي دون الأيام , وإنما دخلت الأيام اللاتي في أثناء الليالي تبعا, أخذا من تذكير العدد (العشر) في الكتاب والسنة , لقوله - صلى الله عليه وسلم - :(لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) [65]، فيجب كون المعدود الليالي وإلا لأنثه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذهب إليه الجمهور أخذا بالأحوط في العدة من جهة، وبظاهر النص القرآني من جهة أخرى، ولا ينبغي أن يستهان بمثل هذا، فالحكمة في التحديد غيب، والذي قدرها هو الذي قدر كل شيء بميزان، وميزان الكون محكوم بالثواني وأجزاء الثواني، فلا ينبغي أن يتخلف التقدير التشريعي عن التقدير الكوني.

النوع الثالث: العدة بوضع الحمل

اتفق الفقهاء على أن الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل , سواء أكانت عن طلاق أم وطء شبهة لقوله تعالى :﴿ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾(الطلاق:4)، ولأن القصد من العدة براءة الرحم , وهي تحصل بوضع الحمل، وقد نص الفقهاء على شروط الحمل الذي تنقضي العدة بوضعه، وهي على اختلاف بين العلماء في اعتبارها أو اعتبار بعض تفاصيلها:

الشرط الأول: تبين خلقة الجنين

اختلف الفقهاء في اعتبار هذا الشرط على قولين:

القول الأول: أن الحمل الذي تنقضي العدة بوضعه هو ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان ولو كان ميتا أو مضغة تصورت , ولو صورة خفية تثبت بشهادة الثقات من القوابل[66]، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة، قال الشافعي: (أقل ما تخلو به المعتدة من الطلاق والوفاة من وضع الحمل أن تضع سقطا قد بان له من خلق بني آدم شيء عين أو ظفر أو أصبع أو رأس أو يد أو رجل أو بدن أو ما إذا رئي علم من رآه أنه لا يكون إلا خلق آدمي لا يكون دما في بطن ولا حشوة ولا شيئا لا يبين خلقه، فإذا وضعت ما هو هكذا حلت به من عدة الطلاق والوفاة) [67]، ومن الأدلة على ذلك[68]:

· أن ما لم يظهر فيه شيء من خلق الإنسان، فليس بحمل وأن العدة لا تنقضي به ; إذ ليس هو بولد , كما أن العلقة والنطفة لما لم تكونا ولدا لم تنقض بهما العدة.

· حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - :(إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله ثم يكتب شقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح) [69] فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه يكون أربعين يوما نطفة وأربعين يوما علقة وأربعين يوما مضغة , ومعلوم أنها لو ألقته علقة لم يعتد به ولم تنقض به العدة وإن كانت العلقة مستحيلة من النطفة ; إذ لم تكن له صورة الإنسانية , وكذلك المضغة إذا لم تكن لها صورة الإنسانية فلا اعتبار بها وهي بمنزلة العلقة والنطفة.

· أن المعنى الذي به يتبين الإنسان من الحمار وسائر الحيوان وجوده على هذا الضرب من البنية والشكل والتصوير , فمتى لم يكن للسقط شيء من صورة الإنسان فليس ذلك بولد وهو بمنزلة العلقة والنطفة سواء فلا تنقضي به العدة لعدم كونه ولدا.

· أنه يجوز أن يكون ما أسقطته مما لا تتبين له صورة الإنسان دما مجتمعا أو داء أو مدة، فغير جائز أن نجعله ولدا تنقضي به العدة , وأكثر أحواله احتماله لأن يكون مما كان يجوز أن يكون ولدا ويجوز أن لا يكون ولدا. فلا نجعلها منقضية العدة به بالشك.

· أن العلقة قد يجوز أن يكون منها ولد وكذلك النطفة وقد تشتمل الرحم عليهما وتضمهما, وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن :(النطفة تمكث أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة) [70] ومع ذلك لم يعتبر أحد العلقة في انقضاء العدة.

· قوله تعالى: ﴿ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾(الطلاق:4) فالله تعالىلم يخبر أن العلقة والمضغة ولد ولا حمل، وإنما ذكر أنه خلقنا من المضغة والعلقة كما أخبر أنه خلقنا من النطفة ومن التراب، ومعلوم أنه حين أخبرنا أنه خلقنا من المضغة والعلقة فقد اقتضى ذلك أن لا يكون الولد نطفة ولا علقة ولا مضغة ; لأنه لو كانت العلقة والمضغة والنطفة ولدا لما كان الولد مخلوقا منها ; إذ ما قد حصل ولدا لا يجوز أن يقال قد خلق منه ولد وهو نفسه ذلك الولد, فثبت بذلك أن المضغة التي لم يستبن فيها خلق الإنسان ليس بولد.

وقد اختلف أصحاب هذا القول فيما لو كانت مضغة لم تتصور لكن شهدت الثقات من القوابل أنها مبدأ خلقة آدمي لو بقيت لتصورت على رأيين:

الرأي الأول: تنقضي بها العدة، وهو رأي الشافعية في المذهب ورواية عند الحنابلة لحصول براءة الرحم به.

الرأي الثاني: عدم انقضاء العدة في هذه الحالة بالوضع لأن الحمل اسم لنطفة متغيرة , فإذا كان مضغة أو علقة لم تتغير ولم تتصور فلا يعرف كونها متغيرة إلا باستبانة بعض الخلق، وهو قول الحنفية وقول للشافعية ورواية للحنابلة.

القول الثاني: أنه إن كان الحمل دما اجتمع تنقضي به العدة , وهو قول المالكية، ففي المدونة: (قلت: أرأيت إن أسقطت سقطا لم يتبين بشيء من خلقه , أسقطته علقة أو مضغة أو عظما أو دما أتنقضي به العدة أم لا في قول مالك ؟ قال: قال مالك: ما أتت به النساء من مضغة أو علقة أو شيء يستيقن أنه ولد فإنه تنقضي به العدة وتكون به الأمة أم ولد) [71]

وهو قول الظاهرية، قال ابن حزم: (إن أسقطت الحامل المطلقة , أو المتوفى عنها زوجها ; أو المعتقة المتخيرة فراق زوجها حلت، وحد ذلك أن تسقطه علقة فصاعدا , وأما إن أسقطت نطفة دون العلقة فليس بشيء , لا تنقضي بذلك عدة) [72]

وهو قول الإمامية، فقد نصوا على أن (الحامل وهي تعتد في الطلاق بوضعه , ولو بعد الطلاق بلا فصل , سواء كان تاما أو غير تام، ولو كان علقة , بعد أن يتحقق أنه حمل , ولا عبرة بما يشك فيه) [73]

ومن الأدلة على ذلك:

· حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - السابق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة) [74]

· قوله - صلى الله عليه وسلم - :(إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى ؟) قال ابن حزم مبينا وجه استدلاله من الحديث: (معناه خلق الجملة التي تنقسم بعد ذلك سمعا وبصرا وجلدا ولحما وعظاما - فصح أن أول خلق المولود كونه علقة لا كونه نطفة , وهي الماء) [75]

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني بشرط اليقين بأن السقط علقة، أما إن كان مجرد دم، فقد يكون دم علة ،وليس سقطا، ولعل هذا الاشتباه بدم العلة هو ما دفع أصحاب القول الأول لما ذهبوا إليه، فلذلك إن اشتبه الأمر عرض على أهل الاختصاص، فإن لم يوجدوا بني على اليقين، وهو في هذه الحالة استمرار الحمل، ولو بمضي مدة الحمل، خشية اختلاط الأنساب إن تزوجت، أو الشك في النسب إن لم تتزوج.

الشرط الثاني: إمكان نسبة الحمل لصاحب العدة

ويتعلق بهذا الشرط المسائل التالية:

عدة زوجة الصغير أو من في حكمه :

اتفق الفقهاء على أن عدة زوجة الصغير المتوفى عنها هي أربعة أشهر وعشر, كعدة زوجة الكبير سواء بسواء إذا لم تكن حاملا، واختلفوا فيما لو مات عن امرأته وهي حامل على قولين:

القول الأول: أنها لا تنتهي بوضع الحمل، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة في قول وأبي يوسف، قال الشافعي: (وإذا مات الصبي الذي لا يجامع مثله عن امرأته دخل بها أو لم يدخل بها حتى مات فعدتها أربعة أشهر وعشر، لأن الحمل ليس منه ولا يلحق به إذا أحاط العلم أن مثله لا ينزل بعد موته ولا في حياته , وإن وضعت الحمل قبل أربعة أشهر وعشر أكملت أربعة أشهر وعشرا، وإن مضت الأربعة الأشهر والعشر قبل وضع الحمل حلت منه، وتحد في الأربعة الأشهر والعشر ولا تحد بعدها) [76]، ومن الأدلة على ذلك[77]:

· أن اعتبار وضع الحمل في العدة لحرمة الماء وصيانته ولا حرمة لماء الزاني.

· أنا نتيقن بفراغ رحمها من ماء الزوج عند موته فعليها العدة بالشهور حقا لنكاحه كما لو لم يكن بها حبل.

· أن هذا الحمل ليس منه بيقين , بدليل أنه لا يثبت نسبه إليه , فلا تنقضي به العدة , كالحمل من الزنا أو الحادث بعد موته , والحمل الذي تنقضي العدة بوضعه هو الذي ينسب إلى صاحب العدة ولو احتمالا.

القول الثاني: أن عدة زوجة الصغير الذي مات وهي حامل تكون بوضع الحمل، وهو قول أبي حنيفة ومحمد , وأحمد في رواية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· عموم قوله تعالى :﴿ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ (الطلاق:4)، وقد اعتبر الحنفية هذا النص مقدما على القياس، الذي أخذ به أصحاب القول الأول، فقد ذكر محمد بن الحسن أن القياس أن تكون عدتها أربعة أشهر وعشرا , لأن الحمل من غير الزوج , إلا أنه ترك القياس, واستحسن أن يجعل عدتها وضع الحمل للآية، قال أبو بكر :(فسمى ترك القياس للعموم استحسانا) [78]

· أن وجوب العدة للعلم بحصول فراغ الرحم , والولادة دليل فراغ الرحم بيقين , والشهر لا يدل على الفراغ بيقين , فكان إيجاب ما دل على الفراغ بيقين أولى , إلا إذا ظهر الحمل بعد موته لم تعتد به , بل تعتد بأربعة أشهر وعشر.

· أن الحمل إذا لم يكن موجودا وقت الموت وجبت العدة بالأشهر , فلا تتغير بالحمل الحادث , وإذا كان موجودا وقت الموت وجبت عدة الحبل , فكان انقضاؤها بوضع الحمل , ولا يثبت نسب الولد في الوجهين جميعا ; لأن الولد لا يحصل عادة إلا من الماء , والصبي لا ماء له حقيقة , ويستحيل وجوده عادة فيستحيل تقديره.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بناء على عموم الأدلة، ولحاجة الحامل لرعاية ولدها، وذلك قد يستدعي التعجيل بزواجها قبل انقضاء المدة المحددة للعدة، وقد سبق بيان العلة في ذلك.

عدة زوجة المجبوب والخصي والممسوح :

اختلف الفقهاء في عدة زوجة المجبوب والخصي والممسوح على الأقوال التالية[79]:

القول الأول: أن زوجة المجبوب كزوجة الصبي , لا عدة عليها من طلاقه , كالمطلقة قبل الدخول , ولو طلقت زوجته أو مات عنها وهي حامل فلا تنقضي عدتها بوضع الحمل , لا من موت ولا طلاق , بل لا بد من ثلاثة أقراء في الطلاق , ويعد نفاسها حيضة , وعليها في الوفاة أقصى الأجلين , وهو المتأخر من الوضع أو تمام الأربعة أشهر وعشر، وهو قول المالكية[80].

القول الثاني: أنها تعتد، وهو قول الشافعية والحنفية والحنابلة، وقد اختلفوا على الآراء التالية:

الرأي الأول :أن المجبوب أو الخصي كالعنين في وجوب العدة على الزوجة عند الفرقة بناء على طلبها، وهو قول الحنفية، ونصوا على أن الخصي كالصحيح في وجوب العدة على زوجته عند الفرقة , وكذلك المجبوب بشرط الإنزال.

الرأي الثاني: تعتد المرأة من وطء خصي لا مقطوع الذكر ولو دون الأنثيين لعدم الدخول, لكن إن بانت حاملا لحقه الولد , لإمكانه إن لم يكن ممسوحا , واعتدت بوضعه وإن نفاه , بخلاف الممسوح , لأن الولد لا يلحقه على المذهب , ولا تجب العدة من طلاقه، وهو قول الشافعية[81].

الرأي الثالث: أنه إذا طلق الخصي المجبوب امرأته أو مات عنها فأتت بولد لم يلحقه نسبه[82], ولم تنقض عدتها بوضعه وتستأنف بعد الوضع عدة الطلاق: ثلاثة قروء , أو عدة الوفاة: أربعة أشهر وعشرا , وهو قول الحنابلة[83].

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو قول الجمهور بناء على أن العلة في العدة ليست استبراء الرحم فقط، ولو كانت العلة هي استبراء الرحم وحدها لاكتفي فيها بالاستبراء بحيضة، ولكنها تشمل أيضا ما ذكرنا من إعطاء فرصة طويلة للرجعة، وهو من مقاصد الشريعة في لم الأسرة ولو في آخر اللحظات.

الشرط الثالث: انفصال جميع الولد

اتفق الفقهاء على أن عدة الحامل تنقضي بانفصال جميع الولد إذا كان الحمل واحدا لقوله تعالى:﴿ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾(الطلاق:4)

واختلفوا هنا في مسألتين هما:

خروج أكثر الولد:

اختلف الفقهاء فيما لو خرج أكثر الولد هل تنقضي العدة أم لا، على قولين:

القول الأول: أنه إذا خرج أكثر الولد لم تنقض العدة , ولذلك يجوز مراجعتها ولا تحل للأزواج إلا بانفصاله كله عن أمه، وهو قول الحنفية في ظاهر الرواية[84] والشافعية والحنابلة والمالكية في المعتمد عندهم، وهو قول ابن حزم، فقد قال: (فإن بقي من المشيمة ولو شيء - فهي في العدة بعد ; لأنها من حملها المتولد مع الولد سواء سواء) [85]

القول الثاني: إنها تحل بوضع ثلثي الحمل بناء على تبعية الأقل للأكثر، وهو قول ابن وهب من المالكية[86].

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، لأن الوضع لا يطلق إلا على الوضع الكامل، وقد رد ابن حزم على أصحاب القول الثاني وخاصة قول أبي يوسف، ولا بأس من ذكره هنا مع ما فيه من حدة: (فليعجب سامع هذا من هذا الاختلاط ؟ أتراه البائس كان من الغرارة بحيث لا يدري أنه متى خرج رأس المولود ومنكباه فإنه في أسرع من كر الطرف يسقط كله , فمتى يتفرغ لتكسير صلب المولود ومساحته ؟ حتى يعلم أخرج نصفه أم أقل أم أكثر) [87]

كون الحمل توأما:

اختلف الفقهاء فما لو كان الحمل اثنين فأكثر على قولين:

القول الأول: أن الحمل إذا كان اثنين فأكثر لم تنقض العدة إلا بوضع الآخر، ومثله ما لو وضعت ولدا وشكت في وجود ثان لم تنقض عدتها حتى تزول الريبة وتتيقن أنها لم يبق معها حمل لأن الأصل بقاؤه فلا يزول بالشك , وعلى هذا القول فلو وضعت أحدهما وكانت رجعية فلزوجها الرجعة قبل أن تضع الثاني أو الآخر لبقاء العدة , وإنما يكونان توأمين إذا وضعتهما معا أو كان بينهما دون ستة أشهر , فإن كان بينهما ستة أشهر فصاعدا فالثاني حمل آخر ،وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة , واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أن الحمل اسم لجميع ما في الرحم.

· أن العدة شرعت لمعرفة البراءة من الحمل , فإذا علم وجود الولد الثاني أو الثالث فقد تيقن وجود الموجب للعدة وانتفت البراءة الموجبة لانقضائها.

· أنها لو انقضت عدتها بوضع الأول لأبيح لها النكاح كما لو وضعت الآخر.

القول الثاني: أن العدة تنقضي بوضع الأول، ولكن لا تتزوج حتى تضع الولد الآخر , وهو قول عكرمة وأبي قلابة والحسن البصري، وعلى هذا القول لا يجوز مراجعتها بعد وضع الولد الأول لعدم بقاء العدة إلا أنها لا تحل للأزواج إلا بعد أن تضع الأخير من التوائم، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى :﴿ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾(الطلاق:4) ولم يقل أحمالهن فإذا وضعت أحدهما فقد وضعت حملها.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو قول الجمهور حرصا على رعاية المقاصد الشرعية من تطويل العدة، وإن كانت المسألة بحسب الصورة التي ذكرها الفقهاء قد تكون أقرب إلى الاستحالة منها إلى الوقوع، وهي تحتاج إلى كلام المختصين في هذا المجال.

محل حل الزواج للحامل:

اختلف الفقهاء في الوقت الذي يحل فيه للحامل الزواج على قولين :

القول الأول: إنه يجوز لها أن تتزوج بعد وضع الحمل حتى وإن كانت في دمها، وهو قول الجمهور، واستدلوا على ذلك بأن العدة تنقضي بوضع الحمل كله فتحل للأزواج إلا أن زوجها لا يقربها حتى تطهر لقوله تعالى:﴿ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ﴾(البقرة:222).

القول الثاني: أنه لا تنكح النفساء ما دامت في دم نفاسها، وهو قول الحسن والشعبي والنخعي وحماد ،لما ورد في الحديث (فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب) [88]، ومعنى تعلت يعني طهرت.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على انتهاء عدتها، أما حل قربها ومعاشرتها، فلا علاقة له بزواجها، فقد تتزوج المرأة، وهي حائض، وهذا من مقاصد الشريعة في تيسير الزواج بعد انتهاء العدة مباشرة، ولا سبب للتضييق على الناس بغير داعية لذلك.

ارتياب المعتدة في وجود حمل :

وذلك مثل أن ترى المرأة أمارات الحمل وهي في عدة الأقراء أو الأشهر من حركة أو نفخة ونحوهما وتشك هل هو حمل أم لا، وقد اتفق الفقهاء على أنها تتربص إلى أقصى مدة الحمل، على اختلاف المذاهب في ذلك، كما ذكرناه سابقا.

ومثل ذلك ما لو حدثت الريبة بعد انقضاء العدة، فقد نص الفقهاء على أنه إن ظهرت الريبة بعد قضاء العدة وقبل النكاح فإنه لا يحل لها أن تتزوج , وإن تزوجت فالنكاح باطل[89] , واستدلوا على ذلك بما يلي:

· الريبة للاحتياط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).

· أن العدة قد لزمتها بيقين فلا تخرج عنها إلا بيقين , فإن نكحت فالنكاح باطل للتردد في انقضائها والاحتياط في الأبضاع.

· أن الشك في المعقود عليه يبطل العقد.

أما إن ارتابت بعد عدتها وزواجها فقد اختلف الفقهاء في حكم زواجها على الأقوال التالية:

القول الأول: الزواج صحيح، وهو قول الحنابلة، لأنه وجد بعد قضاء عدتها في الظاهر والحمل مع الريبة مشكوك فيه ولا يزول به ما حكم بصحته لكن لا يحل لزوجها وطؤها للشك في صحة النكاح , لأنه لا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره , ثم ننظر فإن وضعت الولد لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني ووطئها فنكاحه باطل لأنه نكحها وهي حامل , وإن أتت به لأكثر من ذلك فالولد لاحق به ونكاحه صحيح.

القول الثاني: أنه لو تزوجت المرتابة بالحمل قبل تمام الخمس سنين بأربعة أشهر فولدت لخمسة أشهر من نكاح الثاني لم يلحق الولد بواحد منهما , ويفسخ نكاح الثاني لأنه نكح حاملا , أما عدم لحوقه بالأول فلزيادته على الخمس سنين بشهر , وأما الثاني فلولادته لأقل من ستة أشهر، وهو مذهب المالكية.

القول الثالث: إن ارتابت بعد العدة ونكاح الآخر استمر نكاحها إلى أن تلد لدون ستة أشهر من وقت عقده فإنه يحكم ببطلان عقد النكاح لتحقق كونها حاملا يوم العقد والولد للأول إن أمكن كونه منه , بخلاف ما لو ولدته لستة أشهر فأكثر فالولد للثاني، وهو مذهب الشافعية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن التزام المرأة بالعدة بالطريقة التي وصفها الشرع يمنع من حدوث ما ذكره الفقهاء في هذه المسألة، ومع ذلك، فإنه لو حدث ما ذكروه صح الزواج، لعدم وجود ما يفسده، فإن ولدت بعد معاشرة الثاني، وشك في نسبة الولد، فإنه يرجع في ذلك إلى أهل الاختصاص.

