Selasa, 20 September 2016

Arabi Tabani: Sesatnya Tauhid Uluhiyah dan Tauhid Rububiyah

Arabi Tabani: Sesatnya Tauhid Uluhiyah dan Tauhid Rububiyah


الفصل الثانى

فى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية
الشيخ العربى التبانى

توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية الذى اخترعه ابن تيمية وزعم أن جميع فرق المسلمين من المتكلمين عبدوا الله لجهلهم توحيد الألوهية ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية وهو الإقرار بأن الله خالق كل شئ وزعم أن هذا اعترف به المشركون ، فكفّر به جميع المسلمين وقلده فيه محمد بن عبد الوهاب كما قلده فى غيره ، ولم يطلع عليه العلماء المعاصرون له والمتأخرون عنه الرادون عليه رداً سديداً فى كثير من شواذه ، ولو اطلعوا عليه لرشقوه بسهام علومهم الصائبة . وقد كتب فيه العلامة المرحوم السيد أحمد بن زينى دحلان المتوفى سنة أربع وثلاثمائة وألف فى رسالته ( الدرر السنية فى الرد على الوهابية ) نبذة وكتب فيه العلامة الشيخ إبراهيم السمنودى المنصورى المتوفى سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف فى كتابه ( سعادة الدارين فى الرد على الفرقتين الوهابية والظاهرية ) كلاماً جيداً .

وكتب فيه العلامة المرحوم الشيخ سلامة العزامى المتوفى سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف فى كتابه ( البراهين الساطعة فى رد بعض البدع الشائعة ) كلاماً نفيساً نصه : ( بيان أن منشأ الشبه الجهل بمعنى الإيمان والعبادة شرعاً ) فاعلم أن الإيمان هو التصديق بما علم مجئ النبـى صلى الله عليه وسلم به واشتهر بين الخاصة والعامة اشتهاراً يلحقه بالضروريات ، وأن الكفر – نعوذ بالله منه – هو إنكار شئ من ذلك بعد أن يعلم المنكر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم جاء به ، وأن معنى العبادة شرعاً هو الاتيان بأقصى الخضوع قلباً وقالباً ، فهى إذن نوعان قلبية وقالبية ؛ فالقلبية هى اعتقاد الربوبية أو خصيصة من خصائصها كالاستقلال بالنفع أو الضر ونفوذ المشيئة لا محالة لمن اعتقد فيه ذلك ، والقالبية هى الإتيان بأنواع الخضوع الظاهرية من قيام وركوع وسجود وغيرها مع ذلك الاعتقاد القلبى فإن أتى بواحد منها بدون ذلك الاعتقاد لم يكن ذلك الخضوع عبادة شرعاً ولو كان سجوداً ، وإنما قال العلماء بكفر من سجد للصنم ، لأنه أمارة على ذلك الاعتقاد لا لأنه كفر من حيث ذاته ، إذ لو كان لذاته كفراً لما حل فى شريعة قط فإنه حينئذ يكون من الفحشاء والله لا يأمر بالفحشاء .

وقد كان السجود لغير الله عز وجل على وجه التحية والتكريم مشروعاً فى الشرائع السابقة وإنما حرم فى هذه الشريعة ، فمن فعله لأحد تحية وإعظاماً من غير أن يعتقد فيه الربوبية كان آثماً بذلك السجود ، ولا يكون به كافـراً إلا إذا قارنه اعتقاد الربوبية للمسجود له ، ويرشدك إلى ذلك قوله عز وجل فى يعقوب نبى الله وامرأته وبنيه حين دخلوا على يوسف : ( وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً ) .

قال ابن كثير فى تفسيرها : أى سجد له أبواه وإخوته الباقون وكانوا أحد عشر رجلاً ، وقد كان هذا سائغاً فى شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له ، ولم يزل هذا جائزاً من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام ، فحرم هذا فى هذه الملة إهـ .

المقصود منه ، ويوضح لك ذلك أيضاً أمره عز وجل الملائكة بالسجود لآدم ، فكان سجودهم له عليه الصلاة والسلام عبادة للآمر عز وجل ، وإكراماً لآدم عليه الصلاة والسلام .

بيـان خطـأ من قـال من الملاحـدة
أن تعظيم الكعبة والحجر الأسود من الوثنية وجهل من قال بعدم التلازم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وعدم كفاية الأول فى النجاة

ومن هذا تعلم أن تعظيم البيت بالطواف حوله ، وتعظيم الحجر الأسود بإستلامه وتقبيله والسجود عليه ليس عبادة شرعاً للبيت ولا للحجر وإنما هو عبادة للآمر بذلك عز وجل الذى اعتقد الطائف ربوبيته سبحانه ، فليس كل تعظيم الشئ عبادة له شـرعاً حتى يكون شركاً ، بل منه ما يكون واجباً ومندوباً إذا كان مأموراً به أو مرغباً فيه ، ومنه ما يكون مكروهاً أو محرماً ، ومنه ما يكون مباحاً ، ولا يكون التعظيم لشئ شركاً حتى يقارنه اعتقاد ربوبية ذلك الشئ أو خصيصة من خصائصها له ، فكل من عظم شيئاً فلا يعتبر فى الشرع عابداً له إلا إذا اعتقد فيه ذلك الاعتقاد .