أما ما ذكره المالكية من أنه لو تزوجت المرتابة بالحمل قبل تمام الخمس سنين بأربعة أشهر فولدت لخمسة أشهر من نكاح الثاني لم يلحق الولد بواحد منهما , ويفسخ نكاح الثاني، فلا يصح من الناحية الواقعية لاستحالة استمرار حمل المرأة كل هذه المدة، أما نسبة الولد، فيمكن البحث فيها مع أهل الاختصاص.

3 ـ تحول العدة أو انتقالها

وهو أن تنتقل العدة من نوع إلى نوع آخر، ولا يخلو ذلك من الحالات التالية:

الحالة الأولى: انتقال العدة أو تحولها من الأشهر إلى الأقراء:

وذلك مثل الصغيرة التي لم تحض , والآيسة من المحيض، وقد اتفق الفقهاء على أن الصغيرة أو البالغة التي لم تحض إذا اعتدت بالأشهر فحاضت قبل انقضاء عدتها ولو بساعة لزمها استئناف العدة , فتنتقل عدتها من الأشهر إلى الأقراء , لأن الأشهر بدل عن الأقراء فإذا وجد المبدل بطل حكم البدل كالتيمم مع الماء.

أما إن انقضت عدتها بالأشهر ثم حاضت بعدها ولو بلحظة لم يلزمها استئناف العدة لأنه معنى حدث بعد انقضاء العدة , كالتي حاضت بعد انقضائها بزمن طويل , ولا يمكن منع هذا الأصل ; لأنه لو صح منعه لم يحصل لمن لم تحض الاعتداد بالأشهر بحال.

وقد اختلف الفقهاء في الآيسة إذا اعتدت ببعض الأشهر , ثم رأت الدم , على قولين:

القول الأول: تتحول عدتها إلى الأقراء، وهو قول الشافعية[90] والحنفية في ظاهر الرواية، واستدلوا على ذلك بأنها لما رأت الدم دل على أنها لم تكن آيسة وأنها أخطأت في الظن فلا يعتد بالأشهر في حقها لأنها بدل فلا يعتبر مع وجود الأصل.

وهو قريب من قول المالكية القائلين بأن الآيسة إذا رأت الدم بعد الخمسين وقبل السبعين , والحنابلة القائلين بعد الخمسين وقبل الستين , فإنه يكون دما مشكوكا فيه يرجع فيه إلى النساء لمعرفة هل هو حيض أم لا ؟ إلا أن الحنابلة صرحوا بأن المرأة إذا رأت الدم بعد الخمسين على العادة التي كانت تراه فيها فهو حيض في الصحيح ; لأن دليل الحيض الوجود في زمن الإمكان , وهذا يمكن وجود الحيض فيه وإن كان نادرا , وإن رأته بعد الستين فقد تيقن أنه ليس بحيض, فعند ذلك لا تعتد به , وتعتد بالأشهر , كالتي لا ترى دما.

القول الثاني: أنه إذا بلغت سن الإياس ثم رأت بعده الدم لم يكن ذلك الدم حيضا كالدم الذي تراه الصغيرة التي لا يحيض مثلها , إلا إذا كان دما خالصا فحيض حتى يبطل به الاعتداد بالأشهر, وهو قول الحنفية على الرواية التي وقتوا للإياس فيها وقتا.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو النظر إلى ما يقوله أهل الاختصاص من الأطباء في ذلك لاحتمال أن يكون بسبب مرض ونحوه، وهو الظاهر خاصة مع الكبر في السن على ما ذكرناه في تحديد سن الإياس، فإن السن الذي ذكره الفقهاء يحيل في العادة حصول الحيض.

الحالة الثانية: انتقال العدة من الأقراء إلى الأشهر :

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن العدة تنتقل من الأقراء إلى الأشهر في حق من حاضت حيضة أو حيضتين ثم يئست من المحيض فتستقبل العدة بالأشهر، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· قوله تعالى:﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾(الطلاق:4)

· أن الأشهر بدل عن الحيض، فلو لم تستقبل وثبتت على الأول لصار الشيء الواحد أصلا وبدلا وهذا لا يجوز.

· أن العدة لا تلفق من جنسين وقد تعذر إتمامها بالحيض فوجبت بالأشهر.

الحالة الثالثة: تحول المعتدة من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة:

اتفق الفقهاء على أنه إذا طلق الرجل زوجته طلاقا رجعيا , ثم توفي وهي في العدة , سقطت عنها عدة الطلاق , واستأنفت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا من وقت الوفاة، قال ابن المنذر: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك)[91]

واستدلوا على ذلك بأن المطلقة الرجعية زوجة ما دامت في العدة يلحقها طلاقه وينالها ميراثه , فاعتدت للوفاة كغير المطلقة، لقوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾(البقرة:234)

واتفقوا على أنه إذا طلق الرجل زوجته طلاقا بائنا في حال صحته , أو بناء على طلبها , ثم توفي وهي في العدة , فإنها تكمل عدة الطلاق ولا تنتقل إلى عدة الوفاة , لانقطاع الزوجية بينهما من وقت الطلاق بالإبانة , فلا توارث بينهما لعدم وجود سببه , فتعذر إيجاب عدة الوفاة فبقيت عدة الطلاق على حالها.

واختلفوا فيما لو طلق زوجته طلاقا بائنا في مرض موته دون طلب منها , ثم توفي وهي في العدة، على قولين:

القول الأول: أنها تعتد بأبعد الأجلين - من عدة الطلاق وعدة الوفاة - احتياطا , لشبهة قيام الزوجية لأنها ترثه , فلو فرضنا بأنها حاضت قبل الموت حيضتين , ولم تحض الثالثة بعد الموت حتى انتهت عدة الوفاة , فإنها تكمل عدة الطلاق , بخلاف ما لو حاضت الثالثة بعد الوفاة وقبل انتهاء عدة الوفاة فإنها تكمل هذه العدة، وهو قول أبي حنيفة وأحمد والثوري ومحمد بن الحسن.

واستدلوا على ذلك بأن النكاح لما بقي في حق الإرث خاصة لتهمة الفرار فلأن يبقى في حق وجوب العدة أولى , لأن العدة يحتاط في إيجابها فكان قيام النكاح من وجه كافيا لوجوب العدة احتياطا فيجب عليها الاعتداد أربعة أشهر وعشرا فيها ثلاث حيض.

القول الثاني: أن المعتدة تبني على عدة الطلاق لانقطاع الزوجية من كل وجه، وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وأبي يوسف وابن المنذر، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أنها بائن من النكاح فلا تكون منكوحة.

· أن الإرث الذي ثبت معاملة بنقيض القصد لا يقتضي بقاء زوجية موجبة للأسف والحزن والحداد على المتوفى.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو وجوب عدة الوفاة عليها، لأن إرثها منه بسبب ثبوت زوجيتها له، مع كونه أبانها، ولكن الشرع لم يقر تلك الإبانة بالنسبة لحقها في إرثه، وهو دليل على اعتبارها زوجة له.

الحالة الرابعة: تحول العدة من القروء أو الأشهر إلى وضع الحمل:

اتفق الفقهاء على أنه لو ظهر في أثناء العدة بالقروء أو الأشهر أو بعدها أن المرأة حامل من الزوج , فإن العدة تتحول إلى وضع الحمل , ويسقط حكم ما مضى من القروء أو الأشهر , وتبين أن ما رأته من الدم لم يكن حيضا , لأن الحامل لا تحيض، ولأن وضع الحمل أقوى دلالة على براءة الرحم من آثار الزوجية التي انقضت , ولقوله تعالى :﴿ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾(الطلاق:4)

وقد اختلفوا في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا على قولين[92]:

القول الأول: أن عدتها تنقضي بوضع الحمل , قلت المدة أو كثرت , حتى ولو وضعت بعد ساعة من وفاة زوجها، وهو قول جمهور الفقهاء[93]، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· عموم قوله تعالى :﴿ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ (الطلاق:4)،فقد جاءت عامة في المطلقات ومن في حكمهن والمتوفى عنها زوجها وكانت حاملا، والآية مخصصة لعموم قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾(البقرة:234)

· ما روي عن المسور بن مخرمة أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال , فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت[94]، وقيل: إنها وضعت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة.

· ما روي عن عمر وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأبي هريرة - رضي الله عنهم - أنهم قالوا في المتوفى عنها زوجها: إذا ولدت وزوجها على سريره جاز لها أن تتزوج [95].

· أن المقصود من العدة من ذوات الأقراء العلم ببراءة الرحم , ووضع الحمل في الدلالة على البراءة فوق مضي المدة , فكان انقضاء العدة به أولى من الانقضاء بالمدة.

القول الثاني: أن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين، وضع الحمل أو مضي أربعة أشهر وعشر , أيهما كان أخيرا تنقضي به العدة، وهو قول علي وابن عباس - في إحدى الروايتين عنه - w وابن أبي ليلى وسحنون، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ (البقرة:234) فالآية الكريمة فيها عموم وخصوص من وجه ; لأنها عامة تشمل المتوفى عنها زوجها حاملا كانت أو حائلا وخاصة في المدة ﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾(البقرة:234)وقوله تعالى ﴿ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾(الطلاق:4) فيها عموم وخصوص أيضا, لأنها تشمل المتوفى عنها وغيرها وخاصة في وضع الحمل.

· أن الجمع بين الآيتين والعمل بهما أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول ; لأنها إذا اعتدت بأقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين , وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة , فإعمال النصين معا خير من إهمال أحدهما.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو الأخذ بالقول الأول، بل لا مجال لنا للاختيار مع ورود الحديث بذلك، والظن بمن روي عنهم ذلك هو عدم بلوغ الحديث، قال ابن عبد البر: (على أنه قد روي عن ابن عباس رجوعه إلى حديث أم سلمة في قصة سبيعة، ومما يصحح هذا عنه أن أصحابه عكرمة وعطاء وطاوس وغيرهم على القول بأن المتوفي عنها الحامل عدتها أن تضع حملها على حديث سبيعة ،وكذلك سائر العلماء من الصحابة والتابعين وسائر أهل العلم أجمعين كلهم يقول كعدة الحامل المتوفي عنها أن تضع ما من أجل حديث سبيعة هذا) [96]

أما ما نص عليه أصحاب القول الثاني فلا ينبغي أن يستنكر، بل هو الراجح لولا ورود الحديث، قال ابن عبد البر: (فمن لم يبلغه حديث سبيعة لزمه الأخذ باليقين في عدة المتوفى عنها الحامل، ولا يقين في ذلك لمن جهل السنة في سبيعة إلا الاعتداد بآخر الأجلين) [97]

ولعل الحكمة في تخصيص الحامل بهذا هو أن حالتها النفسية بعد الوضع تستدعي أن لا يحكم لها بأحكام المعتدة، زيادة على التيقن من براءة رحمها، ولعلها تحتاج للسعي لولدها، أو للزواج من جديد رعاية لولدها، فمسؤولية ولدها عليها تغلبت على حق زوجها، فأنقصت عدتها زيادة على مراعاة حالتها النفسية بعد الوضع، والتي تستدعي عدم التضييق عليها.

4 ـ تداخل العدد

وهو أن تبتدئ المرأة المعتدة عدة جديدة وتندرج بقية العدة الأولى في العدة الثانية , والعدتان إما أن تكونا من جنس واحد فقط أو من جنسين مختلفين , لشخص واحد أو شخصين , ولذلك فإن الفقهاء اختلفوا في جواز التداخل وعدمه وفقا لكل حالة كما يلي[98]:

الحالة الأولى: لزوم عدتين من جنس واحد, ولرجل واحد:

ومثالها: ما لو طلق الرجل زوجته ثلاثا , ثم تزوجها في العدة ووطئها , وقال: ظنت أنها تحل لي , أو طلقها بألفاظ الكناية فوطئها في العدة فإن العدتين تتداخلان , فتعتد بثلاثة أقراء ابتداء من الوطء الواقع في العدة , ويندرج ما بقي من العدة الأولى في العدة الثانية، وقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: إنهما تتداخلان لاتحادهما في الجنس والقصد، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة، فتعتد بثلاثة قروء , أو ثلاثة أشهر من وقت الوطء ويندرج فيها بقية عدة الطلاق , وقدر تلك البقية يكون مشتركا واقعا عن الجهتين , وله الرجعة في قدر البقية إن كان الطلاق رجعيا , ولا رجعة بعدها , ويجوز تجديد النكاح في تلك البقية وبعدها إذا لم يكن عدد الطلاق مستوفى.

واستدلوا على ذلك بأنه طلاق في نكاح قبل المسيس , فلم يوجب عدة , لعموم قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾(الأحزاب:49)

القول الثاني: إن طلقها طلاقا رجعيا , ثم ارتجعها في العدة , ثم طلقها , استأنفت العدة من الطلاق الثاني , سواء أكان قد وطئها أم لا، وهو قول المالكية, ورواية عن الحنابلة، ومذهب الظاهرية، قال ابن حزم: (إن أتبعها في عدتها قبل انقضائها طلاقا بائنا , ولم تكن عدتها تلك من طلاق ثلاث مجموعة ولا من طلقة ثالثة فعليها أن تبتدئ العدة من أولها فإن طلقها بعد ثنتين ثالثة فتبتدئ العدة أيضا ولا بد - وكذلك لو راجعها في عدتها فوطئها أو لم يطأها ثم طلقها فإنها تبتدئ العدة ولا بد) [99]، وقد حكاه عن بعض السلف، واستدلوا على ذلك بأن الرجعة تهدم العدة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بناء على أن القصد من العلة ليس استبراء الرحم فقط، وإنما إعطاء فرصة للزوجين للتراجع عن الطلاق، ولو صح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول لاكتفي باستبراء المطلقة عن تكليفها بالعدة، ولم يقل بذلك أحد من الفقهاء.

الحالة الثانية: كون العدتين من جنسين لشخص واحد:

وذلك بأن كانت إحداهما بالحمل والأخرى بالأقراء، سواء طلقها حاملا ثم وطئها , أو حائلا ثم أحبلها , وقد اختلف الفقهاء في هذه الحالة على قولين:

القول الأول: تتداخل العدتان , لأنهما لرجل واحد , كما لو كانتا من جنس واحد، وهو قول الحنفية , وهو الأصح عند الشافعية , ورواية للحنابلة، ويترتب على القول هنا بالتداخل أن العدتين تنقضيان بالوضع , وللزوج الرجعة في الطلاق الرجعي إلى أن تضع إن كانت عدة الطلاق بالحمل , أو كانت بالأقراء.

القول الثاني: عدم التداخل لاختلافهما في الجنس، وهو قول للشافعية , ورواية للحنابلة، ويترتب على عدم التداخل إذا كان الحمل لعدة الطلاق اعتدت بعد وضعه بثلاثة أقراء , ولا رجعة إلا في مدة الحمل , وإن كان الحمل لعدة الوطء , أتمت بعد وضعه بقية عدة الطلاق , وله الرجعة قبل الوضع في تلك البقية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو انقضاء العدة بوضع الحمل مطلقا، لكون الوضع أقوى أنواع العدة حتى أنه يرفع عدة الوفاة عن المرأة كما ذكرنا ذلك في المسائل الماضية.

الحالة الثالثة: كون العدتين لشخصين:

سواء أكانتا من جنسين , كالمتوفى عنها زوجها إذا وطئت بشبهة , أو كانتا من جنس واحد , كالمطلقة التي تزوجت في عدتها فوطئها الثاني وفرق بينهما , وقد اختلف الفقهاء في هذه الحالة على قولين[100]:

القول الأول: عدم التداخل، وهو قول الشافعية والحنابلة , واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أنهما حقان مقصودان لآدميين , فلم يتداخلا كالدينين.

· أن العدة احتباس يستحقه الرجال على النساء , فلم يجز أن تكون المرأة المعتدة في احتباس رجلين كاحتباس الزوجة , فعليها أن تعتد للأول لسبقه , ثم تعتد للثاني , ولا تتقدم عدة الثاني على عدة الأول إلا بالحمل.

القول الثاني: تتداخل العدتان، وهو قول الحنفية، ولذلك نصوا على أن المعتدة عن وفاة إذا وطئت بشبهة تعتد بالشهور , وتحتسب بما تراه من الحيض فيها , تحقيقا للتداخل بقدر الإمكان , فلو لم تر فيها دما يجب أن تعتد بعد الأشهر بثلاث حيض، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أن كلا منهما أجل , والآجال تتداخل ولذلك يجب على المرأة أن تعتد من وقت التفريق , ويندرج ما بقي من العدة الأولى في العدة الثانية.

· أن المقصود التعرف على فراغ الرحم , وقد حصل بالواحدة , فتتداخلان.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو الجمع بين حق الزوج في العدة إن كانت عدة وفاة مع استبراء الرحم، فتعتد لأقصى الأجلين، لأن الوطء بالشبهة لا يوجب إلا الاستبراء بأي وسيلة من وسائله، وهو لا يرفع وجوب عدة الوفاة على الزوجة.

خامسا: ابتداء العدة وانقضاؤها :

اختلف الفقهاء في الوقت الذي تبدأ أو تنقضي فيه عدة الطلاق على قولين:

القول الأول: أن العدة تبدأ في الطلاق عقيب الطلاق , وفي الوفاة عقيب الوفاة، وقد صح عن ابن عمر , وابن عباس: أنها تعتد من يوم مات , أو طلق، وهو قول سعيد بن المسيب , والنخعي , والشعبي , وعطاء , وطاوس , ومجاهد, وسعيد بن جبير , وأبي الشعثاء جابر بن زيد , والزهري وسليمان بن يسار , وأبي قلابة , ومحمد بن سيرين , وعكرمة , ومسروق , وعبد الرحمن بن يزيد، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة في قول، واستدلوا على ذلك بأن سبب وجوب العدة الطلاق أو الوفاة , فيعتبر ابتداؤها من وقت وجود السبب , فإن لم تعلم بالطلاق أو الوفاة حتى مضت مدة العدة فقد انقضت مدتها.

قال الشافعي:(وإذا علمت المرأة يقين موت زوجها أو طلاقه ببينة أو أي علم اعتدت من يوم كانت فيه الوفاة والطلاق , وإن لم تعتد حتى تمضي العدة لم يكن عليها غيرها ; لأنها مدة وقد مرت عليها وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: تعتد من يوم تكون الوفاة أو الطلاق وهو قول عطاء وابن المسيب والزهري) [101]

القول الثاني: أن العدة تبدأ من وقت العلم بالطلاق، بخلاف عدة الوفاة فتبدأ من وقت الوفاة، وهو قول المالكية, فلو أقر في صحته بطلاق متقدم , وقد مضى مقدار العدة قبل إقراره , استأنفت عدتها من وقت الإقرار , وترثه لأنها في عدتها , ولا يرثها لانقضاء عدتها بإقراره , إلا إذا قامت بينة فتعتد من الوقت الذي ذكرته البينة , وهذا في الطلاق الرجعي , أما البائن فلا يتوارثان.

ففي المدونة: (قلت: أرأيت إذا بلغها وفاة زوجها من أين تعتد ؟ أمن يوم يبلغها ؟ أم من يوم مات الزوج ؟ قال: قال مالك: من يوم مات الزوج , قلت: فإن لم يبلغها حتى انقضت عدتها أيكون عليها من الإحداد شيء أم لا ؟ قال: قال مالك: لا إحداد عليها إذا لم يبلغها إلا من بعد ما تنقضي عدتها. وقال مالك فيمن طلق امرأته وهو غائب فلم يبلغها طلاقه حتى انقضت عدتها: إنه إن ثبت على طلاقه إياها بينة كانت عدتها من يوم طلق وإن لم يكن إلا قوله لم يصدق واستقبلت عدتها ولا رجعة عليها وما أنفقت من ماله بعد ما طلقها قبل أن تعلم فلا غرم عليها لأنه فرط) [102]

القول الثالث: الاعتداد من حين العلم بالطلاق والوفاة باستثناء الحامل، وهو قول الظاهرية، فقد قال ابن حزم:(وتعتد المطلقة غير الحامل , والحامل المتوفى عنها من حين يأتيها خبر الطلاق , وخبر الوفاة , وتعتد الحامل المتوفى عنها من حين موته فقط) [103] واستدل على ذلك بما يلي:

· قول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾(البقرة:234)، وقوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾(البقرة:228) وقوله تعالى:﴿ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾(الطلاق:4) قال ابن حزم:(فلا بد من أن يفضون إلى العدة من الوفاة والقروء , وعدة الأشهر بنية لها , وتربص منهن , وإلا فذلك عليهن باق)

· أن المطلقة الحامل خرجت من ذلك لأنه لا يكون طلاق الغائب طلاقا أصلا حتى يبلغها.