وقد استقر فى عقول بنى آدم ما داموا على سلامة الفطرة أن من ثبت له الربوبية فهو للعبادة مستحق ، ومن انتفت عنه الربوبية فهو غير مستحق للعبادة ، فثبوت الربوبية ، واستحقاق العبادة متلازمان فيما شرع الله فى شرائعه وفيما وضع فى عقول الناس ، وعلى أساس اعتقاد الشركة فى الربوبية بنى المشركون استحقاق العبادة لمن اعتقدوهم أرباباً من دون الله تعالى سبحانه ، ومتى انهدم هذا الأساس من نفوسهم تبعه ما بنى عليه من استحقاق غيره للعبادة ، ولا يسلم المشرك بإنفراد الله تعالى باستحقاق العبادة حتى يسلم بإنفراده عز وجل بالربوبية ، وما دام فى نفسه اعتقاد الربوبية لغيره عز وجل استتبع ذلك اعتقاده فى هذا الغير الاستحقاق للعبادة ، ولذلك كان من الواضح عند أولى الألباب أن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر فى الوجود وفى الاعتقاد ، فمن اعترف بأنه لا رب إلا الله كان معترفاً بأنه لا يستحق العبادة غيره ، ومن أقر بأنه لا يستحق العبادة غيره كان مذعناً بأنه لا رب سواه ، وهذا الثانى هو معنى ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) فى قلب جميع المسلمين.

ولذلك نرى القرآن فى كثير من المواضع يكتفى بأحدهما عن الآخر ، ويرتب اللوازم المستحيلة على انتفاء أى واحد منهما ، ليستدل بانتفائها على ثبوتـه فانظر إلى قـوله تعالى : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) ، وقوله تعالى : ( وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) حيث عبر بالإله ولم يعبر بالرب .

وكذلك فى الميثاق الأول قال سبحانه : ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) ولم يقل بإلهكم ، واستفاض عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : أن الملكين يقولان للميت فى قبره ( من ربك ) ؟ ويكتفيان بالسؤال عن توحيد الربوبية ويكون جوابه بقوله : ( الله ربى ) كافياً ، ولا يقولان له إنما اعترفت بتوحيد الربوبية وليس توحيد الربوبية كافياً فى الإيمان .

وهذا خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول لذلك الجبار ( رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ ) ، فيجادله بأنه كذلك يحيى ويميت إلى أن حاجه خليل الله بما يكذب دعوى ربوبيته فتندحض دعوى استحقاقه العبادة . وفيما حكى الله عن فرعون أنه قال مرة : ( مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) ، ومرة أخرى : ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) .

وبالجملة فقد أومأ القرآن العظيم والسنة المستفيضة إلى أن تلازم توحيد الربوبية والألوهية مما قرره رب العالمين ، واكتفى سبحانه من عباده بإحدهما عن صاحبه لوجود هذا التلازم ، والملائكة المقربون ، وفهم الناس هذا التلازم حتى الفراعنة الكافرون ، فما هذا الذى يفتريه أولئك المبتدعة الخراصون ، فيرمون المسلمين بأنهم قائلون بتوحيد الربوبية دون توحيد العبادة وأنه لا يكفيهم ذلك فى إخراجهم من الكفر وإدخالهم فى الإسلام حتى تحقن دماؤهم ؟ بل يستبيحون ذبح المسلم المسالم لهم وهو يقول : " لا إله إلا الله " ويقولون فيه أنه ما اعترف بتوحيد الألوهية ، وإنما يعنى توحيد الربوبية وهو غير كاف ، فلا يقبلون ما دل عليه صريح كلامه ، ويرفضون الاكتفاء بما اكتفى به الله من عبده يوم الميثاق الأول ، وارتضته ملائكته حين يسأل العبد فى قـبره من الاعتراف بتوحيد الربوبية ، حيث كان مستلزماً لتوحيد الألوهية ، وكان التصريح بما يفيد أحدهما تصريحاً بما يدل على الآخر ، فالناطق بلا إله إلا الله معترف بالتوحيد لله فى ألوهيته وربوبيته جميعاً ، والقائل ربى الله معترف بكلا التوحيدين جميعاً .

والآن ألفـت نظرك أيها المحقق إلى قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا .. ) الآية وهى فى موضعين من كتاب الله تعالى ولم يقل إلهنا ، وقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لمن سأله عن وصية جامعة : ( قل ربى الله ثم استقم ) ، ولم يقل إلهى بكفاية توحيد الربوبية فى النجاة والفوز لاستلزامه توحيد الألوهية بشهادة الله ورسوله . وإلى قوله تعالى : ( وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ) ، وقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ) .