· أن الحامل المتوفى عنها زوجها عدتها بالوضع، لعدم حاجتها إلى نية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة من حيث تحقيق المقاصد الشرعية من العدة هو قول ابن حزم، وكأنه ينظر إلى المقصد الشرعي من العدة بإعطاء فرصة للزوجين بالتراجع حتى أنه فرق بين المطلقة الحامل والمتوفى عنها الحامل، فأوجب العدة على المطلقة، ولم يوجبها على المتوفى عنها، لعدم حاجة المتوفى عنها للرجعة بخلاف المطلقة.

سادسا: عدة الكتابية أو الذمية

اتفق الفقهاء على أن عدة الكتابية أو الذمية في الطلاق أو الفسخ أو الوفاة كعدة المسلمة، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والثوري وأبي عبيد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· عموم الأدلة الموجبة للعدة بلا فرق بينهما بشرط أن يكون الزوج مسلما.

· أن العدة تجب بحق الله وبحق الزوج , قال تعالى :﴿ فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ﴾ فهي حقه.

· أن الكتابية أو الذمية مخاطبة بحقوق العباد , فتجب عليها العدة , وتجبر عليها لأجل حق الزوج والولد ; لأنها من أهل إيفاء حقوق العباد.

واختلفوا فيما لو كانت الذمية تحت ذمي على قولين:

القول الأول: أنه لو طلق الذمي الذمية أو مات عنها , فلا عدة عليها إذا كان دينهم لا يقر ذلك , ويجوز لها أن تتزوج فور طلاقها، وهو قول الحنفية والشافعية والمالكية، واستدلوا على ذلك بأن العدة لو وجبت عليها إما أن تجب بحق الله تعالى أو بحق الزوج , ولا سبيل إلى إيجابها بحق الزوج ; لأنه لا يعتقد حقا لنفسه , ولا وجه لإيجابها بحق الله تعالى ; لأن العدة فيها معنى القربة , وهي غير مخاطبة بالقربات.

وقد استثنوا من ذلك أن تكون حاملا , لأنها تمنع من النكاح ; لأن وطء الزوج الثاني يوجب اشتباه النسب , وحفظ النسب حق الولد , فلا يجوز إبطال حقه , فكان على الحاكم استيفاء حقه بالمنع من الزواج حتى تضع الحمل , إلا أن المالكية نصوا على أن الذمية الحرة غير الحامل إذا كانت تحت زوج ذمي مات عنها أو طلقها , وأراد مسلم أن يتزوجها أو ترافعا إلينا - وقد دخل بها - فعدتها ثلاثة قروء , وإن لم يكن دخل بها حلت مكانها من غير شيء.

القول الثاني: أن العدة واجبة على الذمية حتى ولو كانت تحت ذمي , لأن الذمية من أهل دار الإسلام , فجرى عليها ما يجري على المسلمين من أحكام الإسلام، وهو قول الحنابلة وأبي يوسف ومحمد، لعموم الآيات الواردة في العدة , ولأنها بائن بعد الدخول أشبهت المسلمة , فعدتها كعدة المسلمة , ولأنها معتدة من الوفاة أشبهت المسلمة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة أن هذه من المسائل الخاصة بغير المسلمين، ولا علاقة لها بالأحكام الشرعية، لأن الكفار وإن قيل بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة إلا أنهم مخاطبون قبلها بأصولها، ولا يصح فرع دون أصله.

ولكن مع ذلك فلهذه المسألة جانب عملي متعلق بالمسلمين، وهو أن الكتابية إذا طلقت من زوجها لا يتزوجها المسلم إلا بعد انتهاء عدتها، ولا يصح قياس عدتها على عدة المسلمة، بل يكفي في عدتها الاستبراء.

5 ـ آثار العدة

نص الفقهاء على أنه يلزم عن العدة الآثار التالية، مع اختلاف بينهم في تفاصيلها:

الأثر الأول: لزوم المعتدة بيتها

ويتعلق بهذا الأثر المسائل التالية:

أولا ـ مكان العدة

اتفق الفقهاء على أن مكان العدة من طلاق رجعي هو بيت الزوجية التي كانت تسكنه قبل مفارقة زوجها , فإذا كانت في زيارة أهلها , فطلقها, كان عليها أن تعود إلى منزلها الذي كانت تسكن فيه للاعتداد وإن كانت في غيره , فالسكنى في بيت الزوجية وجبت بطريق التعبد , فلا تسقط ولا تتغير إلا بالأعذار.

واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾(الطلاق:1)، ووجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى أضاف البيت إليها , والبيت المضاف إليها هو الذي كانت تسكنه قبل مفارقة زوجها.

واختلفوا في بعض المسائل المتعلقة بالمتوفي عنها زوجها والمطلقة ثلاثا، وفيما يلي بعض تفاصيلها:

1 ـ المعتدة من وفاة:

اختلف الفقهاء في اشتراط إقامة المتوفى عنها زوجها في بيت الزوج على قولين:

القول الأول: يجوز لها أن تعتد حيث شاءت، وقد روي ذلك عن علي , وابن عباس , وجابر , وعائشة w، وهو قول جابر بن زيد , والحسن , وعطاء، وهو قول الظاهرية، قال ابن حزم:(وتعتد المتوفى عنها , والمطلقة ثلاثا , أو آخر ثلاث والمعتقة تختار فراق زوجها حيث أحببن ولا سكنى لهن , لا على المطلق , ولا على ورثة الميت , ولا على الذي اختارت فراقه , ولا نفقة، ولهن أن يحججن في عدتهن , وأن يرحلن حيث شئن) [104]

واستدلوا على ذلك بقول الله I :( فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(البقرة:240) قال ابن عباس - رضي الله عنه - : نسخت هذه الآية عدتها عند أهله , وسكنت في وصيتها , وإن شاءت خرجت[105] ;، قال عطاء: ثم جاء الميراث , فنسخ السكنى , تعتد حيث شاءت.

القول الثاني: يجب على المتوفى عنها زوجها الاعتداد في منزلها , وقد روي عن عمر , وعثمان، وابن عمر , وابن مسعود , وأم سلمة , وبه يقول مالك , والثوري , والأوزاعي , وأبو حنيفة , والشافعي , وإسحاق، قال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار , بالحجاز , والشام , والعراق, ومصر[106]، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· ما روت فريعة بنت مالك بن سنان , أخت أبي سعيد الخدري , أنها جاءت إلى رسول الله r فأخبرته أن زوجها خرج في طلب أعبد له , فقتلوه بطرف القدوم , فسألت رسول الله r أن أرجع إلى أهلي , فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه , ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله r: نعم، قالت: فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد , دعاني , أو أمر بي فدعيت له, فقال رسول الله r : كيف قلت فرددت عليه القصة , فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا , فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي , فسألني عن ذلك , فأخبرته فاتبعه , وقضى به[107].

· أنه قضى به عثمان - رضي الله عنه - في جماعة الصحابة - رضي الله عنهم - فلم ينكروه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني لدلالة السنة عليه، ونحسب أن من روي عنه القول بخلافه من الصحابة لم يبلغه الحديث، ولو بلغه لرجع عن قوله، وقد حكى ابن عبد البر قول المخالفين فقال:(وكان داود وأصحابه يذهبون إلى أن المتوفى عنها زوجها ليس عليها أن تعتد في بيتها وتعتد حيث شاءت، لأن السكنى إنما ورد به القرآن في المطلقات، ومن حجته أن المسألة مسألة اختلاف قالوا: هذا الحديث إنما ترويه معروفة بحمل العلم وإيجاب السكنى إيجاب حكم والأحكام لا تجب إلا بنص كتاب أو سنة ثابتة أو إجماع) [108]

ثم علق على ذلك بقوله:(أما السنة فثابتة بحمد الله، وأما الإجماع فمستغنى عنه مع السنة لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة) [109]

المنزل الذي تعتد فيه :

اختلف القائلون باعتداد المرأة في بيت زوجها في المنزل الذي تعتد فيه على قولين:

القول الأول: يجب الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة به , سواء كان مملوكا لزوجها , أو بإجارة , أو عارية، فإن أتاها الخبر في غير مسكنها , رجعت إلى مسكنها فاعتدت فيه، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أن النبي r قال لفريعة: (امكثي في بيتك)، ولم تكن في بيت يملكه زوجها.

· أن اللفظ الآخر للحديث قضية في عين , والمراد به هذا , فإن قضايا الأعيان لا عموم لها.

· أنه يلزم عن القول الثاني الاعتداد في السوق والطريق والبرية , إذا أتاها الخبر وهي فيها.

القول الثاني: لا تبرح من مكانها الذي أتاها فيه نعي زوجها، وهو قول سعيد بن المسيب, والنخعي, واستدلوا على ذلك بما ورد في بعض ألفاظ الحديث السابق: (اعتدي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك)وفي لفظ: (اعتدي حيث أتاك الخبر) [110]

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول لدلالة الحديث عليه، زيادة على عدم إمكان تطيبق القول الثاني في حال كونها مستضافة مثلا أو في أي محل خارج بيت الزوجية.

حق المعتدة من وفاة في السكن:

اختلف الفقهاء في حق المعتدة من وفاة في السكن في بيت زوجها في فترة العدة على قولين:

القول الأول: لا سكنى للمتوفى عنها , وهو قول الحنابلة[111] وقول للشافعية، فإذا تطوع الورثة بإسكانها في مسكن زوجها , أو السلطان أو أجنبي , لزمها الاعتداد به , وإن منعت السكنى به , أو طلبوا منها الأجرة , فلها أن تنتقل عنه إلى غيره , وإن كانت في مسكن لزوجها , فأخرجها الورثة منه , وبذلوا لها مسكنا آخر , لم تلزمها السكنى، ومثله ما لو أخرجت من المسكن الذي هي به, أو خرجت لأي عارض كان , لم تلزمها السكنى في موضع معين سواه , سواء بذله الورثة أو غيرهم لأنها إنما يلزمها الاعتداد في بيتها الذي كانت فيه , لا في غيره، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أن الآية التي احتج بها المخالفون منسوخة.

· أن أمر النبي r فريعة بالسكنى , قضية في عين , يحتمل أنه r علم أن الوارث يأذن في ذلك, أو يكون الأمر يدل على وجوب السكنى عليها , ويتقيد ذلك بالإمكان , وإذن الوارث من جملة ما يحصل الإمكان به.

· أن الله تعالى إنما جعل للزوجة ثمن التركة أو ربعها , وجعل باقيها لسائر الورثة , والمسكن من التركة , فوجب أن لا يستحق منه أكثر من ذلك.

· أنها بائن من زوجها , فأشبهت المطلقة ثلاثا.

وهو قول ابن حزم بناء على رأيه في عدة المتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثا والذي ذكرناه سابقا، وقد نص على هذا مبينا أدلته بقوله: (ولم يصح في وجوب السكنى للمتوفى عنها أثر أصلا، والمنزل لا يخلو من أن يكون ملكا للميت أو ملكا لغيره، فإن كان ملكا لغيره - وهو مكترى أو مباح - فقد بطل العقد بموته , فلا يحل لأحد سكناه إلا بإذن صاحبه وطيب نفسه, قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:(إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)، وإن كان ملكا للميت , فقد صار للغرماء أو للورثة أو للوصية , فلا يحل لها مال الغرماء , والورثة , والموصى لهم لما ذكرنا , وإنما لها منه مقدار ميراثها إن كانت وارثة فقط , وهذا برهان قاطع لائح وما عدا هذا فظلم لا خفاء به) [112]

القول الثاني: أن لها الحق في السكنى فترة العدة، وهي أحق بسكنى المسكن الذي كانت تسكنه من الورثة والغرماء , ولا يباع في دينه بيعا يمنعها السكنى , فيه حتى تقضي العدة , وإن اتفق الوارث والمرأة على نقلها عنه , لم يجز، وليس لهم أن يخرجوها , إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، وهو قول مالك , والشافعي , وأبي حنيفة وجمهور العلماء , وإن تعذر المسكن , فعلى الوارث أن يكتري لها مسكنا من مال الميت , فإن لم يفعل , أجبره الحاكم.

أما إن كان المسكن لغير الميت فتبرع صاحبه بإسكانها فيه , لزمها الاعتداد به , وإن أبى أن يسكنها إلا بأجرة , وجب بذلها من مال الميت , إلا أن يتبرع إنسان ببذلها , فيلزمها الاعتداد به , فإن حولها صاحب المكان , أو طلب أكثر من أجرة المثل , فعلى الورثة إسكانها إن كان للميت تركة يستأجر لها به مسكن, فإن اختارت النقلة عن هذا المسكن الذي ينقلونها إليه , فلها ذلك ; لأن سكناها به حق لها , وليس بواجب عليها , فإن المسكن الذي كان يجب عليها السكنى به , هو الذي كانت تسكنه حين موت زوجها , وقد سقطت عنها السكنى به , وسواء كان المسكن الذي كانت به لأبويها , أو لأحدهما , أو لغيرهم.

وإن كانت تسكن في دارها فاختارت الإقامة فيها , والسكنى بها متبرعة أو بأجرة تأخذها من التركة , جاز , ويلزم الورثة بذل الأجرة إذا طلبتها , وإن طلبت أن تسكنها غيرها , وتنتقل عنها , فلها ذلك ; لأنه ليس عليها أن تؤجر دارها ولا تعيرها , وعليهم إسكانها، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· قوله تعالى :( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾(البقرة:240) فنسخ بعض المدة , وبقي باقيها على الوجوب.

· أن النبي r أمر فريعة بالسكنى في بيتها , من غير استئذان الورثة , ولو لم تجب السكنى , لم يكن لها أن تسكن إلا بإذنهم , كما أنها ليس لها أن تتصرف في شيء من مال زوجها بغير إذنهم.

· أن هذه السكنى يتعلق بها حق الله تعالى , لأنها تجب للعدة , والعدة يتعلق بها حق الله تعالى, فلم يجز اتفاقهما على إبطالها , بخلاف سكنى النكاح ; فإنها حق لهما.

· أن السكنى هاهنا من الإحداد , فلم يجز الاتفاق على تركها , كسائر خصال الإحداد.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني لدلالة الحديث عليه، لأنه لا يمكن تطبيقه إذا جعلنا الأمر بأيدي الورثة، ثم إن المرأة لا تملكه ملكا نهائيا، وإنما تبقى فيه لقضاء واجب مفروض عليها، فلذلك لا حق للورثة في التدخل في ذلك، فإن احتاجوا لبيعه كلفوا بأن يجدوا لها البيت المناسب الذي تقضي فيه عدتها.

محل جواز إخراجها من سكن زوجها:

اتفق الفقهاء على أنه يجوز إخراجها في حال إتيانها بفاحشة، كما قال الله تعالى: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾(الطلاق:1)، وقد اختلف الفقهاء والمفسرون في معنى الفاحشة التي تحل لهم إخراجها من بيتها على قولين[113]:

القول الأول: هي أن تطول لسانها على أحمائها وتؤذيهم بالسب ونحوه، وقد روي ذلك عن ابن عباس ،وهو قول الأكثرين، وللورثة في هذه الحالة أن يخرجونها عن ذلك المسكن[114] , إلى مسكن آخر من الدار إن كانت كبيرة تجمعهم, فإن كانت لا تجمعهم , أو لم يمكن نقلها إلى غيره في الدار , ولم يتخلصوا من أذاها بذلك , فلهم نقلها، أما إن كان أحماؤها هم الذين يؤذونها , ويفحشون عليها , فينقلون هم دونها , لأنها لم تأت بفاحشة , فلا تخرج بمقتضى النص , ولأن الذنب لهم فيخصون بالإخراج.

واستدلوا على ذلك بأن الفاحشة اسم للزنى وغيره من الأقوال الفاحشة , يقال: أفحش فلان في مقاله، ولهذا روي عن النبي r أنه قالت له عائشة: يا رسول الله , قلت لفلان: بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألنت له القول، فقال: (يا عائشة , إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش) [115]

القول الثاني: هي الزنى، وهو قول ابن مسعود , والحسن، لقول الله تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ﴾ (النساء:15)، وإخراجهن هو الإخراج لإقامة حد الزنى , ثم ترد إلى مكانها.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بشرط التوثق من حقيقة الأمر، لأنه قد يكون ذلك تحاملا من أحمائها أو غيرهم عليها لإخراجها.

2 ـ المطلقة ثلاثا:

وقد تحدثنا عن التفاصيل المتعلقة بها في محلها الخاص من الفصل الخاص بـ [حق الزوجة في النفقة]، وسنتحدث عن خلاصة تلك التفاصيل عند الحديث عن حقها في النفقة، لارتباط ذلك بنفقتها.

ثانيا ـ أحكام خروج المعتدة

1 ـ خروج المطلقة الرجعية :

اختلف الفقهاء في حكم خروج المطلقة الرجعية من بيتها على قولين:

القول الأول: أن المطلقة الرجعية لا يجوز لها الخروج من مسكن العدة لا ليلا ولا نهارا، وهو قول الحنفية والشافعية، والظاهرية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· قوله تعالى :﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾(الطلاق:1)،فقد نهى الله تعالى الأزواج عن الإخراج والمعتدات عن الخروج , إلا إذا ارتكبن فاحشة.

· قوله تعالى: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ﴾(الطلاق:6) والأمر بالإسكان نهي عن الإخراج والخروج.

· أنها زوجته بعد الطلاق الرجعي لقيام ملك النكاح من كل وجه , فلا يباح لها الخروج كما قبل الطلاق , إلا أن بعد الطلاق لا يباح لها الخروج وإن أذن لها به , بخلاف ما قبل الطلاق ; لأن حرمة الخروج بعد الطلاق لمكان العدة وفيها حق الله تعالى فلا يملك إبطاله , بخلاف ما قبل الطلاق , لأن الحرمة ثمة لحق الزوج خاصة فيملك إبطال حق نفسه بالإذن بالخروج.

القول الثاني: جواز خروج المطلقة الرجعية نهارا لقضاء حوائجها , وتلزم منزلها بالليل لأنه مظنة الفساد، وهو قول المالكية[116] والحنابلة.

واستدلوا على ذلك بما روي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: طلقت خالتي ثلاثا , فخرجت تجد نخلا لها , فلقيها رجل فنهاها , فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت ذلك له , فقال لها: (اخرجي فجدي نخلك لعلك أن تصدقي منه أو تفعلي خيرا) [117]، قال ابن الجوزي: (وجه الحجة أن النخل خارج المدينة والجداد بالنهار) [118]

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني لدلالة الحديث عليه، وهو وإن كان خاصا بالمطلقة ثلاثا إلا انه لا يمنع من الدلالة على غيرها من المطلقات، ولكن هذا الجواز مرتبط بأمرين:

· عدم المبالغة في ذلك حتى لا يكون ذلك سببا في عدم الرجعة.

· أن يكون خروجها مرتبطا بإذن زوجها لبقاء الزوجية في فترة العدة.

2 ـ خروج المطلقة البائن والمتوفى عنها زوجها :

اختلف الفقهاء في جواز خروج المعتدة من طلاق بائن على الأقوال التالية:

القول الأول: جواز خروجها نهارا لقضاء حوائجها , أو طرفي النهار لشراء ما يلزمها من ملبس ومأكل ودواء أو بيع غزل , أو كانت تتكسب من شيء خارج عن محلها كالقابلة والماشطة أو لأداء عملها سواء أكان الطلاق بائنا بينونة صغرى أم كبرى , وهو قول المالكية والشافعية[119] والحنابلة والثوري والأوزاعي والليث بن سعد.

واستدلوا على ذلك بحديث جابر - رضي الله عنه - السابق :(طلقت خالتي ثلاثا)

القول الثاني: لا يجوز خروج المعتدة من الطلاق الثلاث أو البائن ليلا أو نهارا , وهو قول الحنفية، لعموم النهي ومسيس الحاجة إلى تحصين الماء.

القول الثالث: جواز الخروج ليلا إن لم يمكنها نهارا، وهو قول الشافعية، وأجازا خروجها إلى دار جارة لها لغزل وحديث ونحوهما للتأنس , بشرط أن تأمن الخروج , ولم يكن عندها من يؤنسها , وأن ترجع وتبيت في بيتها , واستدلوا على ذلك بما روي عن مجاهد قال: استشهد رجال يوم أحد فآم نساؤهم وكن متجاورات في دار فجئن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلن: يا رسول الله , إنا نستوحش بالليل فنبيت عند إحدانا فإذا أصبحنا تبدرنا إلى بيوتنا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن , فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة منكن إلى بيتها) [120]

القول الرابع: جواز الخروج مطلقا، بل والسفر، وهو قول الظاهرية، قال ابن حزم:(تعتد المتوفى عنها , والمطلقة ثلاثا , أو آخر ثلاث والمعتقة تختار فراق زوجها حيث أحببن.. ولهن أن يحججن في عدتهن , وأن يرحلن حيث شئن) [121]، ومن الأدلة على ذلك:

· قول الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾(الطلاق:1) ،قال ابن حزم:(فهذه صفة الطلاق الرجعي لا صفة الطلاق البات) [122]

· حديث جابر - رضي الله عنه - السابق :(طلقت خالتي ثلاثا)، قال ابن حزم:(أما خبر جابر ففي غاية الصحة , وقد سمعه منه أبو الزبير , ولم يخص لها أن لا تبيت هنالك من أن تبيت: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾(النجم:4) , ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾(مريم:64)، ولا يسع أحدا الخروج عن هذين الأثرين لبيانهما وصحتهما) [123]

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو جواز خروجها مطلقا لدلالة الحديث على ذلك زيادة على أنه لا ترجى رجعتها لزوجها، فلا حاجة لحبسها في بيته.