وإلى قوله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد حين قتل من قال لا إله إلا الله إذ أهوى إليه بالسيف ظنه قالها تعوذاً ، والقرائن قوية على هذا الظن كما يعلم من تفصيل القصة ، ( يا أسامة أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله أشققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا ؟) ولم يعتذر أسامة بأنه إنما عنى توحيد الربوبية ، وهو غير كاف فى الدخول فى الإسلام وحقن الدم به ولم يعن توحيد العبادة ، ففى ذلك كله وغيره مما لم نذكره أبين البيان . لأن القول بأحد التوحيدين قول بالآخر ، وإنما جر هذا المبتدع ومن انخدع بأباطيله هذه أنه لم يحقق معنى العبادة شرعاً كما يدل عليه استقراء موارد هذه اللفظة فى كلام الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فظن أن التوسل برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسائر الصالحين والاستغاثة بهم مع استقرار القلب على أنهم أسباب لا استقلال لهم بنفع ولا ضر وليس لهم من الربوبية شئ ولكن الله جعلهم مفاتيح لخيره ومنابع لبره وسحباً يمطر منها على عباده أنواع خيره ، ظن أن ذلك وما إليه من الشرك المخرج عن الملة .

ومن أرفقه التوفيق وفارقه الخذلان ونظر فى المسألة نظر الباحث المنصف علم يقيناً لا تخالطه ريبة أن مسمى العبادة شرعاً لا يدخل فيه شئ مما عده من توسل واستغاثة وغيرهما ، بل لا يشتبه بالعبادة أصلاً فإن كل ما يدل على التعظيم لا يكون من العبادة إلا إذا اقترن به اعتقاد الربوبية لذلك المعظم أو صفة من صفاتها الخاصة بها . ألا ترى الجندى يقوم بين يدى رئيسه ساعة وساعات احتراماً له وتأدباً معه فلا يكون هذا القيام عبادة للرئيس شرعاً ولا لغة ، ويقوم المصلى بين يدى ربه فى صلاة بضع دقائق أو بعضهها قدر ما يقرأ الفاتحة فيكون هذا القيام عبادة شرعاً ، وسر ذلك أن هذا القيام وإن قلت مسافته مقترن باعتقاد القائم ربوبية من قام له ، ولا يقارن ذاك القيام هذا الاعتقاد إهـ .
نص كلام ابن تيمية
فى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية فى كتبه فى أربعة مواضع

وقد اطلعت على كلام ابن تيمية فى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية مفرق فى أربعة مواضع من كتبه أذكره كله ليراه القراء ثم أبطله :
(1)- قـال فى الجزء الأول من فتاواه ص 219 فى تفسير قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ( ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) والمعنى أن صاحب الجد لا ينفعه منك جده ، أى لا ينجيه ويخلصه منك جده وإنما ينجيه الإيمان والعمل الصالح ، والجد هو الغنى وهو العظمة وهو المال ، ( إلى أن قال ) فبين فى هذا الحديث أصلين عظيمين أحدهما توحيد الربوبية وهو أن لا معطى لما منع الله ولا مانع لما أعطاه ولا يتوكل إلا عليه ولا يسأل إلا هو . والثانى توحيد الإلهية وهو بيان ما ينفع وما لا ينفع وأنه ليس كل من أعطى مالاً أو دنيا أو رئاسة كان ذلك نافعاً له عند الله منجياً له من عذابه ، فإن الله تعالى يعطى الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطى الإيمان إلا من يحب ( إلى أن قال ) : وتوحيد الإلهية أن يعبد الله ولا يشرك به شيئاً فيطيعه ويطيع رسله ويفعل ما يحبه ويرضاه ، وأما توحيد الربوبية فيدخل ما قدره وقضاه ، وإن لم يكن مما أمـر به وأوجبه وأرضاه ، والعبد مأمور بأن يعبد الله ويفعل ما أمر به وهو توحيد الإلهية ويستغفر الله على ذلك وهو توحيد له فيقول : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) إهـ .

(2)- وقـال فى الجزء الثانى من فتاواه ص 275 : فإن المقصود هنا بيان حال العبد المحض لله تعالى الذى يعبده ويستعينه فيعمل له ويستعينه ، ويحقق قـوله : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وإن كانت الإلهية تتضمن الربوبية والربوبية تستلزم الإلهية فإن أحدهما إذا تضمن الآخر عند الانفراد لم يمنع أن يختص بمعناه عند الاقتران كما فى قوله : ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ إلخ) ، فجمع بين الإسمين فإن الإله هو المعبود الذى يستحق أن يعبد ، والرب هو الذى يرب عبده إهـ .