وما ذكره ابن الجوزي من الاستدلال بالحديث على جواز خروجها نهارا فقط لا دليل عليه، فالحديث مطلق إلا أن تقيده المصالح والمفاسد التي تنجر عن الخروج ليلا، وذلك يصدق أيضا في حال خروجها نهارا مع عدم الأمن.

4 ـ خروج المعتدة من وطء شبهة أو نكاح فاسد:

اختلف الفقهاء في حكم خروج المعتدة من شبهة أو نكاح فاسد على قولين:

القول الأول: أنها في الخروج من مسكنها كالمعتدة من وفاة، وهو قول الحنفية والشافعية.

القول الثاني: المعتدة من النكاح الفاسد لها أن تخرج , إلا إذا منعها الزوج لتحصين مائه , والصغيرة لها أن تخرج من منزلها إذا كانت الفرقة لا رجعة فيها , سواء أذن الزوج لها أو لم يأذن، وهو قول الحنفية، واستدلوا على ذلك بأن وجوب السكنى في البيت على المعتدة لحق الله تعالى وحق الزوج, وحق الله عز وجل لا يجب على الصبي , وحق الزوج في حفظ الولد ولا ولد منها.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن حكمها هو نفس حكم المطلقة ثلاثا أو المتوفى عنها زوجها لعدم إمكان رجعتها لزوجها، والأصل في حبس المرأة في بيت الزوجية هو الحرص على إرجاعها لزوجها، فإن استحالت الرجعة حل الخروج مطلقا كما ذكرنا.

ثالثا: ما يبيح للمعتدة الخروج والانتقال من مكان العدة

1 ـ تعذر مسكن الزوج:

اتفق الفقهاء على أنه إن خافت هدما أو غرقا أو عدوا أو نحو ذلك , أو حولها صاحب المنزل لكونه عارية رجع فيها , أو بإجارة انقضت مدتها , أو منعها السكنى تعديا , أو امتنع من إجارته , أو طلب به أكثر من أجرة المثل , أو لم تجد ما تكتري به , أو لم تجد إلا من مالها , فلها أن تنتقل ; لأنها حال عذر , لأن الواجب عليها فعل السكنى , لا تحصيل المسكن , وإذا تعذرت السكنى , سقطت، وللمذاهب الفقهية تفاصيل في بعض ذلك نذكرها بعضها فيما يلي لا من باب ذكر الخلاف، وإنما من باب ذكر الصور المختلفة:

مذهب الحنفية:

نص الحنفية[124] على أنه إن اضطرت إلى الخروج من بيتها , بأن خافت سقوط منزلها أو خافت على متاعها أو كان المنزل بأجرة ولا تجد ما تؤديه في أجرته في عدة الوفاة , أو كان المنزل ملكا لزوجها وقد مات , أو كان نصيبها لا يكفيها , أو خافت على متاعها منهم - الورثة - فلا بأس أن تنتقل، لأن السكنى وجبت بطريق العبادة حقا لله تعالى عليها , والعبادات تسقط بالأعذار , وإذا انتقلت لعذر يكون سكناها في البيت الذي انتقلت إليه بمنزلة كونها في المنزل الذي انتقلت منه في حرمة الخروج عنه , لأن الانتقال من الأول إليه كان لعذر , فصار المنزل الذي انتقلت إليه كأنه منزلها من الأصل , فلزمها المقام فيه حتى تنقضي العدة.

مذهب المالكية:

نص المالكية[125] على أنه يجوز انتقالها من مكان العدة في حالة العذر , كبدوية معتدة ارتحل أهلها فلها الارتحال معهم حيث كان يتعذر لحوقها بهم بعد العدة , أو لعذر لا يمكن المقام معه بمسكنها كسقوطه أو خوف جار سوء أو لصوص إذا لم يوجد الحاكم الذي يزيل الضرر , فإذا وجد الحاكم الذي يزيل الضرر إذا رفع إليه فلا تنتقل , سواء أكانت حضرية أم بدوية , وإذا انتقلت لزمت الثاني إلا لعذر, فإذا انتقلت لغير عذر ردت بالقضاء قهرا عنها ; لأن بقاءها في مكان العدة حق لله تعالى.

مذهب الشافعية:

نص الشافعية[126] على أنها تعذر للخروج في مواضع هي: إذا خافت على نفسها أو مالها من هدم أو حريق أو غرق أو لصوص أو فسقة أو جار سوء. وتتحرى القرب من مسكن العدة , أو لو لزمها عدة وهي في دار الحرب فيلزمها أن تهاجر إلى دار الإسلام , إلا أن تكون في موضع لا تخاف على نفسها ولا على دينها فلا تخرج حتى تعتد , أو إذا لزمها حق واحتيج إلى استيفائه ولم يمكن استيفاؤه في مسكنها كحد أو يمين في دعوى , فإن كانت برزة خرجت وحدت أو حلفت ثم تعود إلى المسكن وإن كانت مخدرة بعث الحاكم إليها نائبا أو أحضرها بنفسه أو إذا كان المسكن مستعارا أو مستأجرا فرجع المعير أو طلبه المالك أو مضت المدة فلا بد من الخروج.

ومما استدل به الفقهاء على ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها، أنها نقلت أختها أم كلثوم بنت أبي بكر - رضي الله عنه - لما قتل طلحة - رضي الله عنه - فدل ذلك على جواز الانتقال للعذر.

المكان الذي تنتقل إليه المعتدة في حال العذر:

اختلف الفقهاء في المكان الذي يجوز لها أن تنتقل إليه في حال قيام الأعذار السابقة على قولين[127]:

القول الأول: أنها تنتقل إلى أقرب ما يمكنها النقلة إليه، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد، لأنه أقرب إلى موضع الوجود , فأشبه من وجبت عليه الزكاة في موضع لا يجد فيه أهل السهمان , فإنه ينقلها إلى أقرب موضع يجدهم فيه.

القول الثاني: أن لها أن تسكن حيث شاءت، وهو قول الجمهور، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أن الواجب قد سقط لعذر, ولم يرد الشرع له ببدل , قياسا على ما لو سقط الحج للعجز عنه وفوات شرط , أوالمعتكف إذا لم يقدر على الاعتكاف في المسجد.

· أن ما ذكروه إثبات حكم بلا نص , ولا معنى نص , لأن معنى الاعتداد في بيتها لا يوجد في السكنى فيما قرب منه.

· أن قياس الاعتداد على أهل السهمان في الزكاة لا يصح، لأن القصد نفع الأقرب , وفي نقلها إلى أقرب موضع يجده نفع الأقرب , فوجب لذلك.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بناء على أن ذلك أيسر عليها من الانتقال إلى بيت قد لا يرضيها أو لا يرضي أهله مقامها به مع طول فترة العدة، ولا دليل على تكليفها بهذا الحرج والمشقة، ولا مصلحة معتبرة تدعو إلى ذلك.

2 ـ خروج المعتدة للحج أو للسفر:

اتفق الفقهاء على أن المعتدة لا يجوز لها الخروج مسافرة للحج أوغيره[128]، واختلفوا فيمن خرجت لحج أو زيارة ثم طرأ عليها موجب العدة من طلاق أو موت زوجها، هل يجب عليها الرجوع إلى منزلها لتعتد فيه أم لا ؟ على تفاصيل مختلفة تتقارب في كثير من فروعها، تفصيلها على الأقوال التالية:

القول الأول: التقييد بمسافة السفر، وهو قول الحنفية، وقد نصوا على أن من لزمتها عدة طلاق بائن أو عدة وفاة بعدما خرجت للحج، فإن كان إلى منزلها أقل من مدة سفر وإلى مكة مدة سفر فإنها ترجع إلى منزلها لتعتد فيه ; لأنه ليس فيه إنشاء سفر فصار كأنها في بلدها، وإن كان إلى مكة أقل من مدة سفر وإلى منزلها مدة سفر مضت إلى مكة ; لأنها لا تحتاج إلى المحرم في أقل من مدة السفر , وإن كان من الجانبين أقل من مدة سفر فهي بالخيار إن شاءت مضت وإن شاءت رجعت إلى منزلها , والرجوع أولى ليكون الاعتداد في منزل الزوجية, وهو أوجه، وقيل يتعين الرجوع ; لأنها إذا رجعت صارت مقيمة , وإذا مضت كانت مسافرة، وإن كان من الجانبين مدة سفر , فإن كانت في مصر فليس لها أن تخرج حتى تنقضي عدتها في قول أبي حنيفة وإن وجدت محرما. وعند أبي يوسف ومحمد لها أن تخرج إذا وجدت محرما , وليس لها أن تخرج بلا محرم بلا خلاف[129].

وإن كان ذلك في المفازة أو في بعض القرى بحيث لا تأمن على نفسها ومالها فلها أن تمضي فتدخل موضع الأمن , ثم لا تخرج منه حتى تنقضي عدتها في قول أبي حنيفة , سواء وجدت محرما أم لم تجد. وعندهما تخرج إذا وجدت محرما لوجوب ذلك شرعا عليها حيث نهى الله تعالى المعتدات عن الخروج بقوله تعالى: لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ﴾(الطلاق:1)

القول الثاني: التقييد بإحرامها، وهو قول المالكية، وقد نصوا على أن على المعتدة أن تمضي مدة العدة في بيتها الذي كانت فيه قبل طروء العدة , ولو كانت قد نقلها الزوج قبل الموت أو الطلاق إلى مكان آخر , واتهم أنه نقلها ليسقط سكناها فإنه يجب عليها الرجوع , وكذلك لو كانت مقيمة بغير مسكنها وقت الموت أو الطلاق فيجب عليها الرجوع لمنزلها لتعتد فيه، ولو خرجت لحج الصرورة مع زوجها ومات الزوج أو طلقها بعد سيرها ثلاثة أيام وجب عليها أن ترجع لتعتد بمنزلها إن بقي شيء من العدة بعد رجوعها ولو يوما واحدا، لكن الرجوع مقيد بما إذا كانت لم تحرم بالحج , فإن كانت دخلت في الإحرام ولو في أول يوم من سفرها فلا ترجع، ولو خرجت في حج التطوع أو لزيارة أو غير ذلك من القرب فيجب عليها الرجوع ولو وصلت إلى المكان الذي تريده ولو بعد إقامتها نحو ستة أشهر، ولو خرجت مع زوجها للإقامة في مكان آخر بعد رفض السكنى في المسكن الأول فطلقت أو مات زوجها فهي بالخيار في الاعتداد بأي مكان شاءت[130].

القول الثالث: اعتبار الإذن والخروج من العمران والإحرام بالحج، وهو قول الشافعية، وقد نصوا على أنه إن أذن الزوج لزوجته في سفر حج , أو عمرة, أو تجارة , أو استحلال مظلمة , أو نحو ذلك كسفر لحاجتها , ثم وجبت عليها العدة , فإن كانت لم تفارق عمران البلد فإنه يجب عليها الرجوع في الأصح ; لأنها لم تشرع في السفر، وإن فارقت عمران البلد ووجبت العدة في أثناء الطريق فلها الرجوع ولها المضي في السفر ; لأن في قطعها عن السفر مشقة , لا سيما إذا بعدت عن البلد , أو خافت الانقطاع عن الرفقة , والأفضل الرجوع، وإذا اختارت المضي ومضت لمقصدها أو بلغته فإنها ترجع بعد قضاء حاجتها دون تقيد بمدة السفر وهي ثلاثة أيام[131].

ونصوا على أنه يجب عليها الرجوع بعد قضاء الحاجة لتعتد ما بقي من العدة في مسكنها، وإذا سافرت لنزهة أو زيارة أو سافر بها الزوج لحاجته ووجبت العدة فلا تزيد على مدة إقامة المسافرين ثم تعود، وإن قدر لها الزوج مدة في نقلة أو سفر حاجة أو في غير ذلك كاعتكاف , استوفتها وعادت لتمام العدة.

ولو أحرمت بحج بإذن زوجها أو بغير إذنه ثم طلقها أو مات , فإن خافت فوات الحج لضيق الوقت وجب عليها الخروج معتدة لتقدم الإحرام , وإن لم تخف فوات الحج لسعة الوقت جاز لها الخروج إلى ذلك لما في تعيين الصبر من مشقة المصابرة على الإحرام.

القول الرابع: اعتبار إحرامها ومسافة القصر، وهو قول الحنابلة، وقد نصوا على أن من سافرت بإذن زوجها أو معه لنقلة من بلد إلى آخر فمات قبل مفارقة البنيان رجعت واعتدت بمنزلها ; لأنها في حكم المقيمة , ولو سافرت لغير نقلة كتجارة وزيارة ولو لحج ولم تحرم ومات زوجها قبل مسافة القصر رجعت واعتدت بمنزلها.

أما إن مات زوجها بعد مفارقة البنيان , فإن كان سفرها لنقلة , أو بعد مسافة القصر إن كان لغير نقلة , فإنها تخير بين الرجوع فتعتد في منزلها وبين المضي إلى مقصدها ; لأن كلا البلدين سواء. وحيث مضت أقامت لقضاء حاجتها , فإن كان لنزهة أو زيارة فإن كان الزوج قدر لها مدة إقامتها أقامتها , وإلا أقامت ثلاثا , فإذا مضت المدة أو قضت حاجتها , فإن كان خوف ونحوه أتمت العدة بمكانها , وكذا إن كانت لا تصل إلى منزلها إلا بعد انقضاء عدتها , وإلا لزمها العود لتتم العدة بمنزلها. ومن أحرمت بالحج بإذن الزوج ثم مات الزوج , فإن كانت سارت مسافة أقل من مسافة القصر , وأمكن الجمع بين اعتدادها بمنزلها وبين الحج بأن اتسع الوقت لهما , عادت لمنزلها فاعتدت به , وإن لم يمكنها الجمع , بأن كان الوقت لا يتسع لهما , قدمت الحج إن كانت بعدت عن بلدها بأن كانت سافرت مسافة قصر , وإن لم تبعد مسافة قصر وقد أحرمت قدمت العدة ورجعت وتتحلل بعمرة[132].

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة التفريق بين أنواع العدد، وأنواع السفر، أما المعتدة من وفاة أو البائن من زوجها، فإن الأرجح ما ذهب إليه ابن حزم من عدم التضييق عليها في الخروج والسفر خاصة إن كان سفر ضرورة أو سفر عبادة، لعدم الحاجة إلى حبسها، بل في حجها تخفيف عليها، وفائدة لها، لا يصح حرمانها منها لغير دليل قاطع، أما إن كان سفر لهو ونحوه، فإنه لا يتناسب مع حالها في العدة، ومثله ما لو لم يؤمن عليها في سفرها، أو كانت سيرتها وخلقها يخاف عليها منهما لاحتمال أن تنسب إلى زوجها ولدا ليس منه.

أما إن كانت مطلقة رجعية، فإن الأرجح هو وجوب لزوم بيتها، فلا تخرج منه إلا بإذن زوجها لبقائها في عصمته، ولتوفير الجو لرجعته لها، لأن الشرع كما سنرى راعى في عدة الرجعية مقصد الرجعة في فترة العدة، إلا إذا أحرمت بالحج أو تكلفت له المؤونة، فإن من الحرج الشديد تكليفها بالرجوع.

3 ـ خروج المعتدة للاعتكاف :

اتفق الفقهاء على أن المعتدة لا تنشئ اعتكافا لوجوب لزومها لبيتها، واختلفوا فيمن كانت معتكفة ثم طرأت عليها العدة على قولين:

القول الأول: أن المعتكفة يلزمها العودة إلى مسكنها لقضاء العدة لأنها أمر ضروري، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة.

القول الثاني: تمضي المعتكفة على اعتكافها إن طرأت عليها عدة من وفاة أو طلاق، وهو قول المالكية ربيعة وابن المنذر.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ما ذكرنا سابقا من التفريق بين المطلقة الرجعية وغيرها، أما الرجعية، فيجب عليها العودة إلى بيتها، بينما يجوز لغيرها أن يمضين في اعتكافهن، للمقاصد التي ذكرناها.

الأثر الثاني: إحداد المعتدة

تعريف الإحداد:

لغة: الـحَدُّ: الفَصل بـين الشيئين لئلا يختلط أَحدهما بالآخر، أَو لئلا يتعدى أَحدهما علـى الآخر، وجمعه حُدود. وفصل ما بـين كل شيئين: حَدٌّ بـينهما. ومنتهى كل شيء: حَدُّه، وهو المنع, ومنه امتناع المرأة عن الزينة وما في معناها إظهارا للحزن[133].

اصطلاحا: امتناع المرأة من الزينة وما في معناها مدة مخصوصة في أحوال مخصوصة , وكذلك من الإحداد امتناعها من البيتوتة في غير منزلها.

والعلاقة بين الاعتداد والإحداد أن الاعتداد طرف للإحداد , ففي العدة تترك المرأة زينتها لموت زوجها.

حكم الإحداد:

أجمع العلماء[134] على وجوب الإحداد في عدة الوفاة من نكاح صحيح، ولو من غير دخول بالزوجة[135]، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج , أربعة أشهر وعشرا) [136]

وأجمعوا على أنه لا إحداد على الرجل، ولا إحداد على المطلقة رجعيا[137], بل يطلب منها أن تتعرض لمطلقها وتتزين له لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.

وأما المنكوحة نكاحا فاسدا إذا مات عنها زوجها فالجمهور[138] على أنه لا إحداد عليها، لأنها ليست زوجة على الحقيقة , وأن بقاء الزواج الفاسد نقمة , وزواله نعمة , فلا محل للإحداد.

واختلفوا في حكم إحداد المعتدة من طلاق بائن على قولين[139]:

القول الأول: وجوب الإحداد على المطلقة البائن، وهو قول سعيد بن المسيب , وأبي عبيد , وأبي ثور , والحنفية ورواية عن أحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أنها معتدة بائن من نكاح فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها.

· أن العدة تحرم النكاح فحرمت دواعيه.

القول الثاني: لا يجب عليها الإحداد، ويجوز لها التزين، وهو قول عطاء , وربيعة , ومالك , وابن المنذر ونحوه قول الشافعي، ورواية عن أحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أن النبي r قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر , أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال , إلا على زوج , أربعة أشهر وعشرا)، وهي عدة الوفاة , وهو يدل على أن الإحداد إنما يجب في عدة الوفاة.

· أن مدلول الحديث الذي استدل به المخالفون ينص على تحريم الإحداد على ميت غير الزوج , ونحن نقول به ; ولهذا جاز الإحداد هاهنا بالإجماع , فإذا قلنا يلزمها الإحداد.

· أنها معتدة بائن من نكاح , فلزمها الإحداد , كالمتوفى عنها زوجها , لأن العدة تحرم النكاح, فحرمت دواعيه.

· أن المطلقة طلاقا بائنا تخالف الرجعية , لأنها زوجة , والموطوءة بشبهة ليست معتدة من نكاح, فلم تكمل الحرمة.

· أنها معتدة عن غير وفاة , فلم يجب عليها الإحداد , كالرجعية , والموطوءة بشبهة.

· أن الإحداد في عدة الوفاة لإظهار الأسف على فراق زوجها وموته , فأما الطلاق فإنه فارقها باختيار نفسه , وقطع نكاحها , فلا معنى لتكليفها الحزن عليه.

· أن المتوفى عنها لو أتت بولد , لحق الزوج , وليس له من ينفيه , فاحتيط عليها بالإحداد , لئلا يلحق بالميت من ليس منه , بخلاف المطلقة , فإن زوجها باق , فهو يحتاط عليها بنفسه، وينفي ولدها إذا كان من غيره.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني لدلالة الحديث على ذلك، زيادة على عدم الدواعي لإحدادها، أما زوجها، فإنها تحتجب عنه كما تحتجب عن الأجانب.