(3)- وقال فى الجزء الثانى من منهاج السنة ص 62 بعد ثرثرة ذم فيها جميع فرق المسلمين من المتكلمين مصرحاً بأنهم عبدوا غير الله لجهلهم توحيد الألوهية وإثبات حقائق أسماء الله ، ما نصه : فإنهم قصروا عن معرفة الأدلة العقلية التى ذكرها الله فى كتابه فعدلوا عنها إلى طرق أخرى مبتدعة فيها من الباطل ما لأجله خرجوا عن بعض الحق المشترك بينهم وبين غيرهم ، ودخلوا فى بعض الباطل المبدع ، وأخرجوا من التوحيد ما هو منه كتوحيد الإلهية ، وإثبات حقائق أسماء الله وصفاته ، ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية ، وهو الإقرار بأن الله خالق كل شئ وهذا التوحيد كان يقر به المشركون الذين قال الله عنهم : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ، وقال تعالى : ( قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ، الآيات ) .

وقال عنهم : ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ) ، فالطائفة من السلف تقول لهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله ، وهم مع ذلك يعبدون غيره ، وإنما التوحيد الذى أمر الله به العباد هو توحيد الألوهية المتضمن توحيد الربوبية ، بأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً فيكون الدين كله لله إهـ .

(4)- وقـال فى رسـالة أهـل الصفة ص 34 : توحيد الربوبية وحده لا ينفى الكفر ولا يكفى إهـ .

أقول : قد لبَس ابن تيمية فى تآليفه على العامة وأشباههم من المتفقهة كثيراً بالسلف الصالح والكتاب والسنة لترويج هواه فى سوقهم ولكنه فى هذا الكلام صرح بهواه ولم يلصقه بهما ولا بالسلف وإنى بحول الله وتوفيقه أكيل له بصاعه الذى لبس به على البسطاء كيلاً حقيقياً وافياً ، مبرهناً فأقول كلامه هذا فى الأربعة المواضع باطل باثنين وثلاثين وجهاً .

الوجـه الأول

الأول : لم يقل الإمام احمد بن حنبل الذى انتسب إليه كذباً لأصحابه : إن التوحيد قسمان : توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ، وأن من لم يعرف توحيد الألوهية لا تعتبر معرفته لتوحيد الربوبية لأن هذا يعرفه المشركون ، وهذه عقيدة الإمام أحمد مدونة فى مصنفات أتباعه فى مناقبه لابن الجوزى وفى غيره ليس فيه هذا الهذيان .

الوجـه الثانى

الثـانى : لم يقـل أى واحد من أتباع التابعين لأصحابه أن التوحيد قسمان : توحيد الربوبيـة وتوحيد الألوهية ، وأن من لم يعرف توحيد الألوهية لا يعتد بمعرفته لتوحيد الربوبية ، فلو اجتمع معه الثقلان على إثباته عن أى واحد منهم لا يستطيعون .
الوجـه الثالث

الثـالث : لم يقل أى واحد من التابعين لأصحابه أن التوحيد ينقسم إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ، فلو اجتمع معه الثقلان على إثباته عن أى واحد منهم لا يستطيعون .

الوجـه الرابـع

الرابـع : لم يقل أى صحابى من أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ورضى عنهم أن التوحيد ينقسم إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وأن من لم يعرف توحيد الألوهية لا يعتد بمعرفته لتوحيد الربوبية لأن هذا يعرفه المشركون ، وإنى أتحدى كل من له إلمام بالعلم أن ينقل لنا هذا التقسيم المخترع عنهم ولو برواية واهية .

الوجـه الخامس

الخامس : لم يأت فى سنة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الواسعة التى هى بيان لكتاب الله عز وجل من صحاح وسنن ومسانيد ومعاجم ، أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول لأصحابه ويعلمهم أن التوحيد ينقسم إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ، وأن من لم يعرف توحيد الألوهية لا يعتد بمعرفته لتوحيد الربوبية ، لأن هذا يعرفه المشركون ، فلو اجتمع معه الثقلان على إثبات هذا الهذيان عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بإسناد ولو واهياً لا يستطيعون .

الوجـه السادس

السادس : بل كتب السنة طافحة بأن دعوته صلى الله عليه وسلم الناس إلى الله كانت إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وخلع عبادة الأوثان ، ومن أشهرها حديث معاذ بن جنبل لما أرسله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى اليمن فقال له : ( ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن عليهم خمس صلوات فى اليوم والليلة – الحديث ) ، وروى الخمسة وصححه ابن حبان أنه صلى الله عليه وسلم أخبره أعرابى برؤية الهلال ، فأمر بالصيام ولم يسأله النبى صلى الله عليه وسلم إلا عن الإقرار بالشهادتين ، وكان اللازم على هذيانه هذا أن يدعو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم جميع الناس إلى توحيد الألوهية الذى جهلوه وأما توحيد الربوبية فقد عرفوه ويقول لمعاذ إدعهم إلى توحيد الألوهية ، ويقول للأعرابى الذى رأى هلال رمضان هل تعرف توحيد الألوهية ؟.