ما يحصل به الإحداد

اتفق الفقهاء على أن الحادة تجتنب كل ما يدعو إلى جماعها , ويرغب في النظر إليها , ويحسنها , وقد ذكر الفقهاء من ذلك أربعة أشياء:

أولا: اجتناب العطور بأنواعها

وقد اتفق الفقهاء على تحريم تعطر المرأة في فترة إحدادها، ومن الأدلة على ذلك:

· قوله r :(لا تمس طيبا , إلا عند أدنى طهرها , إذا طهرت من حيضها بنبذة من قسط أو أظفار[140])[141] قال ابن حجر: (المقصود من التطيب بهما أن يخلطا في أجزاء آخر من غيرهما، ثم تسحق فتصير طيبا، والمقصود بهما هنا أن تتبع بهما أثر الدم لإزالة الرائحة لا للتطيب، وزعم الداودي أن المراد أنها تسحق القسط وتلقيه في الماء آخر غسلها لتذهب رائحة الحيض) [142]

· عن زينب بنت أم سلمة , قالت: دخلت على أم حبيبة , زوج النبي r حين توفي أبوها أبو سفيان , فدعت بطيب فيه صفرة , خلوق أو غيره , فدهنت منه جارية , ثم مست بعارضها , ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة , غير أني سمعت رسول الله r يقول: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر , أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال , إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) [143]

ويدخل في العطور الأدهان المطيبة , كدهن الورد والبنفسج والياسمين والبان, وما أشبهه ; لأنه استعمال للطيب، بخلاف الادهان بغير المطيب , لأنه ليس بطيب.

ثانيا: اجتناب الزينة

وهي تشمل ثلاثة أنواع :

النوع الأول: زينة البدن :

فيحرم عليها أن تختضب , وأن تستعمل كل أنواع الزينة والطلاء، ومن الأدلة على ذلك:

· عن أم سلمة , أن النبي r قال: (المتوفى عنها زوجها , لا تلبس المعصفر من الثياب , ولا الممشق , ولا الحلي , ولا تختضب , ولا تكتحل) [144]

· عن أم عطية , أن رسول الله r قال: (لا تحد المرأة فوق ثلاثة أيام , إلا على زوج , فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا , ولا تلبس ثوبا مصبوغا , إلا ثوب عصب , ولا تكتحل , ولا تمس طيبا إلا عند أدنى طهرها , إذا طهرت من حيضها , بنبذة من قسط أو أظفار) [145]

· عن أم سلمة , قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله r فقالت: يا رسول الله , إن ابنتي توفي عنها زوجها , وقد اشتكت عينها , أفتكحلها ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا، مرتين أو ثلاثا) [146]

· عن أم سلمة , قالت: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين توفي أبو سلمة , وقد جعلت على عيني صبرا , فقال: ماذا يا أم سلمة ؟ قلت: إنما هو صبر , ليس فيه طيب، قال: إنه يشب الوجه , لا تجعليه إلا بالليل , وتنزعينه بالنهار , ولا تمتشطي بالطيب , ولا بالحناء , فإنه خضاب. قالت: قلت: بأي شيء أمتشط ؟ قال: بالسدر , تغلفين به رأسك[147].

حكم الاكتحال للحادة:

اختلف الفقهاء في الاكتحال بالإثمد على الأقوال التالية:

القول الأول: أن الكحل من الزينة المحرمة، ولأن الكحل من أبلغ الزينة , والزينة تدعو إليها , وتحرك الشهوة , فهي كالطيب وأبلغ منه، ولا بأس بالكحل بالتوتيا والعنزروت ونحوهما للتداوي, بل يقبح العين , ويزيدها مرها.

القول الثاني: أن للسوداء أن تكتحل، وهو قول بعض الشافعية.

القول الثالث: إن اضطرت الحادة إلى الكحل بالإثمد للتداوي , فلها أن تكتحل ليلا , وتمسحه نهارا، وهو قول عطاء , والنخعي , ومالك , وأصحاب الرأي، واستدلوا على ذلك بما روت أم حكيم بنت أسيد , عن أمها , أن زوجها توفي , وكانت تشتكي عينيها , فتكتحل بالجلاء , فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة , تسألها عن كحل الجلاء , فقالت: لا تكتحلي إلا لما لا بد منه , يشتد عليك , فتكتحلين بالليل , وتغسلينه بالنهار.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أنه يمكن في عصرنا أن تستعيض الحادة عن الاكتحال بالإثمد بالأدوية المعالجة للعين، فإن لم تجد إلا الكحل اكتحلت بالليل كما ورد في أثر أم حكيم، فإن اضطرت في غير الليل جاز للضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، ولا نرى ما ذهب إليه الشافعية من التفريق بين السوداء وغيرها، لأن لكل عين ما تراه من جمال زيادة على عموم الحديث الوارد في ذلك، وهو ما ذكرناه سابقا من قوله - صلى الله عليه وسلم - للمرأة: لا، مرتين أو ثلاثا) [148]

النوع الثاني: زينة الثياب:

اتفق الفقهاء على أن الإحداد يكون في الثياب فتحرم على الحادة الثياب الملونة بقصد التحسين , لقول النبي r :(لا تلبس ثوبا مصبوغا) [149]، وقوله r: (لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق) [150]

أما ما لا يقصد بصبغه التزيين , فلا تمنع منه ; لأنه ليس بزينة، ولا تمنع من حسان الثياب غير المصبوغة , وإن كان رقيقا , سواء كان من قطن أو كتان أو إبريسم ; لأن حسنه من أصل خلقته , فلا يلزم تغييره , كما أن المرأة إذا كانت حسنة الخلقة , لا يلزمها أن تغير لونها , وتشوه نفسها.

واتفق الفقهاء على أنه يحرم على الحادة لبس الحلي كله سواء كان من الذهب أو الفضة[151] , حتى الخاتم , لقول النبي r :(ولا الحلي) [152].

النوع الثالث: النقاب :

وما في معناه , مثل البرقع ونحوه ; لأن المعتدة مشبهة بالمحرمة والمحرمة تمنع من ذلك , وإذا احتاجت إلى ستر وجهها أسدلت عليه كما تفعل المحرمة.

الأثر الثالث: أحكام طلاق المعتدة وزواجها وخطبتها

أولا: الطلاق في العدة:

نص الفقهاء على أن الطلاق يلحق المعتدة من طلاق رجعي , لبقاء أحكام الزوجية في عدة الطلاق الرجعي، فالرجعية في حكم الزوجات , لبقاء الولاية عليها بملك الرجعة عدة، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية وهو المذهب عند الحنابلة , قال الشافعي: الرجعية زوجة في خمس آيات من كتاب الله , يريد بذلك لحوق الطلاق وصحة الظهار واللعان والإيلاء والميراث

ونصوا على أن الطلاق لا يلحق المعتدة من طلاق بائن بينونة كبرى كخلع وفسخ لعدم بقاء المحل وهي الزوجة , أو لزوال الزوجية حقيقة وحكما كما لو انتهت عدتها , واختلفوا في المعتدة من طلاق بائن بينونة صغرى على قولين:

القول الأول: أن الطلاق لا يلحق المعتدة من طلاق بائن بينونة صغرى، وهو قول الجمهور.

القول الثاني: أن المعتدة من طلاق بائن بينونة صغرى يلحقها صريح الطلاق، وهو قول الحنفية، أما طلاق الكناية فإن كانت الكناية تحمل معنى الطلاق البائن , كقوله: أنت بائن ونحوه , ونوى الطلاق , لا يلحقها بلا خلاف عند الحنفية , لأن الإبانة قطع الوصلة , والوصلة منقطعة , فلا يتصور قطعها ثانيا , أو لأن الإبانة تحريم شرعا , وهي محرمة وتحريم المحرم محال، وقد اختلفوا في طلاق الكناية التي لا تحمل معنى الطلاق البائن على رأيين:

الرأي الأول: أن طلاق الكناية الواقع في عدة المبانة أو المختلعة يلحقها، وهو ظاهر الرواية عند الحنفية , إن كانت الكناية تحمل معنى الطلاق الرجعي , لأن الواقع بهذا النوع من الكناية رجعي , فكان في معنى الطلاق الصريح , فيلحقها الخلع والإبانة في العدة كالصريح.

الرأي الثاني: أنه لا يلحقها, وهو قول أبي يوسف، لأن هذه كناية والكناية لا تعمل إلا في حال قيام الملك كسائر الكنايات.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة أن الطلاق لا يلحق المعتدة إلا بعد رجعتها لارتباط الطلاق بثبوت الزوجية، وقد سبق ذكر أدلة ذلك في الفصل الخاص بمن يقع عليها الطلاق.

ثانيا: خطبة المعتدة:

وقد تحدثنا عن حكم هذه المسألة في محلها الخاص من أحكام الخطبة من الجزء الأول.

ثالثا: عقد الأجنبي على المعتدة :

اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للأجنبي نكاح المعتدة أيا كانت عدتها من طلاق أو موت أو فسخ أو شبهة , وسواء أكان الطلاق رجعيا أم بائنا بينونة صغرى أو كبرى، , فإن عقد النكاح على المعتدة في عدتها فرق بينها وبين من عقد عليها ،واستدلوا على ذلك بما يلي:

· قوله تعالى :﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ (البقرة:235) والمراد تمام العدة , والمعنى: لا تعزموا على عقدة النكاح في زمان العدة , أو لا تعقدوا عقدة النكاح حتى ينقضي ما كتب الله عليها من العدة.

· أن طليحة الأسدية كانت زوجة رشيد الثقفي وطلقها , فنكحت في عدتها , فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها بخفقة ضربات , وفرق بينهما ثم قال عمر: أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول , ثم إن شاء كان خاطبا من الخطاب , وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول , ثم اعتدت من الآخر , ثم لا ينكحها أبدا.

· أن النكاح بعد الطلاق الرجعي قائم من كل وجه , وبعد الثلاث والبائن قائم من وجه حال قيام العدة , لقيام بعض الآثار , والثابت من وجه كالثابت من كل وجه في باب الحرمات احتياطا.

· أن في ذلك حفظا للأنساب وصونها من الاختلاط ومراعاة لحق الزوج الأول.

· أما صاحب العدة فإنه يجوز له أن يتزوجها في عدتها إذا لم يكن الطلاق ثلاثا لأن النهي عن التزوج للأجانب لا للأزواج ; لأن عدة الطلاق إنما لزمتها حقا للزوج , لكونها باقية على حكم نكاحه من وجه , وهذا يظهر في حق التحريم على الأجنبي لا على الزوج إذ لا يجوز أن يمنع حقه.

الأثر الرابع: الحقوق المالية للمعتدة

1 ـ المطلقة طلاقا بائنا:

اختلف الفقهاء[153] في حق المطلقة ثلاثا في النفقة والسكنى على الأقوال التالية[154]:

القول الأول: أن لها السكنى وليس لها النفقة، وهو قول عمر , وابنه وابن مسعود , وعائشة , وفقهاء المدينة السبعة ومالك , والشافعي، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· قول الله تعالى:( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ((الطلاق:6)، ووجه الاستدلال بالآية كما ذكر ابن العربي أن الله تعالى لما ذكر السكنى أطلقها لكل مطلقة، فلما ذكر النفقة قيدها بالحمل، فدل على أن المطلقة البائن لا نفقة لها[155].

وقد استدل الشافعي بسياق الآية، فالله تعالى ذكر المطلقة الرجعية وأحكامها أول الآية إلى قوله تعالى:( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ ((الطلاق:2)ثم ذكر بعد ذلك حكما يعم المطلقات كلهن من تعديد الأشهر وغير ذلك وهو عام في كل مطلقة، فرجع ما بعد ذلك من الأحكام إلى كل مطلقة، قال الشافعي في بيان وجه الاستدلال بالآية:(فكان بينا (والله أعلم) في هذه الآية أنها في المطلقة لا يملك زوجها رجعتها ; من قبل أن الله تعالى لما أمر بالسكنى عاما ; ثم قال في النفقة:( وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ((الطلاق:6) فدل ذلك على أن الصنف الذي أمر بالنفقة على ذوات الأحمال منهن , صنف دل الكتاب على أن لا نفقة على غير ذوات الأحمال منهن، لأنه إذا وجب لمطلقة بصفة ; نفقة ففي ذلك , دليل على أنه لا يجب نفقة لمن كانت في غير صفتها من المطلقات، ولما لم أعلم مخالفا من أهل العلم في أن المطلقة التي يملك زوجها رجعتها ; في معاني الأزواج: كانت الآية على غيرها من المطلقات) [156]

· واستدلوا لإسقاط النفقة بمفهوم قوله تعالى:( وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ((الطلاق:6)، فإن مفهومه أن الحامل لا نفقة لها، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر معنى والسياق يفهم أنها الرجعية، لأن نفقة الرجعية واجبة لو لم تكن حاملا.

القول الثاني: لا سكنى لها , ولا نفقة , وهو قول علي , وابن عباس , وجابر , وعطاء , وطاوس, والحسن وعكرمة , وميمون بن مهران , وإسحاق, وأبي ثور , وداود والظاهر عند الحنابلة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· ما روت فاطمة بنت قيس , (أن زوجها طلقها ألبتة وهو غائب , فأرسل إليها وكيله بشعير فتسخطته , فقال: والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله r فذكرت ذلك له , فقال: ليس لك عليه نفقة ولا سكنى فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك) [157]،وفي لفظ: (فقال رسول الله r : انظري يا ابنة قيس إنما النفقة للمرأة على زوجها ما كانت له عليها الرجعة, فإذا لم يكن له عليها الرجعة , فلا نفقة ولا سكنى)، وهذا الحديث هو المعول عليه عند أصحاب هذا القول، بل هو حجة المسألة، قال ابن القيم:(وأسعد الناس بهذا الخبر من قال به، وأنه لا نفقة لها ولا سكنى، وليس مع رده حجة تقاومه ولا تقاربه) [158]، وقال ابن عبدالبر:(أما من طريق الحجة وما يلزم منها، فقول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأرجح، لأنه ثبت عن النبي r نصا صريحا، فأي شيء يعارض هذا إلا مثله عن النبي r الذي هو المبين عن الله مراده، ولا شيء يدفع ذلك)

وقد تعرض الحديث للتأويل من طرف أصحاب القولين الأول والثالث، ومن أهم التأويلات ما قاله الشافعي في القديم أنه (إنما أمرت به، لأنها استطالت على أحمائها، فأمرت بالتحول عنهم للشر بينها وبينهم، فكأنهم أحبوا لها ذكر السبب الذي له أخرجت، لئلا يذهب ذاهب إلى أن النبي r قضى أن تعتد المبتوتة حيث شاءت)، وهذا الذي ذكره الشافعي هو تأويل عائشة، وبه أجابت مروان لما احتج عليها بالحديث، وقد أجاب ابن القيم على ذلك التأويل بالوجوه التالية:

الوجه الأول: أنه ليس بمذكور في القصة، ولا علق عليه الحكم قط لا باللفظ ولا بالمفهوم، وإن كان واقعا فتعليق الحكم به تعليق على وصف لم يعتبره النبي r، ولا في لفظه قط ما يدل على إسقاط السكنى به، وترك لتعليق الحكم بالوصف الذي اعتبره وعلق به الحكم وهو عدم ثبوت الرجعة.

الوجه الثاني: أن المتأولين للحديث لا يقولون به، فإن المرأة ولو استطالت ولو عصت بما عسى أن تعصى به لا يسقط حقها من السكنى، كما لو كانت حاملا، بل كان يستكري لها من حقها في مال زوجها، وتسكن ناحية.

الوجه الثالث: أن النبي r ذكر لها السبب الذي من أجله سقط حقها من السكنى، وهو سقوط حق الزوج من الرجعة، وجعل هذا قضاء عاما لها ولغيرها، فكيف يعدل عن هذا الوصف إلى وصف لو كان واقعا لم يكن له تأثير في الحكم أصلا.

الوجه الرابع: أنه لو كان التعليل بسلاطة اللسان مع هذا البيان صحيحا لما احتاج عمرt في رده إلى قوله:(لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة)،بل كان يقول:(لم يخرجها من السكنى إلا بذاؤها وسلطها)، ولم يعللها بانفراد المرأة به، وقد كان عمر t يقف أحيانا في انفراد بعض الصحابة، كما طلب من أبي موسى شاهدا على روايته وغيره.

الوجه الخامس: أن فاطمة ،رضي الله عنها، ردت على من أنكر عليها وانتصرت لروايتها ومذهبها.

· أنه لا يصح الاستدلال بالآية، لأن الله تعالى قال :( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى((الطلاق:6) وقال:( لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ((الطلاق:1)، وهذا لو كان كما ظنوه لكان في السكنى خاصة، وأما إيجاب النفقة لها، فليس في القرآن إلا ما يدل على أنه لا نفقة لهن، لأن الله تعالى شرط في وجوب الإنفاق أن يكن من أولات الحمل، وقد قالت فاطمة بنت قيس ،رضي الله عنها، وهي صاحبة القصة في ردها على مروان حين بلغها إنكاره بقولها: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى:( لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا((الطلاق:1)، قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث، وإذا لم يكن لها نفقة، وليست حاملا فعلام يحبسونها؟

· وقد وافق فاطمة على أن المراد بقوله تعالى يحدث بعد ذلك أمر المراجعة قتادة والحسن والسدي والضحاك ولم يحك عن أحد غيرهم خلافة.

· أنه لم يصح عن عمر t أنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة، لأن أحمد أنكره وقال أما هذا فلا، ولكن قال لا نقبل في ديننا قول امرأة، وهذا أمر يرده الإجماع على قبول المرأة في الرواية، فأي حجة في شيء يخالفه الإجماع وترده السنة ويخالفه فيه علماء الصحابة[159].

· أن قول عمر , ومن وافقه من الصحابة y خالفه فيه علي وابن عباس y, ومن وافقهما , ولو لم يخالفه أحد منهم , لما قبل قوله المخالف لقول رسول الله r فإن قول رسول الله r حجة على عمر وعلى غيره.

· أن رد خبرها لأنها امرأة مما لا يقول به أحد، وقد أخذ الناس برواية من هو دون فاطمة، وبخبر الفريعة وهي امرأة، وبحديث النساء كأزواج النبي r وغيرهن من الصحابيات، بل قد احتج العلماء بحديث فاطمة هذا بعينه في أحكام كثيرة[160].

· أن النبي r قضى في المتلاعنين أن لا يبت لها عليه ولا قوت، قال ابن القيم:(ولو لم يكن في المسألة نص لكان القياس يقتضي سقوط النفقة والسكنى، لأنها إنما تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، والبائن قد فقد في حقها ذلك ولهذا وجبت للرجعية لتمكنه من الاستمتاع بها، وأما البائن فلا سبيل له إلى الاستماع بها إلا بما يصل به إلى الأجنبية، وحبسها لعدته لا يوجب نفقة كما لو وطئها اليسرى وكالملاعنة والمتوفى عنها زوجها) [161]

· أنه لا سكنى إلا للرجعية لقوله تعالى :(لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا(، أما قوله تعالى:( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ((الطلاق:6)، فهو راجع إلى ما قبله، وهي المطلقة الرجعية.

· أن السكنى تابعة للنفقة وجارية مجراها، فلما لم تجب للمبتوتة نفقة لم يجب لها سكنى.

القول الثالث: لها السكنى والنفقة، وهو قول ابن شبرمة , وابن أبي ليلى , والثوري , والحسن بن صالح , وأبي حنيفة وأصحابه , والبتي , والعنبري، وروي عن عمر , وابن مسعود، واستدلوا على ذلك بما يلي[162]:

· عن عمر t أنه قال في المطلقة ثلاثا: لها السكنى والنفقة ما دامت في العدة، وعنه قال: لا يجوز في دين المسلمين قول امرأة، وكان يجعل للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة، وعنه أنه قال:(لا ندع كتاب ربنا وسنة رآه لقول امرأة لها السكنى والنفقة)، وروي عن شريح في المطلقة ثلاثا، قال: لها النفقة والسكنى[163].

· أن ما احتج به عمر t في دفع حديث فاطمة بنت قيس حجة صحيحة , لأن الله تعالى قال:( يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ((الطلاق:1) ،ثم قال:( لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا((الطلاق:1)، وقد أجمعوا أن ذلك الأمر هو المراجعة، ثم قال تعالى:( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ((الطلاق:6) ثم قال:( لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ ((الطلاق:1) يريد في العدة، فكانت المرأة إذا طلقها زوجها اثنتين للسنة , على ما أمره الله تعالى به , ثم راجعها , ثم طلقها أخرى للسنة , حرمت عليه , ووجبت عليها العدة التي جعل الله لها فيها السكنى , أو أمرها فيها أن لا تخرج , وأمر الزوج أن لا يخرجها، ولم يفرق الله عز وجل بين هذه المطلقة للسنة التي لا رجعة عليها , وبين المطلقة للسنة التي عليها الرجعة، فلما جاءت فاطمة بنت قيس , فروت عن النبي r أنه قال لها: (إنما السكنى والنفقة لمن كانت عليها الرجعة) خالفت بذلك كتاب الله نصا , لأن كتاب الله تعالى قد جعل السكنى لمن لا رجعة عليها, وخالفت سنة رسول الله r لأن عمر t قد روى عن رسول الله r خلاف ما روت, فخرج المعنى الذي منه أنكر عليها عمر t ما أنكر خروجا صحيحا , وبطل حديث فاطمة , فلم يجب العمل به أصلا[164].

· قوله تعالى: وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ((الطلاق:6), وترك النفقة من أكبر الأضرار.

· أنها معتدة تستحق السكنى عن طلاق فكانت لها النفقة كالرجعية.

· أنها محبوسة عليه لحقه فاستحقت النفقة كالزوجة.

· أنها مطلقة , فوجبت لها النفقة والسكنى , كالرجعية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة أنها من مسائل الخلاف الطويلة، والتي تتكافؤ فيها الأدلة، ولا يمكننا طرح حديث رسول الله r ولا تأويله، ولا يمكننا مع ذلك طرح رأي عمر t بحجة مناقضته لحديث رسول الله r فما كان عمر t يجرؤ على ذلك، ولو لم يبلغ الحديث عمر، أو لو لم يرو عنه بلوغه، لكان في الأخذ بحديث فاطمة حجة لازمة لا يمكن التنازل عنها أو طرحها بأي ضرب من ضروب التأويل، فكيف يمكن الجمع بين الأمرين، وهل هناك إلا الأخذ بأحد القولين؟

والجواب على ذلك، والله أعلم، أن عمر t صح عنده الحديث، ولكنه عمل بخلافه[165]، لأنه من معرفته لسنة رسول الله r وكيفية تعامله في قضاياه، ومن معرفته كذلك لفاطمة بنت قيس وقصتها علم أن المسألة ليست حكما شرعيا لازما، وإنما هي تصرف منه r باعتباره وليا للأمر، فلذلك اختار هو في زمانه واختار شريح وهو قاض من قضاة المسلمين، واختار من بعدهما عمر بن عبد العزيز خلاف حديث فاطمة، لأن حديثها كان خاصا بها، وبمن يشبه حالتها.

ولكن القول بهذا قد يجعل هذا الأمر لعبة بأيدي أولياء الأمور، والكثير منهم ليس في عدل عمر ولا بصيرة شريح، فما الحل في ذلك؟

نرى في هذا والله أعلم أن النفقة والسكنى، بالنسبة للمطلقة ثلاثا حق وليست واجبا، ومعنى كونها حقا، أن لها الخيار في أن تأخذ النفقة وتسكن السكنى، أو أن تترك ذلك جميعا، وهذا ما يفرقها عن المطلقة الرجعية، ولهذا اعتبر رسول الله r هذا التفريق، فأخبرها أن ذلك للمطلقة الرجعية، أي على سبل الوجوب، أما المطلقة البائن فهو حق قد تأخذ به للضرورة، وقد تتركه إذا لم تدع الضرورة إلى ذلك، والنساء يختلفن في ذلك، والظروف تختلف كذلك، فلذلك لم يرد نص صريح عام يقطع الخلاف.

فكان الأوفق لمصلحة المرأة هو ما تراه مناسبا لها، ولهذا من الحرج، ومن التضييق على الناس إلزامهم بقول واحد، وقد كانت فاطمة بنت قيس ،رضي الله عنها، عندما جاءت إلى رسول الله r ترغب في أن لا تعتد في بيت زوجها، فلذلك بلغها رغبتها، وهذا ما فهمه العلماء الفحول من السلف الصالح فعن عمرو بن ميمون , عن أبيه , قال: قلت لسعيد بن المسيب: أين تعتد المطلقة ثلاثا ؟ فقال: في بيتها , فقلت له: أليس قد أمر رسول الله r فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم ؟ فقال: تلك المرأة فتنت الناس واستطالت على أحمائها بلسانها فأمرها رسول الله r أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم , وكان رجلا مكفوف البصر)

والنصوص المختلفة التي روي بها حديث فاطمة تؤكد هذا المعنى، وقد أخذ البخاري الترجمة من مجموع ما ورد في قصة فاطمة من روايات، فرتب الجواز على أحد الأمرين: إما خشية الاقتحام عليها، وإما أن يقع منها على أهل مطلقها فحش من القول[166].

قال ابن حجر:(فإذا جمعت ألفاظ الحديث من جميع الإشارة، خرج منها أن سبب استئذانها في الانتقال ما ذكر من الخوف عليها، واستقام الاستدلال حينئذ على أن السكنى لم تسقط لذاتها، وإنما سقطت للسبب المذكور)،.

وقد روي في بعض روايات الحديث أن رسول الله r إنما أمرها أن تنتقل حين خافت زوجها عليها، فقد روي أنها قالت: يا رسول الله إن زوجي طلقني, وإنه يريد أن يقتحم, قال انتقلي عنه، وقد وجه الطحاوي بعض ما يبدو من تناقض بين هذه الرواية وما روي في هذا الباب أنه طلقها وهو غائب , أو طلقها ثم غاب فخاصمت ابن عمه في نفقتها ,فقال:(ما تضادا , لأنه قد يجوز أن تكون فاطمة لما طلقها زوجها , خافت على الهجوم عليها، وسألت النبي r، فأتاها بالنفقة ثم غاب بعد ذلك , ووكل ابن عمه بنفقتها , فخاصمت حينئذ في النفقة وهو غائب , فقال لها رسول الله r :(لا سكنى لك ولا نفقة) [167]

أما ما روي من تخطئة عمر t والسلف الصالح لها، فليس من باب الإنكار على تحديثها، فهم يعرفون عدالتها وعقلها ودينها، ولكنها كانت تدعو إلى ذلك وتخالف ولي الأمر فيه مما قد يتناقض مع مصالح المسلمين.

وقد روى الشعبي ما يدل على هذا، فقد قال: لقيني الأسود بن يزيد فقال: يا شعبي اتق الله وارجع عن حديث فاطمة بنت قيس، فإن عمر كان يجعل لها السكنى والنفقة، قلت: لا أرجع عن شيء حدثتني به فاطمة بنت قيس عن رسول الله r، فالشعبي كان يرى استمرار الحديث، ومن نصحه بعدم خلاف عمر t نصحه بعدم خلاف ولي الأمر، لأن الشعبي وغيره من الصحابة y خالفوا عمر t في كثير من المسائل مما لا علاقة لها بولي الأمر، ولم ينكر عليهم في ذلك.

أما الاستدلال بالقرآن الكريم، فإن القرآن حمال وجوه، ولا يمكننا أن ننصر وجها من الوجوه إلا وجدنا من ينصر غيره، وليس عقلنا بأقوم ممن استدل من القرآن بأي وجوه من الوجوه، فلذلك نرى في هذا حكمة الأسلوب القرآني في تحميل النص احتمال التأويل والتوجيهات المختلفة، ليفتح بذلك دائرة أوسع مما تحتمله العبارة، بل نرى في عدم التصريح القرآني الذي يقطع الخلاف إرادة كل ما توجه إليه الخلاف.

ثم لا ينبغي بعد هذا بدعوى التعصب للسنة، ثم نرى حديث فاطمة، أن نرى كل من ترك القول بذلك مبتعدا عن السنة، ولا ينبغي أن نقول ما قالوا :إن الحديث أولى من قول عمر، لأن الذي أتى بالسنة هو الذي أمر بالاهتداء بهدي عمر، فترك قول عمر ترك للسنة، ثم إن فهمنا للحديث وملابساته لن يصل أبدا إلى جزء ضئيل مما وصل إليه فهم عمر t والسلف الصالح من حوله ومن بعده.

ثم نسأل هؤلاء، بأي حق، أم بأي دين، نقول للمطلقة ثلاثا بمجرد بينونتها من زوجها: اخرجي إلى الشارع، فلا مكان لك هنا ولا نفقة، قد يكون للمرأة أهل تأوي إليهم أو بيت تسكن فيه، فتستغني عن الزوج بذلك، ولكن هناك بجانبها الكثيرات ممن قد لا يجدن أهلا ولا مالا، وقد يطلقن ليلا، فلا يصبح لهن على مقتضى قولهم حق في المبيت، أليس من الأجدى، ومن الأوفق بمقاصد الشرع أن نجعل لهن مدة يتبصرن فيها ما يعملن، وكيف يتصرفن، ويكون للمتسبب في الضرر تكاليف تلك المدة، أم نأمرهن بالخروج ليفسحن المجال لغيرهن، ثم لا نهتم بعد ذلك بمصيرهن.

قد يقال: إن المجتمع سيكفلهن كما وجدت فاطمة بيت ابن أم مكتوم، ولكن، هل في كل المجتمعات من هو كابن مكتوم، وهل شرعت الشرائع للأجيال الفريدة، والأحوال المثالية أم شرعت لكل الأحوال.

إن نظرة للمسألة ـ وهي ليست مسألة نادرة، بل إنها على اعتبار قول الجمهور الذين يفسخون عقدة الزواج لأتفه الألفاظ والأسباب، مسألة كثيرة الحدوث ـ تحتاج إلى نظرة أكثر واقعية، وبعين الشرع الرحيم، فلا ننظر فقط إلى الزاوية التي ترى أن العدة مرتبطة فقط باحتمال رجوعها لزوجها، بل تراها كذلك فرصة للملمة الجراح، والتفكير المنطقي، فلا تفاجأ المرأة بين عشية وضحاها بنفسها، وهي تجوب أنحاء الشوارع.

وقد يقال بعد هذا، فأين القول الأول، وهو قول وسط، فلماذ لا يكون راجحا؟ والجواب على ذلك عدم انسجام هذا القول مع المقاصد الشرعية من وجوب الإنفاق على من وجب له الإيواء، فكيف نؤويها في بيتها ونحبسها فيه ثم نحرمها من نفقتها، وقد قالت فاطمة بنت قيس في مثل هذا: (فكيف تحبس امرأة بغير نفقة) [168]

بل إن القول الذي حكاه الشوكاني عن الزيدية في هذا وروي عن أحمد من أنها تستحق النفقة دون السكنى[169]، أولى من هذا القول، لأن المرأة بالنسبة للسكنى قد تجد من يؤويها، لكنها لا تجد من يطعمها.

الاختلاف في انتهاء العدة:

اتفق الفقهاء[170] على أنه إن اختلفا في انقضاء العدة فالقول قولها مع يمينها ; لأن ما في رحمها لا يعلمه غيرها فتكون أمينة فيه مقبولة القول , ولأنها متمسكة بالأصل والأصل بقاء العدة , واستحقاق النفقة كان ثابتا لها فيبقى ما لم يظهر انقضاء العدة , وبقول الزوج ذلك لا يظهر في حقها ; لأن قوله ليس بحجة عليها , فإن أقام الزوج البينة على إقرارها بانقضاء العدة برئ من النفقة ; لأن ثبوت إقرارها بالبينة كثبوته بالمعاينة.

إذا ادعت المطلقة أنها آيسة وقد انقضت عدتها بالأشهر، فإن ناكرها زوجها في مضي الأشهر فعليها البينة، وإن ناكرها في الإياس فإن كان الإياس لصغر، فالقول قولها إذ هو الأصل، وإن كان لكبر فعليه البينة ببلوغها مدة الإياس.

وفي حال ادعاء المرأة انتهاء العدة في مدة يستحيل انتهاؤها فيها، فإنه لا تصدق المرأة في ذلك إذا أنكر الزوج قولها, وقد اختلف الفقهاء في المدة التي يستحيل فيها انتهاء عدتها على قولين:

القول الأول: أن العبرة ليست بالمدة، وإنما بإقامة المرأة البينة على ذلك، وهي أربع عدول من النساء عالمات , يشهدن أنها حاضت حيضا أسود ثم طهرت منه، وهكذا إلى ثلاثة أقراء، أو بشهادة امرأتين كذلك مع يمينها، وهو قول ابن حزم، ومن الأدلة على ذلك:

· أن الله تعالى لم يحد في ذلك حدا , ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومن الباطل المتيقن أن يكون تعالى أراد أن يكون للأقراء مقدار لا يكون أقل منه ثم يسكت عن ذلك.

· أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكم بالبينة على من ادعى , وهي مدعية بطلان حق ثابت لزوجها في رجعتها، أحبت أم كرهت - فلا تصدق إلا ببينة عدل.

· عن الشعبي , قال: جاءت امرأة إلى علي بن أبي طالب قد طلقها زوجها فادعت أنها حاضت ثلاثة حيض في الشهر ؟ فقال علي لشريح: قل فيها ؟ فقال شريح: إن جاءت ببينة - ممن يرضى دينه , وأمانته - من بطانة أهلها أنها حاضت في شهر ثلاثا: طهرت عند كل قرء وصلت , فهي صادقة ؟ وإلا فهي كاذبة , فقال علي: قالون - يعني: أصبت بالرومية.

· عن قتادة قال: إن امرأة طلقت فحاضت في نحو من أربعين ليلة ثلاث حيض , فاختصموا إلى شريح فرفعهم إلى علي بن أبي طالب ؟ فقال علي: إن شهد أربعة من نسائها أن حيضها كان هكذا أبانت منه , وإلا فلتعتد ثلاث حيض في ثلاثة أشهر.

· عن إبراهيم النخعي في امرأة حاضت في شهر أو أربعين ليلة ثلاث حيض ؟ قال: إذا شهدت لها العدول من النساء أنها قد رأت ما يحرم عليها الصلاة من طموث النساء الذي هو الطموث المعروف , فقد خلا أجلها.

القول الثاني: تحديد مدة العدة، وهو قول الجمهور، وقد اختلفوا في هذا التحديد بناء على أقوالهم في مدد الحيض والنفاس، ومن الأقوال في ذلك:

· لا تصدق في انقضاء العدة في أقل من ستين يوما، ولا تصدق النفساء في أقل من خمسة وثمانين يوما، وهو قول أبي حنيفة.

· لا تصدق في انقضاء العدة في أقل من تسعة وثلاثين يوما، وهو قول أبي يوسف , ومحمد بن الحسن , وسفيان في أحد قوليه، لأنه يجعلها مطلقة في آخر طهرها , ثم ثلاث حيض , كل حيضة من ثلاثة أيام - وهو أقل الحيض عندهم - وطهران , كل طهر خمسة عشر يوما - وهو أقل الطهر عندهم.

· لا تصدق المعتدة بالأقراء في أقل من خمسة وأربعين يوما، وهو قول الحسن بن حي.

· لا تصدق في أقل من أربعين يوما، وهو قول الأوزاعي.

· إن لم تأت ببينة لم تصدق في أقل من ثلاثة أشهر، وهو قول أبي عبيد.

· لا تصدق في أقل من اثنين وثلاثين يوما وبعض يوم, وهو أحد أقوال الشافعي; لأن أقل الحيض عنده في هذا القول يوم , , وأقل الطهر خمسة عشر يوما.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أنها من المسائل التي يستفتى فيها أهل الاختصاص من الأطباء وغيرهم، والظاهر فيها، والله أعلم، أن المدة العادية تقارب ثلاثة أشهر، والدليل على ذلك هو أن الله تعالى جعل عدة اليائس ثلاثة أشهر في مقابل القروء الثلاثة لغيرها، وهو يدل على أن المدتين تتقاربان.

الاختلاف في وقت التطليق:

إن طلق امرأته , وكانت حاملا فوضعت , فقال: طلقتك حاملا , فانقضت عدتك بوضع الحمل , وانقطعت نفقتك ورجعتك، فقالت: بل طلقتني بعد الوضع , فلي النفقة , ولك الرجعة، فالقول قولها ; لأن الأصل بقاء النفقة , وعدم المسقط لها , وعليها العدة , ولا رجعة للزوج ; لإقراره بعدمها إلا إذا رجع إلى قولها فصدقها , فله الرجعة ; لأنها مقرة له بها.

أما لو قال: طلقتك بعد الوضع , فلي الرجعة , ولك النفقة، فقالت: بل طلقتني وأنا حامل. فالقول قوله ; لأن الأصل بقاء الرجعة , ولا نفقة لها , ولا عدة عليها ; لأنها حق لله تعالى , فالقول قولها فيها. وإن عاد فصدقها , سقطت رجعته , ووجب لها النفقة.

وربما يكون الأرجح في هذا هو اعتبار عدالة الزوج وصدقه، لأنه هو المطلق، وهو أدرى بالوقت الذي طلق فيه، وقد قال ابن تيمية:(إذا أقر الزوج أنه طلق زوجته من مدة تزيد على العدة الشرعية فإن كان المقر فاسقا أو مجهول الحال لم يقبل قوله في انقضاء العدة التي فيها حق الله تعالى، وإن كان عدلا غير متهم مثل أن يكون غائبا فلما حضر أخبرها أنه طلقها من مدة كذا وكذا. فهل العدة حين بلغها الخبر إذ لم تقم بذلك بينة أو من حين الطلاق ؟ كما لو قامت به بينة فيه خلاف مشهور عند أحمد والمشهور عنه هو الثاني)[171]

الحامل المطلقة ثلاثا:

أجمع العلماء[172] على أن الرجل إذا طلق امرأته طلاقا بائنا سواء كان ثلاثا , أو بخلع , أو بانت منه بفسخ , وكانت حاملا فلها النفقة والسكنى، واستدلوا على ذلك بما يلي:

· قول الله تعالى :﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ (الطلاق:6)، فالآية صريحة في وجوب الإنفاق على الحامل حتى تضع حملها.

· في بعض أخبار فاطمة بنت قيس: (لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا) [173]

· أن الحمل ولده , فيلزمه الإنفاق عليه , ولا يمكنه النفقة عليه , إلا بالإنفاق عليها , فوجب, كما وجبت أجرة الرضاع.

علة الإنفاق على الحامل:

اختلف الفقهاء في علة الإنفاق على الحامل، هل هي من أجل الحمل، أو للحمل على قولين[174]:

القول الأول: تجب للحمل، وهي رواية عند الحنابلة وقول عند الشافعية، لأنها تجب بوجوده , وتسقط عند انفصاله , فدل على أنها له.

القول الثاني: أنها تجب لها من أجله، وهو رواية عند الحنابلة وقول عند الشافعية، لأنها تجب مع اليسار والإعسار , فكانت له كنفقة الزوجات , ولأنها لا تسقط بمضي الزمان , فأشبهت نفقتها في حياته.

القول الثالث: أنها تجب لها خصوصا، لا لأجله، وهو قول الحنفية، وقول من يقول بأن للمطلقة ثلاثا النفقة والسكنى، وقد أسهب الطحاوي في بيان الدليل العقلي على ذلك، وهو استدلال مهم مرتبط بالمقاصد الشرعية من النفقات، ولا بأس أن نلخصه هنا، فقد انطلق في استدلاله من أن الإجماع انعقد على أن المطلقة طلاقا بائنا , وهي حامل من زوجها , أن لها النفقة على زوجها , لقوله تعالى:﴿ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ (الطلاق:6)

وتلك النفقة المأمور بها يحتمل أن تكون جعلت على المطلق , لأنه يكون عنها ما يغذي الصبي في بطن أمه فيجب ذلك عليه لولده , كما يجب عليه أن يغذيه في حال رضاعه بالنفقة على من ترضعه , ويحتمل أن تكون قد جعلت للمطلقة خاصة , لعلة العدة , لا لعلة الولد الذي في بطنها، فإن كانت النفقة على الحامل إنما جعلت لها لمعنى العدة , ثبت قول الذين قالوا (للمبتوتة النفقة والسكنى حاملا كانت أو غير حامل) وإن كانت العلة التي بها وجبت النفقة هي الولد , فإن ذلك لا يدل على أن النفقة واجبة لغير الحامل.

أما الرجل فإنه إذا طلق امرأته وهي حامل , فحكم القاضي لها عليه بالنفقة , فأنفق عليها حتى وضعت ولدا حيا , وكان لهذا الولد مال من إرث أو غيره ،فإنه ليس للأب , في قولهم جميعا , أن يرجع على ابنه بما كان أنفق على أمه بحكم القاضي لها عليه بذلك , إذا كانت حاملا به، فثبت بذلك أن النفقة على المطلقة الحامل , هي لعلة العدة التي هي فيها , من الذي طلقها , لا لعلة ما هي به حامل منه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثالث بناء على أن للمطلقة ثلاثا حق النفقة والسكنى كما مر بيانه في المسألة السابقة.