الوجـه السابع

السابع : لم يأمر الله فى كتابه العزيز الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه عباده بتوحيد الألوهية ، ولم يقل لهم أن من لم يعرفه لا يعتد بمعرفته لتوحيد الربوبية ، بل أمر وهو :

الوجـه الثامن

الثامن : بكلمة التوحيد مطلقة ، قال الله تبارك وتعالى مخاطباً نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) وهكذا جميع آيات التوحيد المذكورة فى القرآن مع سورة الإخلاص التى تعدل ثلث القرآن .

الوجـه التاسع

التاسع : يلزم على هذا الهذيان على الله تبارك وتعالى لعباده حيث عرفوا كلهم توحيد الربوبيـة ولم يعرفوا توحيد الألوهيـة – أن يبينه لهم ولا يضلهم ولا يعذبهم على جهلهم نصف التوحيد ولا يقول لهم : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) نعوذ بالله من زلقات اللسان وفساد الجنان .

الإله هو الرب ، والرب هو الإله
الوجه العاشر

العاشر : الإله هو الرب ، والرب هو الإله فهما متلازمان يقع كل منهما فى موضع الآخر ، وكتاب الله تعالى طافح بذلك ، وكذلك سنته عليه الصلاة والسلام ، قال الله تبارك وتعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ) ، وكان اللازم = على زعمه = حيث كانوا يعرفـون توحيد الربوبيـة ولا يعرفـون توحيد الألوهية أن يقول الله : ( اعبدوا إلهكم ) ، وقال الله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ – الآية ) ، وكان اللازم = على زعمه = حيث كان النمرود . يعرف توحيد الربوبية ويجهل توحيد الألوهية أن يقول الله تعالى : ( ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم فى إلهه ) وكان اللازم = على زعمه = أن يقول الله فى قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ) اتقوا إلهكم.
وكان اللازم = على زعمه = أن يقول الله فى قوله تعالى : ( إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ) ، هل يستطيع إلهك ، وكان اللازم = على زعمه = أن يقول الله فى قوله تعالى : ( ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ ) ثم الذين كفروا بإلههم يعدلون لأن الرب يعرفونه ، وهو شئ كثير فى القرآن .

الوجه الحادى عشر

الحادى عشر : يلزم = على زعمه = عدم تبيين الذى لا ينطق عن الهوى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم للناس فى دعوته لهم إلى الله تبـارك وتعالى توحيد الألوهيـة الذى جهلوه وعدم تبيينه صلى الله عليه وسلم لهم ذلك ، لا يخلو من أن يكون جهلاً له أو كتماناً ، وكلاهما مستحيل فى حقـه صلى الله تعالى عليه وسلم وكفر ، نعـوذ بالله من زلقـات اللسان وفساد الجـنان .

الوجه الثانى عشر

الثانى عشر : زعمه أن المشركين يعرفون توحيد الربوبية ، أى يعرفون أن الرب هو الخالق الرازق المحيى المميت غير صحيح فى مشركى العرب وحدهم فضلاً عن مشركى جميع الأمم ، وقد أخبر الله عنهم فى آيات كثيرة بأنهم انكروا البعث أشد الإنكار وأنهم ما يهلكهم إلا الدهر ، مرور الزمان ، وقد اشتهر ذلك فى أشعارهم .

قال أحدهم : ( أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشى ) ، واشتهر قولهم : ( أرحام تدفع وأرض تبلع ) ، أيقول عاقل فى هؤلاء مع هذا الكفر أنهم يعرفون توحيد الربوبية ؟ ، ولو سلم أنهم يقرون بتوحيد الربوبية فإن مجرد الإقرار به لا يسمى توحيداً عند علماء الإسلام ، ولو كان الإقرار بالربوبية توحيداً = كما زعم = لكان تصديق عتاة قريش النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وتكذيبهم بآيات الله تعالى توحيداً ولا يقول بهذا عاقل .

قال الله تعالى : ( فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ ) ولو كان الإقرار بالربوبية توحيداً = كما زعم = لكان علم عاد بالخالق لهم مع تكذيبهم آياته ورسوله هوداً عليه الصلاة والسلام لما هددهم بالعذاب توحيداً ، زاجراً لهم عن قولهم : ( مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) ، ولا يقول بهذا عاقل ، أيقول عاقل فى فرعون الذى قال : ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) وقال : ( يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) وقال لملأه : ( إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ) ، لما أجابه موسى عليه الصلاة والسلام عن سؤاله عن حقيقة رب العالمين قائلاً هو : ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ ) ، و ( رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ) ، أنه يعرف توحيد الربوبية ، أيقول عاقل فى النمرود بن كنعان الذى ادعى الربوبية وحاج خليل الله عليه الصلاة والسلام فى ربه وزعم أنه يحيى ويميت ، أنه يعرف توحيد الربوبية ؟، أيقول عاقل فى الدهريين المنكرين وجود الإله وفى الثنوية المنكرين وجود إله واحد وفى الوثنية القائلين بكثرة الأرباب والألهة وفى التناسخية وفى المزدكية والخرمية والبابية والماركسية ، ويدعى فى هذه الطوائف الضالة كلها أنها تعرف توحيد الربوبية ؟، وكثير من سكان المعمورة دهريون طبائعيون إباحيون ملاحدة ينكرون وجود الرب ، حتى من كان منهم متديناً بالمسيحية واليهودية كأهل أوروبا انسلخ أكثرهم منهما إلى الإلحاد والإباحة ولا زال الإلحاد والإباحة منتشرين فى الأرض من بعد نوح عليه الصلاة والسلام ، وعليهما أكثر سكان الربع العامر الآن .