أما على عدم اعتبار ذلك، فإن الأرجح من القولين هو القول الثاني لعدم انفصال حملها عنها، وإنما اخترنا هذا القول لما ينبي على الخلاف بين القولين الأولين من الآثار التي قد تتضرر بها الزوجة بناء على القول الأول، ومن تلك الآثار:

أن الزوجة إن كانت حاملا من نكاح فاسد , أو وطء شبهة , فعلى القول الأول هي على الزوج والواطئ ; لأنه ولده , فلزمته نفقته مثلما تلزمه بعد الوضع، أما على القول الثاني فإنه لا نفقة عليه ; لأنها ليست زوجة يجب الإنفاق عليها.

أنه إن نشزت امرأة , وهي حامل , فعلى القول الأول: لم تسقط نفقتها ; لأن نفقة ولده لا تسقط بنشوز أمه أما على القول الثاني فلا نفقة لها ; لأنها ناشز.

الحامل المتوفى عنها زوجها:

اختلف الفقهاء في وجوب نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها على الأقوال التالية[175]:

القول الأول: لا نفقة لها، وهو قول جابر بن عبد الله وابن عباس وسعيد ابن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعبد الملك ابن يعلى ويحيى الأنصاري وربيعة ومالك وأحمد وإسحاق وحكى أبو عبيد ذلك عن أصحاب الرأي.

القول الثاني: أن لها النفقة من جميع المال، وروى هذا القول عن علي وعبد الله وبه قال ابن عمر وشريح وابن سيرين والشعبي وأبو العالية والنخعي وجلاس بن عمرو وحماد ابن ابي سليمان وأيوب السختياني وسفيان الثوري وأبو عبيد، وقد حكي الشوكاني القول بوجوب نفقة المتوفى عنها عن ابن عمر والهادي والقاسم والناصر والحسن بن صالح.

القول الثالث: التفصيل، وقد ذكره الجصاص، قال: روى الحكم عن إبراهيم قال: (كان أصحاب عبد الله يقضون في الحامل المتوفى عنها زوجها إن كان المال كثيرا فنفقتها من نصب ولدها , وإن كان قليلا فمن جميع المال) [176]

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة القول بالتفصيل الذي ذكره أصحاب القول الثالث بناء على الظروف المختلفة التي تكون عليها الحامل، ومن نصيبها المقدر لها، فإن كان هذا النصيب كثيرا كافيا، فإنها لا تحتاج للأخذ من مال الورثة، أما إن كان النصيب قليلا لا يكفيها لظرفها الطارئ، ووضعها لا يتحمل أي عمل أو مشقة، فإن لها الحق في أن تأخذ من المال جميعا ما يسد هذه الحاجة، والآية بذلك تحتملها ، وهي قوله تعالى: فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ (الطلاق:6)، لأن الإنفاق عليها إما أن يكون من الزوج في حال حياته، أو من ماله في حال موته.

ونرى أن هذا القول لازم عن القول الأول الذي دلت عليه الأدلة الكثيرة، وهو لا يتناقض معه، وإنما هو حالة من حالاته التي أشار إليها القرآن الكريم، ولأجل التوسعة بها وقع الخلاف.

وقت دفع نفقة الحامل:

اختلف الفقهاء في الوقت الذي تدفع فيه نفقة الحامل على قولين:

القول الأول: يلزم الزوج دفع نفقة الحامل المطلقة إليها بحسب حاجتها كزوجته العادية، وهو قول الحنابلة وقول عند الشافعية، فمتى ادعت الحمل فصدقها , دفع إليها , فإن كان حملا, فقد استوفت حقها , وإن بان أنها ليست حاملا , أرجعت إليه نفقته , سواء دفع إليها بحكم الحاكم أو بغيره , وسواء شرط أنها نفقة أو لم يشترط، وإن أنكر حملها , نظر النساء الثقات , فرجع إلى قولهن , ويقبل قول المرأة الواحدة إذا كانت من أهل الخبرة والعدالة ; لأنها شهادة على ما لا يطلع عليه الرجال.

القول الثاني: لا يلزمه دفعها إليها حتى تضع، وهو قول عند الشافعية، واستدلوا على ذلك بأن الحمل غير متحقق ولهذا قالوا بوقف الميراث إلى تبين الحمل.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول لأن الأساس في تشريع النفقة هو الحاجة، فإذا تركنا الحامل في فترة حاجتها للجوع والعطش والعري، فما يجديها بعد ذلك إن سلمت وسلم حملها أن ندفع لها حق ولادته، مع أن النص صريح في أن النفقة مأمور بها إلى غاية حددها الشرع بـ ﴿ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (الطلاق:6)﴾، ولم يقلن النص القرآني(حين يضعن حملهن)

الإرث في العدة :

وقد تحدثنا عن أحكامها في محلها الخاص من حق الزوجين في التوارث من الجزء الخاص بالحقوق المادية للزوجة.

دفع الزكاة للمعتدة :

اتفق الفقهاء على أن المعتدة إذا وجبت نفقتها على زوجها مدة العدة فلا يجوز إعطاؤها من الزكاة وفي حالة عدم وجوبها عليه في العدة أو بعدها فإنه يجوز إعطاؤها من الزكاة لعدم وجوب النفقة عليه.

الأثر الخامس:علاقة الزوج بالمعتدة

ويتعلق بهذا الأثر المسائل التالية:

حكم معاشرة المعتدة ومساكنتها:

اتفق الفقهاء على أن المعتدة من طلاق بائن حكمها حكم الأجنبية , فلا يجوز للمطلق معاشرتها ومساكنتها أو الخلوة بها أو النظر إليها , لانقطاع آثار الزوجية , فلا تحل له إلا بعقد ومهر جديدين في البينونة الصغرى , أو أن تنكح زوجا غيره ثم يفارقها في البينونة الكبرى.

واختلفوا في معاشرة المعتدة من طلاق رجعي أو مساكنتها والاستمتاع أو الخلوة بها على قولين:

القول الأول: أنه لا يجوز للمطلق لزوجته طلاقا رجعيا معاشرتها ومساكنتها في الدار التي تعتد فيها، بل يجب عليه الخروج من المسكن , إلا إذا كانت الدار واسعة ومعها محرم مميز يستحى منه ويكون بصيرا، وهو قول المالكية والشافعية وفي رواية للحنابلة , واستدلوا على ذلك بما يلي:

· أنه يؤدي إلى الخلوة بها وهي محرمة عليه.

· أن في ذلك إضرارا بها وقد قال تعالى :﴿ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ﴾ (الطلاق:6)

· أن الطلاق رفع لحل النكاح ومقدماته , فلا يجوز الدخول عليها أو الأكل معها أو لمسها أو النظر إليها.

القول الثاني: أنه يجوز الاستمتاع بالرجعية والخلوة بها ولمسها والنظر إليها بنية المراجعة , أو بدونها مع الكراهة التنزيهية، وهو قول الحنفية وظاهر مذهب الحنابلة, لأنها في العدة كالزوجة يملك مراجعتها بغير رضاها، وهو قول الظاهرية، فقد نص ابن حزم على أبعد مما ذكروا فقال مبينا رأية ووجه استدلاله: (إن المطلقة طلاقا رجعيا فهي زوجة للذي طلقها ما لم تنقض عدتها , يتوارثان, ويلحقها طلاقه , وإيلاؤه , وظهاره , ولعانه إن قذفها , وعليه نفقتها , وكسوتها , وإسكانها، فإذ هي زوجته فحلال له أن ينظر منها إلى ما كان ينظر إليه منها قبل أن يطلقها , وأن يطأها , إذ لم يأت نص بمنعه من شيء من ذلك، وقد سماه الله تعالى بعلا لها , إذ يقول تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾(البقرة: 228)) [177]

ثم قال مؤكدا على رأية الذي قد يفهم منه قصد الرجعة:(فإن وطئها لم يكن بذلك مراجعا لها حتى يلفظ بالرجعة ويشهد , ويعلمها بذلك قبل تمام عدتها , فإن راجع ولم يشهد فليس مراجعا لقول الله تعالى: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ (الطلاق:2) فرق عز وجل بين المراجعة , والطلاق والإشهاد , فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض)

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو جواز مساكنة الزوج لمطلقته الرجعية، وحرمة مباشرتها أو معاشرتها الجنسية، للمصالح المترتبة عن ذلك، فيترتب عن جواز المساكنة، احتمال رجعته لها، وهو مقصد من مقاصد الشريعة، ويترتب عن حرمة معاشرتها جنسية أمران:

· استبراء رحمها، لأنه مقصد من مقاصد العدة ومعاشرتها تؤدي إلى الإخلال بهذا المقصد.

· أن معاشرتها جنسيا، مع كونه مطلقا لها، قد يزيل رغبته في رجعتها، بخلاف ما لو حرم عليه ذلك ومنع منه مع كونه مساكنا لها، وهي تتزين له، فقد يدعوه ذلك إلى رجعتها، فيتحقق مقصود الشرع، أو يستمر في عدم رجعتها، فيدل ذلك على النفرة الشديدة منها وأنه طلقها طلاق رغبة ووطر لا طلاق حال.

وقد أشار إلى بعض ما ذكرنا السرخسي بقوله :(والمعتدة من طلاق رجعي تتشوف وتتزين له لأن الزوجية باقية بينهما, وهو مندوب على أن يراجعها وتشوفها له يرغبه في ذلك) [178]

أما إن كان لا يرجو مراجعتها، فإن الأولى هو الأخذ بالقول الأول، حتى لا يرجعها شهوة، ثم يعود لتطليقها فيكثر ذلك من عدد الطلقات، وقد أشار إلى هذا أيضا السرخسي بقوله :(فإن كان من شأنه أن لا يراجعها، فأحسن ذلك أن يعلمها بدخوله عليها بالتنحنح وخفق النعل كي تتأهب لدخوله، لا لأن الدخول عليها بغير الاستئذان حرام، ولكن المرأة في بيتها في ثياب مهنتها فربما يقع بصره على شيء منها وتقترن به الشهوة فيصير مراجعا لها بغير شهود وذلك مكروه , وإذا صار مراجعا وليس من قصده إمساكها احتاج إلى أن يطلقها وتستأنف العدة فيكون إضرارا بها من حيث تطويل العدة) [179]

ثبوت النسب في العدة

اختلف الفقهاء في ثبوت النسب في العدة على قولين:

القول الأول: ثبوت نسب الولد في العدة , ما دام قد ولد في نطاق الحد الأقصى لمدة الحمل من وقت الطلاق أو الموت , فيثبت نسبه ولا ينتفي عنه إلا باللعان - سواء أقرت المعتدة بانقضاء عدتها أو لم تقر، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة.

القول الثاني: التفريق في ثبوت النسب بين المعتدة التي أقرت بانقضاء عدتها أو لم تقر , وبين البائن والرجعية والمتوفى عنها، وهو قول الحنفية، فإذا أقرت بانقضاء العدة , ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر ثبت نسبه اتفاقا ; لأنه ظهر عكسه بيقين , فصارت كأنها لم تقر به بخلاف ما لو جاءت به لستة أشهر فأكثر فإنه لا يثبت نسبه ،لأنه لم يظهر عكسه , فيكون من حمل حادث بعده ولأنها أتت به بعد الحكم بقضاء عدتها وحل النكاح لها بمدة الحمل , فلم يلحق به كما لو أتت به بعد انقضاء عدتها بوضع حملها لمدة الحمل.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذكرناه في الجزء الخاص بحقوق الأولاد النفسية والصحية من أن النسب في الأصل ثابت للأبوين إلا إذا نفاه الإمكان الواقعي، والمرجع في ذلك ليس ما نص عليه الفقهاء من التحديدات التي يعود معظمها للمعارف الموجودة في عهدهم أو للأخبار التي تردهم، فيفتون على أساسها، وإنما لأهل الاختصاص من العلماء والأطباء بشرط العدالة والجزم.



([1]) لسان العرب:3/181.

([2]) شرح البهجة :4/343.

([3]) دليل الطالب:275.

([4]) البخاري: 5/2042، مسلم: 2/1124، ابن حبان: 10/140، الترمذي: 3/501، البيهقي: 7/439، أبو داود: 2/290، النسائي:3/384، المجتبى: 6/198، ابن ماجة: 1/674، الموطأ: 2/597، أحمد: 6/37.

([5]) سبق تخريجه.

([6]) المغني:8/78.

([7]) المحلى:9/358.

([8]) مجموع فتاوى ابن تيمية: 32/293.

([9]) الإنصاف للمرداوي: 9/295، المغني: 7/108، الأم: 5/216، إعلام الموقعين: 2/90.

([10]) إذا تزوج الرجل امرأة وهي حامل من الزنا جاز نكاحه عند أبي حنيفة ومحمد, ولكن لا يجوز وطؤها حتى تضع , لئلا يصير ساقيا ماءه زرع غيره , لقول الرسول r: « لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره »وقوله r: « لا توطأ حامل حتى تضع »فهذا دليل على امتناع وطئها حتى تضع حملها. خلافا للشافعية الذين يقولون بجواز النكاح والوطء للحامل من زنا على الأصح , إذ لا حرمة له، وقد سبق ذكر المسألة بتفاصيلها في محلها.

([11]) سبق تخريجه.

([12]) وقد نصوا على أن الاستبراء يكون بثلاث حيض، قال ابن عرفة: براءة الحرة من وطء زنا أو غلط أو غيبة ; غصب أو سبي أو مالك ارتفع باستحقاق ثلاث حيض استبراء لا عدة، انظر: التاج والإكليل: 5/478.

([13]) سبق تخريجه.

([14]) إعلام الموقعين: 2/90.

([15]) الفتاوى الكبرى: 3/178.

([16]) المبسوط: 5/22.

([17]) قواعد الأحكام: 2/160.

([18]) بدائع الصنائع: 3/200.

([19]) سبق تخريجه.

([20]) سنتحدث عن هذه المسألة عند الحديث عن الإجهاض في الجزء الخاص بالحقوق النفسية والصحية للأولاد.

([21]) الأم: 5/237.

([22]) لسان العرب:1/130، الغريب لابن قتيبة:1/206.

([23]) لكن ابن عبد البر أنكر الاحتجاج بهذا، فقال: « وقد احتج أصحابنا بهذا وهذا عندي ليس بشيء لأن التذكير في العدد إنما جاء على لفظ القرء وهي مذكرة» التمهيد: 15/98.

([24]) سبق تخريجه.

([25]) الطبري: 2/442.

([26]) التمهيد: 15/98.

([27]) التمهيد: 15/98.

([28]) زاد المعاد: 5/601.

([29]) قال ابن العربي :هذه الآية من أشكل آية في كتاب الله تعالى من الأحكام , تردد فيها علماء الإسلام , واختلف فيها الصحابة قديما وحديثا , ولو شاء ربك لبين طريقها وأوضح تحقيقها , ولكنه وكل درك البيان إلى اجتهاد العلماء ليظهر فضل المعرفة في الدرجات الموعود بالرفع فيها ; وقد أطال الخلق فيها النفس , فما استضاءوا بقبس , ولا حلوا عقدة الجلس، أحكام القرآن :1/250.

([30]) ابن ماجة: 1/627، البيهقي: 7/369، قال ابن حجر: وفي إسناده عمر بن شبيب وعطية العوفي وهما ضعيفان، تلخيص الحبير:3/213.

([31]) سبق تخريجه.

([32]) سبق تخريجه.

([33]) أحكام القرآن :1/250.

([34]) شرح النووي على مسلم:10/63.

([35]) ولم يخالف في ذلك - كما قال ابن قدامة - إلا الزهري حيث قال: تعتد بثلاثة قروء سوى الطهر الذي طلقها فيه , وحكي عن أبي عبيد أنه إن كان جامعها في الطهر لم يحتسب ببقيته ; لأنه زمن حرم فيه الطلاق , فلم يحتسب به من العدة كزمن الحيض. وإن طلقها حائضا انقضت عدتها برؤية الدم من الحيضة الرابعة وهذا قول زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وأبان بن عثمان وأبي ثور لئلا تزيد العدة على ثلاثة أشهر.

([36]) وقد نصوا على أنه إن مات قبل أن تغتسل أو قبل أن يذهب وقت الصلاة فلها الميراث لأن عدتها باقية ما لم تغتسل وكذلك إن اغتسلت وبقي عضو لأن عدتها لا تنقضي مع بقاء عضو لم يصبه الما، المبسوط: 6/168.

([37]) وقد اختلف الحنفية فيما إذا تيممت ولم تصل هل تنتهي العدة وتنقطع الرجعة ؟ قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا تنقضي العدة ولا تنقطع الرجعة للعلة السابقة, وقال محمد: تنتهي العدة وتنقطع الرجعة ; لأنها لما تيممت ثبت لها حكم من أحكام الطاهرات وهو إباحة الصلاة فلا يبقى الحيض ضرورة، وقد سبق بيان المسألة وأدلتها في محلها، انظر: بدائع الصنائع: 3/183.

([38]) انظر: الجصاص: 2/38.

([39]) وللحنابلة في انقضاء العدة وإباحة المعتدة للأزواج بالغسل من الحيضة الثالثة بناء على القول بأن القرء هو الحيض رأي آخر هو أنها في العدة ما لم تغتسل , فيباح لزوجها ارتجاعها , ولا يحل لغيره نكاحها لأنها ممنوعة من الصلاة بحكم حدث الحيض فأشبهت الحائض، انظر: المبدع: 7/336، الإنصاف للمرداوي: 8/457.

([40]) انظر هذه الآثار بأسانيدها في: المحلى:10/32.

([41]) للشافعية قول آخر هو أن المعتدة المتحيرة تعتد بثلاثة أشهر بعد سن اليأس , أو تتربص أربع سنين أو تسعة أشهر للاحتياط , قياسا على من تباعد حيضها وطال طهرها , أو لأنها قبل اليأس متوقعة للحيض المستقيم انظر: مغني المحتاج: 1/289.

([42]) المنتقى: 4/134.

([43]) المغني: 8/91.

([44]) المحلى:10/50.

([45]) وقال ابن شاس: المرتابة بتأخر الحيض وهي من أهله إن ارتفع لغير عارض معلوم، ولا سبب معتاد أن يؤثر في رفع الحيض فهذه تتربص تسعة أشهر غالب مدة الحمل استبراء، فإن حاضت في خلالها حسبت ما مضى قرءا، ثم تنتظر القرء الثاني إلى تسعة أشهر أيضا، فإن حاضت احتسبت به قرءا آخر وكذلك في الثالث فإن مضت لها تسعة أشهر، ولم تحض استأنفت الاعتداد بثلاثة أشهر، ويكون الكل سنة، فإن حاضت قبل تمام السنة ولو بساعة استقبلت الحيض، وعبارة ابن عرفة لو رأت في السنة حيضا ولو في آخرها انتظرت سنة كذلك حتى تتم سنة بيضاء أو ثلاث حيض، انظر: التاج والإكليل: 4/143.

([46]) وفي قول للشافعية في القديم: أن المرتابة تتربص أكثر مدة الحمل: أربع سنين لتعلم براءة الرحم بيقين , وقيل في القديم أيضا: تتربص ستة أشهر أقل مدة الحمل , فحاصل المذهب القديم: أنها تتربص مدة الحمل غالبه أو أكثره أو أقله , ثم تعتد بثلاثة أشهر في حالة عدم وجود حمل، انظر: الوسيط: 6/123.

([47]) المغني: 8/87.

([48]) ونص الشافعية في الجديد على أنه لو حاضت بعد اليأس في الأشهر الثلاثة وجبت الأقراء , للقدرة على الأصل قبل الفراغ من البدل , ويحسب ما مضى قرءا قطعا ; لأنه طهر محتوش بدمين , أو بعد تمام الأشهر فأقوال أظهرها: إن نكحت بعد الأشهر فقد تمت العدة والنكاح صحيح , وإلا فالأقراء واجبة في عدتها , لأنه ظهر أنها ليست آيسة , وقيل: تنتقل إلى الأقراء مطلقا تزوجت أم لا , وقيل: المنع مطلقا , لانقضاء العدة ظاهرا , قياسا على الصغيرة التي حاضت بعد الأشهر. والمعتبر في اليأس يأس عشيرتها , وفي قول: يأس كل النساء للاحتياط وطلبا لليقين، انظر: حاشية البجيرمي: 4/79، روضة الطالبين: 8/371.

([49]) المحلى: 10/50.

([50]) المحلى: 10/50.

([51]) الفتاوى الكبرى: 3/218.

([52]) أحكام القرآن لابن العربي: 4/245.

([53]) وقد نص المالكية على أن هذا القول شاذ قال اللخمي: رواية ابن عبد الحكم في الأمة تطيق الوطء ولا تحمل غالبا كبنت تسع وعشر لا يجب استبراؤها خلاف رواية ابن القاسم فيها وجوب الاستبراء، وظاهر ترجيح اللخمي هذه الرواية بقوله قياسا على الحرة المعتدة أن الحرة لا خلاف فيها , ونقل الصقلي وابن حبيب عن جماعة من التابعين مثل رواية ابن عبد الحكم وقول ابن هارون رواية ابن عبد الحكم أشبه بقولهم في الصغير الذي لا يولد له لا تعتد زوجته ولو أطاق الوطء يرد بأن الصبي لا ماء له قطعا فلا ولد له قطعا ونفي الولد عن الصغيرة المطيقة للوطء لا ينهض للقطع فجاء الاحتياط. قال اللخمي: ذكر بعض أهل العلم أنه رأى جدة بنت إحدى وعشرين سنة , وعرفت أن في بلاد مكة مثل ذلك كثيرا كاليمن، انظر: منح الجليل: 4/295.

([54]) المحلى: 10/46.

([55]) المحلى: 10/46.

([56]) لم أجده في كتبه، لكن نص عليه في كتب كثيرة منها: منار السبيل: 1/62، كشاف القناع: 1/202، المغني: 8/87.

([57]) انظر: المبدع: 1/268، الكافي في فقه ابن حنبل: 3/306، كشاف القناع: 1/202، المبسوط: 6/27، التاج والإكليل: 1/367، مواهب الجليل: 3/404.

([58]) المبسوط: 6/27.

([59]) المغني: 8/87.

([60]) والقول الجديد للشافعي: المعتبر سن اليأس لجميع النساء بحسب ما يبلغ الخبر عنهن. وأقصاه فيما علم اثنتان وستون سنة، وقيل: ستون، وقيل خمسون.

([61]) المبسوط: 6/27.

([62]) مسلم: 2/761، ابن حبان: 8/233، المجتبى: 4/140، أحمد: 2/44.

([63]) مواهب الجليل: 4/152.

([64]) المحلى: 10/63.

([65]) سبق تخريجه.

([66]) وقد نص الشافعي على أنه إذا ألقت شيئا مجتمعا شك فيه أهل العدل من النساء أخلق هو أم لا لم تحل به ولا تخلو إلا بما لا يشككن فيه. وإن اختلفت هي وزوجها فقالت: قد وضعت ولدا أو سقطا قد بان خلقه , وقال زوجها: لم تضعي فالقول قولها مع يمينها , وإن لم تحلف ردت اليمين على زوجها. فإن حلف على البت ما وضعت كانت له الرجعة وإن لم يحلف لم يكن له الرجعة قال ولو قالت وضعت شيئا أشك فيه أو شيئا لا أعقله وقد حضره نساء فاستشهدت بهن وأقل من يقبل في ذلك أربع نسوة حرائر عدول مسلمات لا يقبل أقل منهن ولا يقبل فيهن والدة ولا ولد وتقبل أخواتها وغيرهن من ذوي قرابتها والأجنبيات ومن أرضعها من النساء، انظر: الأم: 5/236..

([67]) الأم: 5/236.

([68]) انظر: الجصاص: 3/335.

([69]) سبق تخريجه.

([70]) سبق تخريجه.

([71]) المدونة: 2/237.

([72]) المحلى: 10/47.

([73]) شرائع الإسلام: 3/26.

([74]) سبق تخريجه.

([75]) المحلى: 10/47.

([76]) الأم: 5/235.

([77]) المبسوط: 6/53.

([78]) الفصول في الأصول: 4/244.

([79]) الكافي في فقه ابن حنبل: 3/318، المغني: 8/100، روضةالطالبين: 8/365، حاشية الدسوقي: 2/468، التاج والإكليل: 3/485.

([80]) للمالكية آراء أخرى منها:

الرأي الأول: أن الزوج إذا كان مجبوب الذكر والخصيتين فلا تعتد امرأته , وأما إن كان مجبوب الخصيتين قائم الذكر فعلى امرأته العدة ; لأنه يطأ بذكره , وإن كان مجبوب الذكر قائم الخصيتين: فهذا إن كان يولد لمثله فعليها العدة , وإلا فلا.

الرأي الثاني: يرجع في المقطوع ذكره أو أنثياه إلى أهل المعرفة كالأطباء أو النساء. والممسوح ذكره وأنثياه كالصبي الذي لا يولد لمثله , فلا عدة على زوجته في المعتمد في طلاق أو فسخ , وإنما تجب عليها عدة الوفاة ; لأن فيها ضربا من التعبد , فإذا مات وظهر بها حمل فلا يلحقه , ولا تنقضي عدتها بوضعه , لأن الحمل الذي تنقضي العدة بوضعه هو الذي ينسب لأبيه , وإنما تنتهي بأقصى الأجلين: الوضع أو أربعة أشهر وعشر.

الرأي الثالث: عليها العدة إن كان يعالج وينزل. انظر: التاج والإكليل: 5/472.

([81]) انظر: شرح البهجة: 4/344 .

([82]) وذكر القاضي: أن ظاهر كلام أحمد أن الولد يلحق به ; لأنه قد يتصور منه الإنزال بأن يحك موضع ذكره بفرجها فينزل , فعلى هذا القول يلحق به الولد وتنقضي به العدة , والصحيح أن هذا لا يلحق به ولد , لأنه لم تجر به عادة , فلا يلحق به ولدها , كالصبي الذي لم يبلغ عشر سنين.المغني: 8/100.

([83]) المغني: 8/100.

([84]) ونص الحنفية في قول آخر إلى أنه لو خرج أكثر الولد تنقضي به العدة من وجه دون وجه ،فلا تصح الرجعة ولا تحل للأزواج احتياطا ; لأن الأكثر يقوم مقام الكل في انقطاع الرجعة احتياطا , ولا يقوم في انقضاء العدة حتى لا تحل للأزواج احتياطا.

([85]) المحلى: 10/44.

([86]) انظر: الخرشي: 4/144.

([87]) المحلى: 10/44.

([88]) سبق تخريجه.

([89]) وفي وجه آخر عند الحنابلة أنه يحل لها النكاح ويصح.

([90]) للشافعية في الآيسة إذا رأت الدم بعد تمام الأشهر ثلاثة أقوال، هي:

القول الأول: لا يلزمها العود إلى الأقراء , بل انقضت عدتها , كما لو حاضت الصغيرة بعد الأشهر , وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.

القول الثاني: يلزمها , لأنه بان أنها ليست آيسة بخلاف الصغيرة فإنها برؤية الحيض لا تخرج عن كونها وقت الاعتداد من اللائي لم يحضن.

القول الثالث: وهو الأظهر إن كان نكحت بعد الأشهر فقد تمت العدة والنكاح صحيح , وإلا لزمها الأقراء.

([91]) المغني: 8/94.

([92]) انظر: القرطبي: 3/175، التمهيد: 20/34.

([93]) قال الزهري: ولا أرى بأسا أن تتزوج وهي في دمها غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر. ووجه الدلالة أن الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي عدتها وإن لم يمض عليها أربعة أشهر وعشر , بل ولو بعد الوفاة بساعة , ثم تحل للأزواج.

([94]) البخاري: 5/2038، مسلم: 2/1122، ابن حبان: 10/132، 10/135، الدارمي: 2/220، البيهقي: 7/429، ابن ماجة: 1/653، أحمد: 1/447، 4/305.

([95]) انظر: القرطبي: 3/175.

([96]) التمهيد: 20/33.

([97]) التمهيد: 20/33.

([98]) إعانة الطالبين: 4/53، حواشي الشرواني: 6/430، روضة الطالبين: 8/365، حاشية الدسوقي: 2/499، مواهب الجليل: 4/176، بداية المجتهد: 2/71، قواعد الأحكام: 1/214.

([99]) المحلى: 10/38.

([100]) اختلف المالكية فيما لو تزوجت في عدتها من الطلاق , فدخل بها الثاني , ثم فرق بينهما فقيل :

ـ تعتد بقية عدتها من الأول , ثم تعتد من الثاني.

ـ تعتد من الثاني وتجزيها عنهما.

ونص المالكية على أنه لو طرأ موجب لعدة مطلقا - لوفاة أو طلاق - قبل تمام عدة انهدم الأول , أي: بطل حكمه مطلقا , كان الموجبان من رجل واحد أو رجلين , بفعل سائغ أم لا , واستأنفت حكم الطارئ في الجملة , إذ قد تمكث أقصى الأجلين , مثل الرجل الذي تزوج بائنته وطلقها بعد البناء , فتستأنف عدة من طلاقه الثاني وينهدم الأول، أما لو طلقها قبل البناء فإنها تبقى على عدة الطلاق الأول , ولو مات بعد تزوجها - بنى بها أو لا - فإنها تستأنف عدة الوفاة , وتنهدم الأولى. والمرتجع لمطلقته الرجعية قبل تمام عدتها , سواء وطئها بعد ارتجاعها أو لا ثم طلقها أو مات عنها قبل تمام عدة الطلاق الرجعي , فإن المعتدة تستأنف عدة طلاق من يوم طلاقه لها ثانيا أو عدة وفاة من يوم موته ; لأن ارتجاعها يهدم العدة الأولى الكائنة من الطلاق الرجعي، انظر: الشرح الكبير: 2/499.

([101]) الأم: 8/325.

([102]) المدونة: 2/13.

([103]) المحلى: 10/123.

([104]) المحلى: 10/73.

([105]) انظر: البخاري: 4/1646، البيهقي: 7/435، أبو داود: 2/291، الطبري: 2/582.

([106]) التمهيد: 21/31.

([107]) ابن حبان: 10/128، الحاكم: 2/226، الترمذي: 3/508، الدارمي: 2/221، البيهقي: 7/435، أبو داود: 2/291، النسائي: 6/303، ابن ماجة: 1/654 الموطأ: 2/591، أحمد: 6/370.

([108]) التمهيد: 21/31.

([109]) التمهيد: 21/31.

([110]) انظر: المعجم الكبير: 24/443.

([111]) وقد اختلفوا في الحامل على قولين، ودليل القول بأن لها السكنى أنها حامل من زوجها , فوجب لها السكنى، قياسا على المطلقة وإن كانت حاملا.

([112]) المحلى: 10/73.

([113]) انظر: القرطبي: 18/156، الطبري: 28/128، شرح معاني الآثار: 3/70، التمهيد: 19/149.

([114]) وقال بعض الحنابلة: ينتقلون هم عنها ; لأن سكناها واجب في المكان , وليس بواجب عليهم. لكن النص يدل على أنها هي التي تخرج , فلا يعرج على ما خالفه ; ولأن الفاحشة منها , فكان الإخراج لها.

([115]) مسلم: 4/1707، ابن خزيمة: 1/288، ابن حبان: 11/579، الحاكم: 4/203، البيهقي: 10/243، أبو داود: 4/58، النسائي: 6/486، أحمد: 2/159.

([116]) نص المالكية على أن خروج المعتدة لقضاء حوائجها يجوز لها في الأوقات المأمونة وذلك يختلف باختلاف البلاد والأزمنة, ففي الأمصار وسط النهار , وفي غيرها في طرفي النهار , ولكن لا تبيت إلا في مسكنها، انظر: الفواكه الدواني: 2/64.

([117]) أبو داود: 2/289، النسائي: 3/399، مجمع الزوائد: 5/4، قال ابن حجر: أبو داود وابن حبان والحاكم وأصله في صحيح مسلم، التلخيص الحبير:3/240.

([118]) التحقيق في أحاديث الخلاف:2/304.

([119]) والضابط عند الشافعية هو أن كل معتدة لا تجب نفقتها ولم يكن لها من يقضيها حاجتها لها الخروج , أما من وجبت نفقتها فلا تخرج إلا بإذن أو ضرورة كالزوجة , لأنهن مكفيات بنفقة أزواجهن.

([120]) البيهقي: 7/436، مصنف عبد الرزاق: 7/36.

([121]) المحلى: 10/74.

([122]) المحلى: 10/74.

([123]) المحلى: 10/74.

([124]) الهداية: 2/33، تحفة الفقهاء: 2/250، بدائع الصنائع: 3/205.

([125]) انظر: الشرح الكبير: 2/486.

([126]) روضة الطالبين: 8/417.

([127]) المبدع: 8/144، كشاف القناع: 5/432، المغني: 8/128، حاشية ابن عابدين: 3/570.

([128]) وهذا خلافا للظاهرية كما ذكرنا رأيهم سابقا.

([129]) انظر: بدائع الصنائع: 2/124، البحر الرائق: 5/53، حاشية ابن عابدين: 3/569، شرح فتح القدير: 2/422.

([130]) انظر: حاشية الدسوقي: 2/485.

([131]) انظر: مغني المحتاج: 3/404.

([132]) انظر: المغني: 8/135.

([133]) لسان العرب: 3/140.

([134]) قال ابن قدامة :«ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في وجوبه على المتوفى عنها زوجها , إلا عن الحسن , فإنه قال: لا يجب الإحداد. وهو قول شذ به أهل العلم وخالف به السنة , فلا يعرج عليه »المغني:8/124، ونقل الخلال بسنده عن أحمد عن هشيم عن داود عن الشعبي أنه كان لا يعرف الإحداد، قال أحمد: ما كان بالعراق أشد تبحرا من هذين يعني الحسن والشعبي قال: وخفي ذلك عليهما، قال ابن حجر: ومخالفتهما لا تقدح في الاحتجاج، وإن كان فيها رد على من ادعى الإجماع، وفي أثر الشعبي تعقب على بن المنذر حيث نفي الخلاف في المسألة الا عن الحسن، انظر: فتح الباري: 9/486.

([135]) وقد اختلف في وجوب الإحداد على الصغيرة والكتابية على قولين:

القول الأول: وجوب الإحداد على كل زوجة، وهو قول الجمهور، واستدلوا على ذلك بما يلي:

ـ عموم الأحاديث الواردة في ذلك، ومنها: قول النبي r : « لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر , أن تحد على ميت فوق ثلاث , إلا على زوج , أربعة أشهر وعشرا }

ـ أن غير المكلفة تساوي المكلفة في اجتناب المحرمات , كالخمر والزنى , وإنما يفترقان في الإثم , فكذلك الإحداد.

ـ أن حقوق الذمية في النكاح كحقوق المسلمة , فكذلك فيما عليها.

القول الثاني: لا إحداد على الكتابية والصغيرة ; لأنهما غير مكلفتين.

([136]) البخاري: 1/430، مسلم: 2/1123، ابن حبان: 10/140، الترمذي: 3/501، البيهقي: 1/183، أبو داود: 2/290، النسائي: 3/384، ابن ماجة: 1/674، الموطأ: 2/597، أحمد: 6/37.

([137]) على أن للشافعي رأيا بأنه يستحب للمطلقة رجعيا الإحداد إذا لم ترج الرجعة.

([138]) ذهب القاضي أبو يعلى من الحنابلة إلى وجوب الإحداد عليها تبعا لوجوب العدة , وذهب القاضي الباجي المالكي إلى أنه إذا ثبت بينها وبين زوجها المتوفي شيء من أحكام النكاح , كالتوارث وغيره , فإنها تعتد عدة الوفاة , ويلزمها الإحداد.

([139]) المبدع: 8/140، الإنصاف للمرداوي: 9/302، المغني: 8/131، حاشية ابن عابدين: 3/408، القوانين الفقهية: 158.

([140]) القسط والاظفار نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب، وقد رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب، انظر: فتح الباري:9/491.

([141]) البخاري: 5/2043، الدارمي: 2/221، البيهقي: 1/183.

([142]) فتح الباري:9/491.

([143]) سبق تخريجه.

([144]) ابن حبان: 10/144، البيهقي: 7/440، النسائي: 3/395.

([145]) سبق تخريجه.

([146]) البخاري: 5/2042، ابن حبان: 10/140، الترمذي: 3/501، البيهقي: 7/437، ابو داود: 2/290، النسائي: 3/39، الموطأ: 2/597.

([147]) البيهقي: 7/440، أبو داود: 2/292، النسائي: 3/396.

([148]) سبق تخريجه.

([149]) سبق تخريجه.

([150]) سبق تخريجه.

([151]) وخالف في ذلك عطاء فقال: يباح حلي الفضة دون الذهب.

([152]) سبق تخريجه.

([153]) سبق ذكر هذا المسائل وأدلتها في الفصل الخاص بالنفقة في الجزء الخاص بحقوق الزوجة المادية.

([154]) الأم:5/116، المغني: 8/185، بداية المجتهد:2/71، اختلاف العلماء:147، القرطبي:18/166، شرح معاني الآثار:3/72، أحكام القرآن للشافعي:261.

([155]) تفسير القرطبي:18/168.

([156]) أحكام القرآن للشافعي:261.

([157]) ورد الحديث بروايات مختلفة، وهذه بعض المراجع التي روي فيها هذا الحديث: مسلم:2/1114، فما بعدها، البخاري:5/2039، الترمذي:3/484، الدارمي:2/218، البيهقي:7/136، الدارقطني: 4/22، أبو داود:2/286، النسائي: 3/399، ابن ماجة: 1/656، الموطأ:2/580.

([158]) حاشية ابن القيم:6/278.

([159]) .

([160]) حاشية ابن القيم:6/278.

([161]) حاشية ابن القيم:6/282.

([162]) ذكر الشوكاني من الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول بعض الروايات عن عمر أنه قال سمعت رسول الله r يقول:لها السكنى والنفقة، ولم أجد من استدل بذلك من أصحاب هذا القول، وقد قال الإمام أحمد لا يصح ذلك عن عمر، وقال الدارقطني السنة بيد فاطمة قطعا، ثم إن تلك الرواية عن عمر من طريق إبراهيم النخعي ومولده بعد موت عمر بسنتين، قال ابن القيم: ونحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه أن هذا كذب على عمر، وكذب على رسول الله r ،وينبغي أن لا يحمل الإنسان فرط الانتصار للمذاهب والتعصب على معارضة السنن النبوية الصريحة الصحيحة بالكذب البحت، فلو يكون هذا عن عمر عن النبي r لخرست فاطمة وذووها ولم ينبزوا بكلمة ولا دعت فاطمة إلى المناظرة»، انظر: نيل الأوطار:7/106، ونرى أنه لو صح هذا الحديث عن عمر لقطع النزاع ولكفى وحده للاستدلال، وذلك وحده دليل على عدم صحته.

([163]) انظر هذه الآثار بأسانيدها ودرجتها في :التمهيد:19/142.

([164]) انظر: شرح معاني الآثار:3/72.

([165]) ذكر ابن حزم أنه لو تلي على عمر t قوله U :) لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾(الطلاق: من الآية1 ـ 2)، لرجع كما رجع عن قوله , إذ منع من أن يزيد أحد على أربعمائة درهم في صداق امرأة حين ذكرته امرأة بقول الله U :) وآتيتم إحداهن قنطارا (فتذكر ورجع، وكما ذكره أبو بكر إذ سل سيفه وقال: لا يقولن أحد: إن رسول الله r مات إلا ضربته بالسيف ؟ فلما تلا عليه أبو بكر قول الله U :) إنك ميت وإنهم ميتون (سقط إلى الأرض.المحلى:10/100، ونحن أن نستبعد أن لا يذكر عمر t بهذا ومثله من الأدلة، فمجالس الصحابة y مجالس علم وقرآن ،ولم يكن يغيب عنها مثل هذا خاصة، وأنه لم يذكر عن عمر t خلافه ولا عمن بعده من السلف الصالح y.، بل قد كانت فاطمة ،رضي الله عنها، تناظر بهذه الآية، ويستبعد أن لا يكون قد سمع حجتها.

([166]) فنح الباري:9/479.

([167]) انظر: شرح معاني الآثار: 3/72.

([168]) مصنف عبد الرزاق:7/23.

([169]) ذكر الشوكاني من أدلتهم على وجوب النفقة قوله U :) وللمطلقات متاع بالمعروف(البقرة الآية، وبقوله U :) لا تضاروهن (، وبأن الزوجة المطلقة بائنا محبوسة بسبب الزوج، واستدلوا على عدم وجوب السكنى بقوله U :)أسكنوهن من حيث سكنتم (،فإنه أوجب أن تكون حيث الزوج وذلك لا يكون في البائنة.انظر: نيل الأوطار:7/106.

([170]) المحلى:10/56، الأم: 6/173، المدونة: 2/53، المبسوط:5/204، شرائع الإسلام:3/26، الفتاوى الكبرى: 5/510، التاج المذهب: 2/215.

([171]) الفتاوى الكبرى:5/510.

([172]) انظر حكاية الإجماع في شرح النووي على مسلم:10/96.

([173]) انظر هذه الرواية من حديث فاطمة بنت قيس في:مسلم:2/1117، البيهقي:7/472، أبو داود:2/287، مصنف عبد الرزاق:7/22.

([174]) انظر الخلاف في المسألة في: القواعد لابن رجب: 405، الإنصاف: 9/365، الأشباه والنظائر:38.

([175]) تفسير القرطبي:3/185.

([176]) أحكام القرآن للجصاص:1/574.

([177]) المحلى: 10/16.

([178]) المبسوط: 6/25.

([179]) المبسوط: 6/25.

رابط