الوجه الثالث عشر

الثالث عشر : قوله فى تفسير قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ( ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) ، فبين فى هذا الحديث أصلين عظيمين أحدهما : توحيد الربوبية والثانى توحيد الإلهية ، كذب مكشوف يجوز على الأغبياء ، ولا يخلو فاعل بين من كونه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ، بيَّن أن التوحيد ينقسم إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ، أو الحديث نفسه بيَّن نفسه ، أو فهمه من الحديث ذلك ، ولا شك أنه كذب مكشوف فى الأول والثانى قطعاً فإن النبـى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يبين فى هذا الحديث أصلين عظيمين إلى آخر الهذيان ، ولا الحديث بيَن ذلك ، فانحصر فاعل بيَن فى فهمه ، وكان الواجب عليه للعامة وأشباههم التصريح بفهمه ، بأن يقول لهم فهمت من هذا الحديث أصلين عظيمين إلخ ... ولا يلبس عليهم بهذا الهراء ، وباقى كلامه هنا ثرثرة لا تحتاج إلى تعليق .


الوجه الرابع عشر

الرابع عشر : يقال فى قوله فى الموضع الثانى ( وإن كانت الإلهية تتضمن الربوبية والربوبية تستلزم الإلهية ) هل قال الإمام أحمد بن حنبل الذى يقدسه عند عرضه هذا الكلام ؟.

الوجه الخامس عشر

الخامس عشر : هل قاله أحد من أتباع التابعين رحمهم الله تعالى ؟.

الوجه السادس عشر

السادس عشر : هل قاله أحد من التابعين رحمهم الله تعالى ؟.

الوجه السابع عشر

السادس عشر : هل قاله أحد من الصحابة رضوان الله عليهم ؟.

الوجه الثامن عشر

السادس عشر : هل قاله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ؟.

الوجه التاسع عشر

السادس عشر : هل قاله الله تبارك وتعالى فى كتابه العزيز ؟.

كتاب فى تحريم علم المنطق
الوجه العشرون

العشرون : التضمن والالتزام من علم المنطق ، وهو قد ألف كتاباً فى تحريمه ، فقد صدق من قال فيه : أنه لا يدرى ما يقول ، وهو كثير التناقض فى كلامه ولا يشعر .

الوجه الحادى والعشرون

الحادى والعشرون : يقال للمفتونين به وضحوا لنا هذا الكلام : ( وإن كانت الإلهية تتضمن الربوبية والربوبية تستلزم الإلهية ، فإن أحدهما إذا تضمن الآخر عند الانفراد لم يمنع أن يختص بمعناه عند الاقتران كما فى قوله : قل أعوذ برب الناس إلخ . وهل كان السلف الصالح الذين يلبس بهم على البسطاء يقولون هذا الهذيان ويعلمونه تلامذتهم ؟ ، وهل قاله علماء الإسلام والمفسرون ؟ .

الوجه الثانى والعشرون

الثانى والعشرون : قوله فى الموضع الثالث ( فإنهم قصروا عن معرفة الأدلة العقلية التى ذكرها الله فى كتابه ) ، دعوى كاذبة مقلوبة عليه فيقال له : إنما المقصر عن معرفة الأدلة العقلية التى ذكرها الله تعالى فى كتابه أنت وأشياخك المجسمة ، مبنية على إعجابه بنفسه وتأليهه وإزدرائه علماء الإسـلام ، وكل مائق يمكنه أن يقول : إن الناس كلهم مخطئون أو أن المتكلمين جميعاً قصروا عن معرفة الأدلة العقلية إلخ ... ، لأن الثرثرة لا ضريبـة عليها ، ولكن هل يضمن لهذره الصواب دائماً ؟ وكل من تصفح تآليفه يجد إعجابه برأيه وإزدراءه للعلماء ماثلين أمام عينه فى كل صفحة ، والإعجاب واحتقار عباد الله من أوليات إبليس .

الوجه الثالث والعشرون

الثالث والعشرون : يقال له فى قوله ( فعدلوا عنها إلى طرق أخرى مبتدعة ) ، من أين لك أن علماء الإسلام كلهم عدلوا عن الأدلة العقلية التى ذكرها الله تعالى فى كتابه إلى طرق أخرى مبتدعة ، ومشيت أنت وحدك عليها فعصمت من الطرق المبتدعة ؟، أبنص صريح من كتاب الله تعالى أو من سنة نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ ، فلو استظهر بالثقلين على أن يجد فيهما ما يصوب رأيه ويخطئ علماء الإسلام ، لم يظفر بذلك .

الوجه الرابع والعشرون

الرابع والعشرون : قوله ( فيها من الباطل ما لأجله خرجوا عن بعض الحق المشترك بينهم وبين غيرهم ودخلوا فى بعض الباطل المبتدع وأخرجوا من التوحيد ما هو منه كتوحيد الإلهية وإثبات حقائق أسماء الله وصفاته ) ، كلام معمى ملبس فاسد مشتمل على خمسة أوجه كلها فاسدة :

( الأول ) " فيها " أى فى الطرق التى ابتدعها علماء الإسلام – على زعمه = من الباطل أى الكفر ومن للتبعيض أى بعض الكفر ، ما أى الذى لأجله خرجوا عن بعض الحق المشترك بينهم وبين غيرهم ، أى خرجوا عن توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات اللذين هما مع توحيد الربوبية مجموع الحق المشترك بينهم يعنى جميع المسلمين ، وبين غيرهم يعنى نفسه ، ودخلوا فى بعض الباطل المبتدع ، أى دخلوا فى بعض الكفر المبتدع ، ( وأخرجوا من التوحيد ما هو منه كتوحيد الإلهية وإثبات حقائق أسماء الله وصفاته ) ، أى أخرجوا هذين القسمين من مجموع التوحيد الذى هو توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات ، وقد قلده محمد بن عبد الوهاب فى هذا الموضع أيضاً ، فقسم التوحيد فى بعض رسائله إلى ثلاثة أقسام ، وتقدم فى الموضع الأول والثانى والرابع من كلامه ما يدل صريحاً على أن التوحيد ينقسم إلى قسمين فقط : توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ، فليتأمل الألباء هذا الخبط .

( الثانى ) : الحق معنى من المعانى لا يصح تبعيضه والباطل كذلك ، فتقويم كلامه هذا = على مقتضى زعمه = أن يقول : علماء الإسلام قاطبة خرجوا عن الحق الذى هو الإيمان ، ودخلوا فى الباطل الذى هو الكفر ، أى كفروا ، والعياذ بالله ، وماذا بعد الحق إلا الضلال ، ولم يقل عاقل من المسلمين أن الإيمان والكفر يتجزآن لذاتهما ، فقد كفر المسلمين فى أول هذا الكلام ، وليس تكفيرهم بالتعبير بلفظ بعض فى وسطه ، وصرح بتكفيرهم فى آخره كما سأحلله .

( الثالث ) : قوله : ( خرجوا عن بعض الحق المشترك بينهم وبين غيرهم ) كلام يضحك من المجانين قبل العقلاء ، لأن معناه توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات بضاعة مشتركة بينه وبين علماء الإسلام فخرجوا هم عن هذه الشركة باختيارهم وتركوها له خالصة .

( الرابع ) : وهو أشد فساداً مما قبله قوله : ( وأخرجوا من التوحيد ما هو منه كتوحيد الألوهية وإثبات حقائق أسماء الله وصفاته ) ، فإنه يدل على أن علماء الإسلام كلهم يعرفون أقسام التوحيد الثلاثة حق المعرفة ، ومع ذلك أخرجوا منه قسمين عمداً وهما : توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات ، وأبقوا لأنفسهم توحيد الربوبية الذى أقر به المشركون .
( الخامس ) قوله : ( وإثبات حقائق أسماء الله وصفاته ) تلبيس فاسد فإن الله تبارك وتعالى لم يكلف عباده بمعرفة ( إثبات حقائق أسماء الله وصفاته ) ، ورسوله المبعوث رحمة للعالمين لم يأمر الناس لما دعاهم إلى الله بذلك ، وإنما أمر الله عباده أن يعبده ولا يشركوا به شيئاً ، وأمرنا تعالى أن ندعوه باسمائه الحسنى ولم يأمرنا بإثبات حقائقها ، وأمرنا باتباع نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم فى جميع ما أتانا به من الأوامر واجتناب ما نهانا عنه ، وسلفنا الصالح الصحابة وأتباعهم وأتباع أتباعهم لما نشروا محاسن الدين الإسلامى على المعمورة لم يأمروا الناس بإثبات حقائق أسماء الله وصفاته ، ومن شك فى هذا أو كابر فليبرز لنا نقلاً صحيحاً عنهم يدل لهذيانه هذا ، ومقصوده به حقائق صفات الله فقط ، لأنه يعتقد فى ظواهر القرآن والسنة المتشابهة أنها صفات لله حقيقية ، فيقول : أنه تعالى استوى على عرشه حقيقة ، وفوق العرش حقيقة ، تقليداً لسلفه المجسمة ، وقد تقدم رد ابن الجوزى عليهم بأن تسميتها صفات بدعة لم يقلها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولا لأصحابه ، فأسماء الله تعالى مقحم بين المضاف والمضاف إليه .

الوجه الخامس والعشرون

الخامس والعشرون : قوله ( ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية وهو الإقرار بأن الله تعالى خـالق كل شئ ، وهذا التوحيد كان يقـر به المشركون الذين قـال الله عنهم : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) وقال تعالى : ( قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ – الآيات ) وقال عنهم ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ) ، صريح فى تكفير المتكلمين ، متناول أيضاً للصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة إلا من قال برأيه ، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ( أى ومحمد رسول الله ) فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) ، وصح عنه أيضاً أنه قـال ( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فهو المسلم الذى له ما لنا وعليه ما علينا ) ، وصح عنه أيضاً أنه قـال لمولاه أسامة بن زيد رضى الله عنهما : ( أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ) فقال يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السيف فقال له ( فهلا شققت عن قلبه حتى تعلم أنه قالها لذلك ) ، وصح عنه أيضاً أنه قال : ( إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا لأشق بطونهم ) ، وصح عنه أيضاً أنه قال : ( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ) . ودلت نصوص الشريعة المستفيضة على أن الكفر أمر باطنى لا يعلمه إلا الله فالحكم به على واحد من المسلمين خطير جداً ، فكيف الحكم به على الأمة الإسلامية كلها ؟ ، فهذا لا يتفوه به إلا من نزع من قلبه مخافة المنتقم الجبار ، فقد برهن بهذا الكلام ، على أنه مقتد بأسلافه الحروريين الذين كفَروا كثيراً من سادات المسلمين الصحابة رضوان الله عليهم والأمة الإسلامية جمعاء إلا من وافقهم على هواهم ، ولذلك جاء فى الصحيح عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال فيهم : ( هم شرار الخلق عمدوا إلى آيات نزلت فى الكفار فحملوها على المؤمنين ) ، فهو فى المائة الثامنة مجدد الربوع البالية يحمل الآيات الواردة فى الكفار على المؤمنين كما حملها عليهم أسلافه كلاب النار ، فالذى قال من العلماء أنه كفر ابن عربى وابن الفارض وابن سبعين فقط ، والذى قال منهم أنه طعن فى الشريف أبى الحسن الشاذلى ، والذى قال أنه طعن فى رجال الصوفية جميعاً ، والذى قال أنه كفر إمام الحرمين أبا المعالى الجوينى وتلميذه أبا حامد الغزالى ، كلهم صادقون ، لأن كلاًّ منهم اطلع على قبيحة من قبائحه المدسوسة المفرقة فى كتبه ورسائله ، ولم يطلعوا على كلامه هذا ولو اطلعوا عليه لتحققوا أنه كفر الأمة الإسلامية جمعاء ، متكلمين وفقهاء ومحدثين وصوفية ، فى مقدمتها سلفها الصالح والصحابة والتابعون وأتباعهم رضوان الله عليهم .

فإن قيل : منطوق كلامه فى حكمه بالشرك خاص بفرق المتكلمين فكيف عممته فى الأمة الإسلامية كلها ، فادعيت أنه متناول للصحابة والتابعين وأتباعهم وللفقهاء والمحدثين والصوفية ؟. قلت : الصحابة وعلماء التابعين وأتباعهم ومن بعدهم من علماء المسلمين كلهم متكلمون ، والدليل عليه عشرة أوجه :

( الأول ) علم الكلام علم قرآنى فإنه مبسوط فى كلام الله تعالى بذكر الإلهيات والنبويات والسمعيات والثلاثة مجموعة ، مع ذكر ما يتوقف عليه وجود الصانع من حدوث العالم المشار إليه بخلق السموات والأرض والنفوس وغيرها والإشارة إلى مذاهب المبطلين والطبائعيين وإنكار ذلك عليهم والجواب عن شبه المبطلين المنكرين لشئ من ذلك ، إمكاناً أو وجوداً ، كقوله تعالى : ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ) ، وقوله تعالى : ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) ، وقوله تعالى : ( الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً ) ، وذكر حجج إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحكم لقمان وغير ذلك مما يطول ذكره ، وتكلم فيه النبى صلى الله عليه وسلم كإبطاله اعتقاد الأعراب فى الأنواء وفى العدوى وفى جوابه للأشعريين عن سؤالهم عن أول هذا الأمر ، قال ( كان الله ولم يكن شئ غيره - إلى آخر الحديث ) وغير ذلك ، وهو كسائر العلوم مركوز فى طباع الصحابة الناصعة الصافية ، ولاتفاقهم جميعاً فى العقيدة الإسلامية لم يحتاجوا إلى الكلام فيه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ...."

Dapatkan buku-buku Islam karya A. Fatih Syuhud di sini. Konsultasi agama kirim via email: alkhoirot@gmail.com